; وسيلة وإلهام.. تحركان باريس | مجلة المجتمع

العنوان وسيلة وإلهام.. تحركان باريس

الكاتب صباح البغدادي

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 65

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 40

السبت 03-يناير-2004

أجتمع ألاف الأشخاص في ساحة الجمهورية، وسط العاصمة الفرنسية باريس يوم الأحد ٢١ ديسمبر ۲۰۰۳م، من الساعة الثانية إلى الساعة الخامسة بعد الظهر للقيام بمسيرة احتجاجية تندد- بعزم فرنسا وضع قانون يمنع وجود الرموز الدينية في المدارس ومنها الحجاب.
كانت غالبية المتظاهرين، وهو أمر طبيعي، فتيات محجبات لكن لا نعدم حضور الرجال وغير المحجبات.
يلاحظ أن كثيرًا من الفتيات كن يضعن على رؤوسهن علم فرنسا كخمار لهن، كما لوح المتظاهرون ببطاقات الهوية الفرنسية، وبطاقات الانتخاب والعلم الفرنسي، ولافتات لأقوال المفكر الفرنسي جان جاك روسو في الحرية على وقع النشيد الوطني الفرنسي، وذلك للتأكيد على الهوية الفرنسية العميقة لهؤلاء الشباب الذين ينتمي أغلبهم إلى الجيل الثالث أو الرابع فهم لا يعرفون بلدًا أو وطنًا أخر غير فرنسا، أغلبهم يحس بالغربة في أوطان آبائهم الأصلية والكثيرون منهم لا يتقنون اللغة العربية فهم فرنسيون عرفوا مبادئ الثورة الفرنسية منذ الصغر، ورأوا أنها لا تخالف رجوعهم إلى هويتهم الدينية، بل تضمن لهم حرية التدين والاعتقاد.
جاءت هذه المسيرة الاحتجاجية بعد خطاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك يوم ۱۷ ديسمبر الماضي الذي أعلن فيه موافقته على ضرورة وضع قانون في أسرع وقت ممكن يمنع الرموز الدينية في المدارس والمؤسسات العمومية، والذي ستقدمه الحكومة إلى البرلمان في شهر فبرابر المقبل، هذا القانون يمثل اعتداء على حرية التدين التي كفلتها القوانين الأوروبية ومواثيق حقوق الإنسان.
لم يكن وراء تنظيم هذه المسيرة أي منظمة أو جمعية إسلامية، بل كانت مبادرة شخصية من طرف تلميذتين «وسيلة وإلهام» أرادتا أن تعبرًا عن رفضهما لهذا القانون عبر عمل نضالي مشروع فساعد الإنترنت والنقل الشفهي على تعميم الخبر في وقت ضيق مما جعلها مسيرة ناجحة فاجأت الرأي العام الفرنسي، وكذلك بعض ممثلي الجمعيات الإسلامية. 
كان عدد المتظاهرين غفيرًا، يفوق عشرة ألاف متظاهر لكن رجال الشرطة الفرنسية قدروه بثلاثة آلاف شخص فقط ومما يستدعي السؤال أن نشرة الأخبار في القناة الفرنسية الأولى أعلنت عن الرقم الذي قالت به الشرطة، في حين أن القناة الثانية قالت بمشاركة مئات المتظاهرين فقط والفرق بين المئات والألاف شاسع وكبير كما أعلنت أن المسيرة منظمة من طرف الرجال، تلميحًا لكون المرأة المسلمة دائمًا تحت قيادة الرجل، وأنه هو الذي يتولى كل شيء حتى في نضالها عن حقوقها، فهذا التذبذب في عند الرأي الفرنسي يقر بأن الحقيقة هي ليست القول ما لون.
قيلت شعارات كثيرة في هذه المسيرة الاحتجاجية من مثل: «أين الحرية المساواة والأخوة؟ «وهي مبادئ اتخذتها فرنسا شعارًا لها» لا زوج ولا أب الحجاب كان اختيارنا» وشعارات كثيرة قيلت لإيصال رسالة للشعب الفرنسي والرأي العام مفادها أن الحجاب ليس رمزًا دينيًا، بل هوية دينية لا يمكن التراجع عنها، كما أنه اختيار نابع من قناعة ذاتية..
فكأن الفتيات المحجبات أردن أن يقُلْن من خلال هذه المبادرة إنهن قادرات على التعبير عن رفضهن لهذا القانون الجائر في حقهن وكأنهن بذلك يعبرن أيضًا عن يأسهن من الممثلين الرسميين للمسلمين بفرنسا من عدم فاعليتهم في الدفاع عنهن إذ أعلن رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية دليل أبو بكر في برنامج تلفازي في القناة الفرنسية الثالثة حين سئل عن رد فعل المسلمين بعد إصدار القانون أنهم- متحدثًا باسم المجلس ضد هذا القانون، لكن في حالة صدوره فسيوقعون عليه لا باليد الواحدة بل بالاثنتين فكان خطابًا استسلاميًا لا يعبر عن أي دبلوماسية في حل مشكلات الجالية المسلمة في فرنسا، فكيف بعد هذا توكل الفتيات أمر من لهم؟!
كان الطريق الذي سلكته المسيرة رمزيًا أيضًا في تاريخ فرنسا، حيث كانت نفسها مسيرة الثورة الفرنسية سنة ١٩٨٩ م من ساحة «الجمهورية» إلى ساحة «باستيل» حيث هاجم الثوار سجنًا كان موجودًا بهذه الساحة، وكانت تغطية الإعلام للحدث تغطية عالمية كبيرة وقد أعلن عن موعد لاحق لتظاهرة مماثلة 17 يناير ٢٠٠٤م. 

الرابط المختصر :