; سبتة وطيلة.. أرض المجابهة بين أسبانيا والشمال الأفريقي المسلم | مجلة المجتمع

العنوان سبتة وطيلة.. أرض المجابهة بين أسبانيا والشمال الأفريقي المسلم

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 49

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

  •  ٥٠٠ عام على الإحتلال ومازالت المخاوف من طارق بن زياد جديد.
  •  قضية شمال غربي أفريقيا بمجملها صارت واحدة من أخطر القضايا العالمية على سلم أولويات الغرب الذي مازال يتحسب من طارق بن زياد جديد.
  •  في سبتة ٧٠٠٠ جندي يقيمون في ثكنات بصفة دائمة على نصف مساحة المدينة وهو ما يخلق حالة دائمة من الحذر والتوتر المشحون بالمخاوف.
  •  العلّامة محمود شاكر: سبتة و مليلة كانتا الرديف لمسلمي الأندلس.. تدعمهم وقت الشدة كما حدث أيام المرابطين و الموحدين بعدهم.
  •  ميجل كروث أرنانديث: المشكلة الرئيسية دائمًا هي إحتمال إستعادة أسبانيا من قِبل المسلمين المقيمين في الجنوب و خاصة في سبتة و مليلة.

لعل مدينتي سبتة ومليلة هما المدينتان الوحيدتان في العالم الإسلامي، واللتان -وعلى الرغم من ضمهما عن طريق التوسع الاستعماري الجغرافي الممتد- بقينا محتفظتين بطابعهما الإسلامي، وتركيبتهما الاجتماعية الإسلامية، وذلك بعد مرور خمسمائة عام على ضمهما.

وعلى الرغم من أن أسبانيا مافتئت تنادي بهاتين المدينتين، على أنهما مدينتان «مفتوحتان» -على نمط طليطلة، وسراقب- لجميع أتباع الرسالات الإلهية، وعلى الرغم من اعتبارهما مقاطعتين أسبانيتين تتمتعان بالحكم الذاتي وعلى الرغم من حملة التجنيس واسعة النطاق التي قامت بها أسبانيا بين أبناء المدينتين من المسلمين الذين يشكلون لحمة المواطنين الأصليين للمدينتين، فإن هاتين المدينتين.. بقيتا مسلمتين اعترفت أسبانيا بذلك أم لم تعترف؟

وعرفت المغرب التعامل مع ذلك أم لم تعرف؟ 

أعلنت وزارة الداخلية الأسبانية عن إقامة إحتفالات واسعة النطاق على مستوى الدولة بمناسبة مرور خمسمائة عام على إستعادة سبتة ومليلة إلى السلطة الأسبانية، وذلك مساء الثلاثاء السادس عشر من شهر سبتمبر، بإعتباره اليوم الذي أستعادت فيه أسبانيا سلطتها عليهما من المستعمر البرتغالي الذي كان قد أستولى على الشمال الأفريقي المغربي بنية الإلتفاف على المسلمين الأندلسيين من الجنوب.

 وتدُّعى أسبانيا أن سبتة ومليلة مدينتان أسبانيتان منذ عشرات الآلاف من الأعوام التي تمتد إلى فترة ما قبل الفتح الإسلامي لأراضيها، وأن مسألة إنتمائهما إلى المغرب لا يمكن أن تكون موضع نقاش أو جدل، خاصة بعد أن تنازلت شكليًّا عن الصحراء التي كانت تدعى الصحراء الأسبانية. 

أما المغرب من جهتها فمافتئت تستعمل قضية سبتة ومليلة كورقة هامة في سياساتها الخارجية وعلاقاتها مع كل من أسبانيا، وبريطانيا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.

وكما أن أسبانيا التي أنسحبت عسكريًّا من الصحراء. لم تترك قيد شعرة العمل الجاد والملح في قضية غزوها ثقافيًّا أو فكريًّا، وإنسانيًّا، فإن المغرب التي لم تستطع إستعادة سبتة ومليلة لم تترك كذلك ولا لمجرد برهة من الزمن المثابرة الدائبة على محاولة إحتفاظ الشعب المسلم من عرب وبرابرة من سكان المدينتين بعاداته وتقاليده، وأطره الاجتماعية والفكرية العامة التي لا تجعله يختلف كثيرًا، أو قليلًا عن الشعب المغربي في السمات العامة التي تميز الشعوب.

  • يذكر القاموس الموسوعي الجديد إلوسترادو المطبوع عام ۱۹۹۷م، في جزئه الثالث.

ص ٥٥٣، وبالحرف: «سبتة.. مدينة ذات سيادة أسبانية تقع شمالي المغرب على شواطىء مضيق جبل طارق، تبلغ مساحتها ١٨,٥كم، وعدد سكانها 73.208 مواطنين.

وتعتبر ميناء لصيد الأسماك والتجارة، وهي ذات طراز أندلسي، مع إحتفاظها بأحياء شعبية إسلامية، وتعود أصول كاتدرائياتها إلى القرن التاسع عشر.

 وكانت قد أحتُلت من قِبل العديد من الأقوام على مدار التاريخ كاليونان والإغريق، وقد نزل فيها الجنود البرتغاليون عام ١٤١٥م بعد معركة القصر الكبير، ثم أنتقلت إلى الإدارة الأسبانية  عام ١٥٨٠م».

  • أما مليلة، فتذكر الموسوعة البصرية أوثيانو، في جزئها السابع ص ۲۲۰۳ أن مليلة مقاطعة أسبانية، تمتعت بالحكم الذاتي، وفق القانون المصادق عليه في مجلس الشعب الصادر في 22/2/1995م».

تقع لدى السواحل الشمالية المغربية مساحتها ١٤كم٢ ، وعدد سكانها ٥٦,٦٠٠، وهي عبارة عن ميناء يشتهر بتصدير الحديد والسمك، لم تتبع الملكية الأسبانية حتى عام ١٥٥٦م.

وكانت أول مدينة أسبانية ثارت ضد الجمهورية الأسبانية الثانية عام ١٩٣٦م عند بدء الحرب الأهلية الأسبانية.

ومافتئت المغرب تطالب بهذه المدينة منذ عام ١٩٧٥م، وقد أخذ دستور عام ۱۹۷۸م بعين الإعتبار قضية أعتبارها مقاطعة ذاتية، وصدر مشروع قرار الموافقة عام ١٩٨٥م، ولكن لم تتم هذه المصادقة بسبب عدم إتخاذ الجالية الإسلامية المقيمة في المدينة -أكثر من نصف عدد السكان- بعين الإعتبار، وتهميش المسلمين، وإبعادهم عن الحياة السياسية والثقافية للمدينة، حتى تمت المصادقة أخيرًا على هذا القانون الدستوري عام 1955م».

 والإهمال الاقتصادي واسع النطاق الذي كانت تعانيه كل من سبتة ومليلة من قبل الإدارة الأسبانية ليس خافياً، وطالما ارتفعت أصوات أبناء المدينتين من الأسبان بشكل خاص بالإحتجاج على هذه السياسة التي لم تُغفل قط المنطقة من الناحية السياسية العسكرية كخط دفاع رئيسي ضد العدو المنتظر القابع في الجنوب، بينما لم تولها أية عناية تذكر كمنطقة أسبانية تدعي إسبانيا أنها جزء من أراضيها التاريخية، ويكفي أن يتحدث المرء إلى الناس في المدينتين ليدرك ابعاد الأوضاع بالغة السوء التي يعيشونها هناك.

 وتلعب أسباب متشابكة دورًا رئيسيًّا في إستفحال هذا القلق الشعبي التاريخي المعهود في معظم المناطق الحدودية في أكثر دول العالم، إلا أن الأسباب الذاتية المتعلقة بسبتة ومليلة هي: 

1- التنوع الثقافي والإنساني والديني في المدينتين، فهناك جالية مسلمة، وأخرى يهودية لا يستهان بهما، وثالثة نصرانية، وهناك المواطنون الأسبان الذين يتصرفون وكأنهم أسياد صغار في أرض قفار، وهناك المسلمون وهم الغالبية من عرب وبربر.

ولا يمكن لواحدة من هذه المجموعات أن تشعر بالاستقرار ولا الإطمئنان على الرغم من المحاولات الجادة التي بذلتها الحكومة الأسبانية لبناء نظام اجتماعي عام يصهر في بوتقته الخلافات الجذرية التي جعلت المجموعات الإنسانية في سبتة ومليلة تنغلق على نفسها في أحياء خاصة بكل منها و مدارس وحتى الأسواق.. مما يعمق الخلاف ويباعد الشقة.

وتتبع كل مجموعة من هذه المجموعات مباشرة دولة تساندها وتعضدها وتخطط لها، وربما تتبع كل مجموعة أكثر من دولة.. فالبرابرة المسلمون يجدون أنفسهم الآن وقد أحاطت بهم مخططات دولية تؤدي على المدى البعيد إلى إقامة وطن قومي بربري في إطار سياسة جديدة قد ترمي إلى تفتيت جديد لكل من الجزائر والمغرب.

 واليهود تابعون لإسرائيل، مع تلقي الدعم المباشر من الجالية اليهودية قليلة العدد لكنها عظيمة الفعل في أسبانيا، إلى جانب الجالية اليهودية كبيرة العدد، بالغة التأثير في المغرب.. أما المسلمون فهم منقسمون على أنفسهم تحت قيادات وزعامات مختلفة، كل منها يتبع جهة وربما أكثر .. ولقد حاولت أسبانيا خلال العهد الإشتراكي جمع صفوف المسلمين في سبتة ومليلة، إثر تجنيسهم، وذلك بهدف الإحتواء التام الذي أتى ثماره من حيث هدوء بال السلطات الأسبانية، إلا أن بعض المسلمين المتعاونين مع الحكومة الأسبانية لتمثيل مسلمي سبتة ومليلة أنقلبوا عليها وأعلنوا ولاءهم للمغرب بإعتبارها وطنهم وبإعتبار سبتة ومليلة مدينتين مغربيتين محتلتين من قبل أسبانيا. 

2 - يبلغ عدد سكان مدينة سبتة ستين ألف مواطن تقريبًا، بينهم سبعة آلاف شخص يعملون في إطار قوات الأمن ما بين جيش وشرطة ودفاع مدني، وأمن عسكري، وحرس حدود.. وكلهم مجندون مسلحون يقيمون في ثكنات عسكرية مرفقة بتجمعات مدنية لذويهم تبلغ مساحتها جميعا نصف مساحة سبتة تقريبًا، والأمر في مليلة لا يختلف كثيرًا، وهذا يعني وجود حالة دائمة من الحذر والترقب والتوتر المشحون بالمخاوف.

 3- يعمل معظم سكان المدينتين من مسلمين ويهود ونصارى بالتجارة القانونية وغير القانونية، وتنتشر عصابات المافيا التي لاتتورع عن الإتجار بكل شيء، الدخان الحشيش المسكرات.. الرجال والنساء والأطفال.. ذهابًا وإيابًا بين أسبانيا والمغرب.. الذي يعتبر واحدًا من بلدان المجابهة الدائمة مع الغرب، حضارة، ودينًا، وإنسانًا وأرضًا.

 سبتة.. ومليلة في تاريخنا وحاضرنا

يقول الأستاذ المؤرخ الإسلامي «محمود شاكر» في كتابه التاريخ الإسلامي، الجزء الثامن ص ٥٤٥: «في الوقت الذي كان الصراع قائمًا فيه بين المسلمين والنصارى في الأندلس، وتأخر إقتحام النصارى للبلاد رغم أن أوروبا كانت من ورائهم تدعمهم، ورغم ضعف المسلمين الذي كان واضحًا، فكر النصارى من الأسبان والبرتغال، في الإبحار على سواحل القارة «الأفريقية» الغربية لمعرفة قوة المسلمين «فيها» إذ كانت الرديف لمسلمي الأندلس تدعمهم وقت الشدة، كما حدث أيام المرابطين والموحدين وبعدهم (و) قبل أن يقوى أمر المسلمين في بلاد المغرب، ويمدوا  إخوانهم في الأندلس».

وهكذا تم إحتلال سبتة من قبل البرتغاليين في محاولة مدروسة بعناية للإلتفاف على المسلمين في المواقع التي كانت ومازالت القنطرة التي عبر من خلالها الإسلام إلى أوروبا، بعز الفاتحين ومازال يعبر يوميًّا، بذل المهاجرين، عن طريق النزيف المستمر على هذه الحدود التي لا تفصل بين أوروبا وأفريقيا فحسب، بل هي البوابة الغربية لأمة، لم يتوقف مدها الحضاري، ولدين لم تتجمد قدرته على الفتح على الرغم من إنخذال أهله وأصحابه وإنهيار أمة دولته.

وقد جاء ذكر سبتة ومليلة في كثير من المواضع في جميع الكتب العربية التي تحدثت عن تاريخ الأندلس فتحًا ومحنة، كثغرين من ثغور المسلمين. ويقول ابن خلدون في تاريخه على سبيل المثال: «لما بايع الوزير ابن ماساي للمواثق، ورأى أنه قد استقل بالدولة، صرف نظره إلى إسترجاع ما فرّط به من أعمالها، وأفتتح أمره بسبتة»  ج7 ص421.

لقد كانت سبتة ومليلة مفتاح كل أمر ذي شأن نحو الأندلس، أو نحو المغرب، وكانتا، وما زالتا مدار الفتن والحروب الخفية الدائرة على الإسلام ودياره وأهله.. يستوي في ذلك أعداؤه، ومن ولدوا فيه.

يقول «ميجل كروث إرناندث» في كتابه «الإسلام الأندلسي» تاريخ ومجتمع: «لقد كانت المشكلة الرئيسية -ص66- ودائما إحتمال استعادة إسبانيا من قبل المسلمين المقيمين في الجنوب، وخاصة أن القوة الإسلامية كانت متمركزة في الضفة المغربية، وفي مدينة سبتة على وجه الخصوص».

«لقد كانت سبتة -ص127- المركز الرئيسي للضبط بالنسبة للمغرب المسلم». «وعلى الرغم من الذبذبات السياسية للمغرب في ذلك الحين (۹۳۱ ميلادية)، فإن عبد الرحمن الثالث كان يسيطر على المنطقة عن طريق تقوية كل من مليلة، وميناءي سبتة وطنجة ص128».

وعلى الرغم من قلة المراجع المتوافرة بين أيدينا لإعطاء الأمر حقه من البحث في مجلة إسلامية كالمجتمع، فإن الأهمية الجغرافية والتاريخية التي يوليها كل من أوروبا والمسلمين الأفارقة على جميع خلافاتهم وإتجاهاتهم وتوجهات حكوماتهم، أمر لا نقاش فيه.

لقد أصبحت قضية شمال غربي أفريقيا بمجملها واحدة من أخطر القضايا العالمية على سُلّم أولويات الغرب الذي يتحسب من «طارق بن زياد» جديد، حيث تنتشر الجالية المسلمة البربرية في تلك المنطقة، وحيث قامت إسبانيا بمنح الجنسيات الأسبانية لمجمل السكان المسلمين في سبتة ومليلة، ومعظمهم من البرابرة الذين يتمتعون بصفات إسلامية رفيعة المستوى، وتمسك بالدين جعلهم يحتفظون بأخلاق الإسلام وعاداته جيلاً بعد جيل، دون أن يفرطوا في شيء منه على الإطلاق، اللهم إلا إستعمال اللغة العربية الفصحى.

إنه مما لا يخفى على أحد أن خطط الأمن الأطلسية التي تبحث عن عدو توحد من خلاله صفوف حلفها الذي فقد مبرر وجوده إبان نهاية الحرب الباردة، بدت وكأنها قد وجدت ضالتها المنشودة في هذه المنطقة بعدما اطمأنت تمامًا، كما يبدو لها، إلى استقرار وضع الاستسلام فيما يسميه الغرب -ونحن له تبع- بالشرق الأوسط.

إلا أن خطط الإحتواء الأسبانية في المنطقة بدأت تعطي ثمارها في سبتة ومليلة، كما في الصحراء الغربية، حيث بادرت إسبانيا في سابقة منسوخة عن الطريقة الإنجليزية في بلاد المسلمين وشعوبهم، لتنشئة أجيال لا تُطالب بترك دينها، ولكن ولاءها السياسي تابع لإسبانيا، وما كانت هذه الخطط لتعطي ثمارها هائلة المردود، لولا القهر السياسي الرهيب والعجيب الذي يعانيه الإنسان المسلم في بلاده. لقد نشأت أجيال كاملة.. تطالب بالولاء للمستعمر، والخطورة لا تكمن في كون هذه الأجيال منسلخة عن دينها ومتغربة، كما هو الحال في تيارات الخضوع للغرب في مرحلة الخمسينيات والستينيات، ولكن في كون الأجيال الحديثة متمسكة بدينها وسلوكها المتميز، وقناعاتها الإيمانية، حتى إستعلائها بالإسلام إلى جانب تبعيتها السياسية والنفسية لهذه البلاد التي توفر لها أمرين اثنين تفتقدهما الدول الإسلامية والشعوب الإسلامية: وهما النظام الاجتماعي، والكرامة الإنسانية.

ولم يعد الأمر مقتصرًا على مدن وثغور تقتطع من هنا وهناك، ويتم إحتواء شعوبها هنا وهناك فحسب، بل تجاوز ذلك إلى نزوح وهجرة عامة نحو بلاد الغرب حيث يظن المسلم راحته وكرامته، والهروب بدينه وبنفسه من جحيم الحياة في بعض بلاد المسلمين.

إن الخطر يكمن في هذه الأجيال المتعايشة مع الأنظمة السياسية الغربية التي لا تستطيع الخروج عليها، والمهددة في كل حين بهجمة «حربية»، وهي المجردة من كل سلاح وقوة وإستعداد.

ولا تخرج قضية «سبتة ومليلة المستقبل» عن كونها مدخل الإستعمار إلى وجداننا، وإحتلاله أرضنا، بسبب القهر السياسي وسحق الإنسان في أرجاء بلادنا المضيعة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل