العنوان الحوار مع الشيوعيين نتائجـه وثمـاره.. ضمانات التطبيق أو النظام السياسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1973
مشاهدات 10
نشر في العدد 161
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 31-يوليو-1973
تتفرد الشريعة الإسلامية بميزات عديدة حتى فيما
يصيب بعض جوانبها من تعطيل على أيدي ضعاف النفوس والأفهام من الحكام أو الأفراد..
فلا تتداعى أركانها نتيجة تعطيل هنا أو خروج هناك بل سرعان ما يسري التنبيه في
شرايين الجسم الحي لمحاصرة موضع الخطر وعزله عن بقية الأجزاء.. حتى لو أصاب هذا
العطب عمودًا فقريًا كالتشريعات الاقتصادية.. فإن بقية التشريعات الاجتماعية لا
تفقد صوابها بل يظل لها استقلالها وعلى كل مسلم التزامها، ولا تتعرض ولا يتعرض معها
دين المسلم للموت بسهولة رغم كثرة الضغوط وتنوع القيود التي تكبل خطاه حتى ولو قبض
في سبيل ذلك على الجمر.. فهو مع هذا العنت في عافية طالما أن الضربة لم تصب
القلب.. أي لم توجه للعقيدة ولم تخلخل الإيمان..
حتى في أحلك الأوقات التي تتعطل فيها كل وحدات
الشريعة في المعاملات وتبهت في العبادات فإن العقيدة الصافية تقف بمفردها كخط دفاع
أخير وقوي يدفع إلى كل الأصول التشريعية من جديد كما هي ظاهرة التجديد لأمر هذا
الدين على يد من يبعثه الله كل حين من أئمة الهدى..
الأمر الذي تفتقر إليه جميع الأنظمة الأرضية؛ فهي إن
تغير فيها الأساس الاقتصادي للمجتمع تغيرت وراءه كل التشريعات الاجتماعية
والسياسية حتى الأخلاق والقيم تلهث هي الأخرى من كثرة التبديل.. وقد أدرك جيب في كتابه(1)
هذه الظاهرة الفريدة وأشار إليها في قوله: «وأعجب من ذلك أنه بينما حدثت عدة
تطورات في المثل الاقتصادية للشعوب الأخرى (الإسلامية) خلال المائة سنة المنصرمة، بقي
النظام الاجتماعي بلا تغيير، وهذا يبين في جلاء أن لهذا النظام قوة فطرية تجعله لا
يتأثر بجميع التقلبات التي تصيب ثروات الشعوب التي تدين به».
من أجل ذلك كان عمر الشريعة الإسلامية في حياة
المسلمين طويلًا وتأثيرها عميقًا بالرغم من نقض عروة الحكم التي كانت أول عرى
الإسلام نقضًا إلا أن ذلك لم يؤد إلى نقض عروة التشريعات المالية (الاقتصاد) بمثل
السرعة التي تقابلنا في الأنظمة الأخرى إذ كان دون ذلك عمرٌ طويلٌ استلزم قرونًا
أخرى وقوى خارجية ممثلة في الاستعمار، ومع هذا بقيت عُرى التشريعات الاجتماعية لم
تلق السلاح ولم تستسلم رغم محاصرتها الشديدة بالقوانين الرأسمالية تارة أو
بالاتجاهات الماركسية تارة أخرى في السياسة والاقتصاد.. وبقيت العقيدة وراء ذلك
كله تمد الجنود في الميدان بطاقة متجددة تدعو إلى تخليص الشريعة الغراء من هجمة
الظلام وتعيد إلى الحياة والعلاقات صفاءها القديم..
وحين أدرك الاستعمار القديم والجديد هذه الحقيقة
جعل من أهم أهدافه توجيه الضربة إلى الإسلام في القلب من طريق محاصرة العقيدة
ذاتها بأساليب الغزو الثقافي والاستعمار النفسي الذي تقوم فيه فرق التبشير وأجهزة
الإعلام ودور النشر ومناهج التعليم بالدور الأكبر باعتبارها طلائع تمهد الطريق
للاستعمار الاقتصادي والسياسي بعد ذلك ليعيش آمنًا في ظل أنظمة علمانية تنتسب إلى
الإسلام بالاسم والتاريخ البعيد.
• برغم خصائص العقيدة الربانية وخصائص الشريعة
الذاتية التي جعلت أمر الانحراف من جانب الحكام محدود المخاطر في حياة المسلمين
والتي جعلت تقديرات الاستعمار تخيب إلا أن الضمانات في حياة المسلمين على مدار
التاريخ لم تقف عند حدود هذه السمات الخالدة بل تعدتها إلى كثير من المؤسسات التي
قامت بدور كبير في ضمان التطبيق فأطالت عمر التشريعات فيما بين الناس برغم ما كان
عليه أمر الحكام من فساد.. ويتكون من مجموع ضمانات التطبيق ما يعتبر إطارًا
سياسيًا خاصًا بالبيئة الإسلامية ووله ما يميزه عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى..
لأن كل نظام اجتماعي يكون له إطاره السياسي الخاص به..
فالشكل الحزبي هو إطار المجتمع الرأسمالي وأدوات
طبقاته المتصارعة.. والحزب الواحد نتاج طبيعي للماركسية عقيدة ومنهجًا.. وأخذت
مسميات النيابية والديمقراطية في كل منهما مدلولات مختلفة والأجهزة البوليسية في
النظامين الرأسمالي والشيوعي بمختلف درجاته نتاج طبيعي لهما وتقوم بتكملة البناء
السياسي في كل منهما.. وخاطئ من يفصل في تصوره دور هذه الأجهزة عن بنيانهما
السياسي.. بل إن الأندية والبارات وتجارات الرقيق الأبيض تقوم بدورها السياسي في
هذه الأنظمة المريضة، لأن هذا الحشد الظاهر والمستتر من المؤسسات يعمل في النهاية
على التمكين لهذا النظام أو ذاك بشتى الوسائل.. فهل كان الإطار السياسي في الإسلام
كذلك؟! بديهي أن نقول: لا.. فاختلاف الأصول والغايات وتميز الشريعة الإسلامية
بخصائصها الذاتية.. قد جعل لضمانات التطبيق صورها الخاصة المتميزة كذلك والتي تكون
في مجموعها الإطار السياسي لهذا النوع الفريد من المجتمعات.. ومن هذه الضمانات
التي تنبثق جميعها من الضمانة الأولى، ضمانة الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد
في سبيله ما يأتي:
1 - الإمامة العادلة
بالشروط التي وضعها الفقه الإسلامي في شخص الإمام
وطريقة توليه السلطة وحدود اختصاصاته وطبيعة مباشرته لمسؤوليته بما يضع أكثر الناس
كفاءة وعلمًا ودينًا على رأس هذه الولاية العامة.. ويستطيع من يراجع ما كتبه السلف
أن يقف على العجب من ذلك، الأمر الذي تفتقر الأنظمة الأرضية إلى تأصيله نظريًا على
الأقل مما دعا إلى أن يقذف إلى مراكز السلطة بالأقدر على أساليب المناورة والخداع
أو بالأسبق في تحريك أسلحة الجيش، ثم يأتي القانون متأخرًا لا ليقود أو يوجه بل
ليبرر ويسبغ صفة الشرعية على الواقع الخاطئ ويفتح باب الإضلال على مصراعيه فيتردى
سدنة الأنظمة في وصف الجاهل بالمعلم الأول والمجهول بالأوحد والمفلس بمصدر الخصب
والنماء.
لو تردى الفقه الإسلامي الذي بين أيدينا اليوم في
رذيلة التبرير هذه ما استحق أن يعيش أئمته العظام في ضمير الأمة الإسلامية هذه
القرون الطويلة.. بل بقي في مكانه شامخًا معبرًا عن الموازين الشرعية وحدها فيما
يخص الحاكم أو الرعية على السواء ومنذرًا من يفتقر إلى شروط الإمامة بكونه على خطر
عظيم لأنه ينعت بالإمام المتغلب، وحسب الحاكم هذه الصفة في نفوس الأمة لظل
مستشعرًا الخطر من الانتفاض عليه في كل حين.. والتاريخ الإسلامي حافل بهذه
الانتفاضات وليس فيه مكان لوصف أحد هؤلاء المتغلبين بالمعلم الأول أو الخالد.
2 - القضاء الإسلامي
وله دوره المشهود في ضمان تطبيق الشريعة الإسلامية،
حسب القاضي الإسلامي ما يلزم توفره فيه من شروط تقترب في قيمتها من شروط الإمامة،
وحسبه سلطانًا فوق الإمام والرعية على السواء أن ميزان الحق والعدل من عند الله
مما أعلى سلطان الشريعة زمنًا طويلًا وجعل السيادة بالفعل للقانون، الأمر الذي إذا
ظفرت بمثله أمة باتت حريتها وكرامتها في حصن حصين وأغناها عن ضمان الأحزاب
السياسية والمنابر الصحفية التي ثبت باليقين أنها في غيبة القضاء الحر عاجزة كل
العجز عن حماية نفسها بل إنها لتستخدم في التضليل باسم الحرية والقانون.
والتاريخ الإسلامي مليء بالصور المشرفة لمواقف
القضاء قبل أن يصيبه ما أصاب الأمة كلها من وهن..
3 - نظام الحسبة:
في مواجهة ظروف الزمان والمكان وما يتطلبانه من
جديد كان للبيئة الإسلامية حلولها الذاتية لدوام تحقيق مقاصد الشرع الحنيف من خلال
سلامة التطبيق.. من ذلك ما عرف بنظام الحسبة وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر،
وتعتبر واسطة بين أحكام القضاء وأحكام ديوان المظالم، أقرب شبها بمهمة النيابة
العامة مع ما بين مهمة الاثنين من فارق كبير ناشئ من طبيعة المجتمع حيث كانت مهمة
المحتسب مراقبة تنفيذ الشرع الحنيف في حياة المجتمع، فيمر بالأسواق ويتفقد مظاهر
النشاط الاجتماعي ويوالي التذكير بالآداب الإسلامية وبموازين الشرع وكان يشترط فيه
أن يكون عالمًا من أهل الاجتهاد في أرجح الأقوال، ويستعين على أداء عمله
بالمعاونين. وهذا العمل وإن كان واجبًا على كل مسلم إلا أن الفرق بين المتطوع
والمحتسب من تسعة أوجه:
1 - فرض عين على المحتسب بحكم الولاية وعلى غيره
فرض كفاية.
2 - قيام المحتسب به من حقوق نصرته التي لا يجوز أن
يتشاغل عنها، ولكنه من نوافل عمل المتطوع.
3 - أنه منصب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره وليس
المتطوع كذلك.
4 - على المحتسب استجابة من استعداه وليس على
المتطوع.
5 - عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة لإزالتها
ويأمر بإقامة معروف ظاهر إن ترك.
6 - له أن يتخذ الأعوان.
7 - له أن يعزر في المنكرات الظاهرة ولا يتجاوز إلى
الحدود.
8 - يتقاضى على عمله أجرًا من بيت المال.
9 - أن له اجتهاد رأيه فيما يتعلق بالعرف دون
الشرع، كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة.
وتقصر الحسبة عن القضاء من وجهين:
أ - قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر
المنكرات «عقود، معاملات» إلا أن يكون هناك نص صريح فيكون جامعًا بين الحسبة
والقضاء.
ب - دور المحتسب مقصور على الحقوق المعترف بها دون
المتنازع عليها.
وتزيد على القضاء من وجهين:
أ - يجوز للمحتسب أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من
العرف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي إلا بحضور خصم
يجوز له سماع الدعوى منه.
ب - لتأثر الحسبة من سلطة السلطة واستطالة الحماة
ما ليس للقضاء.
أوجه الشبه بين الحسبة وبين ولاية المظالم:
أ - موضوعهما مستقر على الرهبة والصرامة.
ب - جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى
إنكار العدوان الظاهر.
ويفترقان في أمرين:
أن المظالم موضوع لما عجز عنه القضاء، والحسبة لما
رفه عنه القضاء.
4 - ديوان المظالم:
وهو من توابع القضاء، وأقرب شبهًا بمجلس الدولة،
والغرض منه استماع شكاوى الناس من القضاة أو الحكام.
وبين الإمام الماوردي أن الناس عندما لم تكفهم
زواجر العظة عن التمانع والتجاذب احتاجوا في ردع المتغلبين وإنصاف المظلومين إلى
نظر المظالم الذي يمتزج به قوة السلطنة بنصفة القضاء.
ولم يجلس للمظالم بصفة دورية أحد من الخلفاء
الأربعة لأن الناس في الصدر الأول كانوا بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره
الوعظ عن الظلم، وإنما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم
القضاء، فإن تجوّر من جفاة أعرابهم متجور ثناه الوعظ أن يدبر وقادة العنف أن يحسن،
فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر بينهم بالحكم والقضاء تعيينا للحق في جهته
لانقيادهم إلى التزامه..
وكان أول من أفرد الظلامات يومًا هو عبدالملك بن
مروان، ثم عمر بن عبدالعزيز الذي رد مظالم بني أمية على أهلها حتى قيل له وقد شدد
عليهم فيها وأغلظ: «إنا نخاف عليك من ردها العواقب، فقال: كل يوم أتقيه وأخافه دون
يوم القيامة فلا وقيته».
ثم كان أول من جلس لها من خلفاء بني العباس، المهدي
ثم الهادي ثم الرشيد، ثم المأمون وآخر من جلس لها المهتدي..
أما في مصر فكان أول من جلس للمظالم أحمد بن طولون،
كان يجلس يومين في الأسبوع ثم صار خلفاؤه يولون من يقوم بها. وفي مصر الفاطميين
جلس لها القائد جوهر الصقلي ثم صار الخلفاء بعد ذلك يجعلون بباب الديوان القضاة أو
إلى بعض العلماء وكانوا يجعلون بباب الديوان مناديًا ينادي «يا أرباب الظلامات».
وفي مصر سلاطين مصر الأيوبيين بنوا دارًا للنظر في
المظالم.
ويذكر مؤلف «تاريخ التمدن الإسلامي» أنه «كان
لسلاطين المسلمين وأمرائهم عناية كبرى في النظر في مظالم الرعية، وكانوا يبذلون
الجهد في رفعها ولو كان الظلم منهم أو من أولادهم وأمثلة هذه الحوادث كثيرة في
تاريخ الإسلام فتعود الناس أن يرفعوا شكواهم إلى خلفائهم وسلاطينهم في أيام معينة
واجبًا فإذا أمسك الخليفة من النظر في الظلم يومًا أو بضعة أيام ضجوا وملوا.. وكان
بعض الخلفاء يقسم المظالم إلى فروع، فرع للجند، وفرع للنظر في مظالم العمال
وغيرها..»(2).
مجلس النظر في المظالم:
كان لا ينتظم إلا بحضور خمسة أصناف:
1 - الحماة والأعوان لاستحضار القوي وتقويم الجريء.
2 - القضاة والحكام لبيان الحقوق.
3 - الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل أو اشتبه.
4 - الكتاب ليثبتوا ما يجري.
5 - الشهود ليشهدهم على ما أوجب من حق.
أما اختصاصات ديوان المظالم فهي كما ذكرها
الماوردي:
1 - النظر في تعدي الولاة على الرعية.
2 - جور العمال فيما يجبون من الأموال فيرجع فيه
إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها وينظر
فيما استزادوه ليرده إلى أربابه.
3 - وفي أموال كتاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين
على ثبوت أموالهم فيما يستوفونه له ويوفونه منه فيتصفح أحوال ما وكل إليهم فإن
عدلوا بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان بالمراجعة على القوانين ومقاطعتها..
4 - تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم (أي الجيش
العامل).
5 - رد الأموال المغتصبة، وهي إما غصب سلطانية تغلب
عليها ولاة الجور وإما ما تغلب عليها ذوو الأيدي القوية وتصرفوا فيه تصرف المالك.
6 - مشارفة الأوقاف.
7 - تنفيذ ما وقف القضاء من أحكام لضعفهم عن
إنفاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعززه وقوة يده أو لعلو قدره وعظم خطره.
8 - النظر فيما يعجز عنه الناظرون من الحسبة في
المصالح العامة.
9 - مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج
والجهاد من تقصير فيها أو إخلال بشروطها.
10 - النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين
بالحق... إلخ.
5 - دعوى الحسبة:
وهي غير نظام الحسبة لأنها خاصة بحق كل فرد على حدة
في أن يرفع دعوى أمام القضاء من كل ما يخل بالصيغة الإسلامية للمجتمع شعورًا منه
بالمسؤولية الفردية عن حياة المسلمين جميعًا وهي درجة من التكريم والوعي لا مقابل
لها في أي نظام اجتماعي عرفته البشرية حتى تمنح هذا الحق للمؤسسات دون الأفراد.
بدهي أن نفهم من هذا العرض لتميز البيئة الإسلامية
بمؤسساتها السياسية في القديم يوم أن كان العالم بأسره يغط في ظلام الاستبداد
والطغيان وهو غير رد المظالم الذين أشاروا إلى تاريخ البشرية وبديهي أيضًا أن نعرف
أن لذلك دلالة فيما يكشف عنه من إمكان اكتشاف أنواع المؤسسات في المستقبل في ظل
حياة تقوم على أصول إسلامية.. مؤسسات تحقق جوهر المقاصد الشرعية وتضمن سلامة
التطبيق مهما كانت أشكالها أو مسمياتها طالما أنها كانت من نتائج البيئة الإسلامية
والعقلية الإسلامية وليست تقليدًا إلهاميًا لمصنوعات استعمارية ولا نستطيع هنا حتى
نصل للمجتمع المنشود حتى نتحقق المجتمع المنشود.
ملاحظات ختامية:
أولًا: ركزنا
الاهتمام على التشريعات المالية في الإسلام باعتبارها العمود الفقري لأغلب
التشريعات الاجتماعية ولأنها تمثل الساق في شجرة التشريعات الإسلامية وباعتبارها
أيضًا من أزمات قضايا العصر التي يلزم تحصيلها بالنظار الإسلامي تحصينًا للرأي
العام من تلبيس الأمر عليه باسم الإسلام وتأكيدا لحلول الإسلام الذاتية وأصالتها
ليستيقن الذين آمنوا.
ثانيًا: من نفل القول
أن نشير إلى عقم الدراسات الجزئية بعيدًا عن النظرة الشاملة من جهة أو منساقًا من
قضايا البيئة النظرية العملية من جهة أخرى حتى تناول قضية الربا في البنوك الراهنة
أو التأمين في الحوادث أو التنافس لزيادة الإنتاج، إذ إن جميع هذه القضايا وغيرها
ستأخذ وضعًا جديدًا في المجتمع الإسلامي المنشود القائم على أصوله في التربية
والتشريع، وأن المشاركة في هذه القضايا الجزئية اليوم إنما هو من قبيل الإسعافات
الأولية والمشاركات الإنسانية مثل حلف الفضول قبل أن تكون حلا إسلاميا حاسما حتى
يأتي اليوم الذي يفهم فيه مفكرو الأمة وزعماؤها قيمة النظرة الشاملة وأخطار الترقيع.
ثالثًا: كان يلزم
الإشارة في بحث مستقل إلى آثار تطبيق الماركسية في الحياة الاجتماعية والسياسية
حتى يكتمل تقييمها من جميع الجوانب لأن دراسة الآثار هي إحدى وسائل قياس صلاحية
الأصول بطريقتها الخاصة البسيطة والقوية في التعبير والدلالة.. عن طريق الإحساس
والشعور، فالمشاعر مقاييس صادقة وحساسة عندما تسجل رضاها أو نفورها من لون معين من
الحياة ولو لم تدرك علميًا ما عليه الأصول من صواب.. فالناس في ألمانيا الشرقية لم
يكن في طاقتهم محاجة العلماء أو مجادلتهم لأن التفوق سيكون من نصيب العلماء ولا شك
ولكن كان في وسع فطرة الناس أن تشعر وأن تحس وهو أمر لا تفلح حجج الدنيا مجتمعة في
نفيه عنهم وقد أصدرت فطرتهم حكمًا صامتًا على لون الحياة الذي يحيونه بالهرب
المتواصل الذي زاده سور برلين إمعانًا في التعبير.
ولم يكن الشيوعيون فيما قبل استيلائهم على السلطة
في روسيا يتزودون بأكثر من الجانب النظري مضافًا إليه رصيد الكراهية للواقع
الرأسمالي ورصيد آخر من أحلام اليقظة، وكان المنطق النظري يشكل إغراء بما يلمع على
سطحه من ألوان ومساحيق لم تتعفر بعد بتراب التطبيق.. حتى إذا ارتطمت الأصول
النظرية بالتطبيق انكشف الجديد الذي كان غائبًا في فترة الحماس والأحلام عندما
ثارت أمامهم آلاف المشاكل العملية في تفاصيل الحياة اليومية فصاغوا التشريعات
وحللوا وحرموا من روح فلسفتهم المادية ومن ضرورات واقعهم الاقتصادي.. وكانت
النتيجة ألوانًا جديدة من الشقاء بددت الأحلام الوردية وكان أول من شقي به هم
زعماء الحركة الشيوعية أنفسهم إذ قام فيهم القتل والنفي والتعذيب وحلت ملامح بيريا
محل ملامح الأمل العريض، وقدم العزاء للشعب المنكوب في صورة تبريرات جديدة عن فترة
الانتقال وعن مسؤولية الأشخاص لا مسؤولية طبيعة النظام، وكان لا بد للمذعورين أن
يقبلوا هذا التبرير ليعيشوا على أمل جديد.. وكان لا بد لعشاق السلطة من زعماء
الشعوب الأخرى أن يجدوا في هذا اللون من النظام فرصتهم للسيطرة الكاملة على كل نفس
في شعوبهم هذا إذا كانوا على أحسن الفروض يعملون من وحي أنفسهم ولمصلحة أوطانهم.
رابعًا: أعيد
التذكير بأن قيمة هذا الجهد البسيط الذي يسره الله لنا في ظروف صعبة إنما هو في
أنه يفتح الطريق لمن يكون أقدر على السير فيه فرب سامع أوعى من مبلغ ﴿وَمَا
يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: 31).
ففي مثل هذه الأيام وعلى وجه التحديد يوم الخميس 4
ربيع أول سنة 1383هـ الموافق 25 يوليو 1963 بسجن القناطر الخيرية عنبر (أ) دور (3)
زنزانة رقم (16) تمت مراجعة هذا البحث الذي بدأ بالواحات بحضور بعض الإخوة الكرام
وختم بأداء سجود الشكر لله الذي أحبط كيد التفتيشات الهمجية فلم تصل إليه والذي
شغل نفوسنا بالبناء عن هول الهدم الإنساني المنصب علينا في كل ساعة من أدعياء
التقدم وأعداء الإنسان.
ولقد كتبت في مقدمة البحث يوم ذاك ما أراه صالحًا
لختامه اليوم، وما أراه صالحًا بعد اليوم.. لي ولغيري لهذا الموضوع ولغيره من
الموضوعات لقد تردد كثيرًا قبل البدء في هذا الموضوع.. ترددت بقدر الرغبة المتحركة
في صدري وبقدر العوائق الجاثمة أمامي وبين الرغبة والعقبة سرت بين الإقدام
والإحجام وإن يكن ذلك على حساب الزمن وعلى حساب الشعور بالرضا المنبعث من
الاطمئنان النفسي، إذ كيف يحس طعم الرضا من تؤججه الرغبة وتقعده الرهبة إلا أن هذه
المعركة المستورة لم تكن على حساب النية والحمد لله إذ كانت هي بوتقتها التي
انصهرت فيها فخلصت خالصة بإذن الله أو هكذا أرجو..
وحتى النية التي تهفو النفس إلى مذاقها الطيب لا
تلبث إذا ما دخلت ميدان العمل أن يشعر المرء أنها وحدها لا تكفي.. ويومًا بعد يوم
في النفس إحساس جديد لا أتبينه أول الأمر ثم لا ألبث أن أتبينه دون أن أدرك له
كنها ولا حقيقة.. يا للعجب!
ألا تكفي النية الخالصة ليندفع المرء بعدها موقنًا
بالنتيجة؟! والتجربة التي مررت بها أجابتني في حزم: نعم وحدها لا تكفي؟! لعل
الكثيرين أدركوا معي ذلك العنصر المفقود.. أجل.. إنه الأخذ بالأسباب.
ولكن التجربة يرن صوتها في نفسي مرة أخرى.. وحتى
هذه مع النية لا تكفي إذ قد تتوفر الإمكانيات كاملة من مراجع وأدوات وظروف مواتية
وحظ من ذكاء ومع هذا تحس أن هذا العمل الذي توافرت له النية والأسباب ما زال ينقصه
شيء؟! ما زال هناك شعور غامض، فيه من الراحة مثلما ليس فيه منها. ولم يطل بي
التساؤل.
فالتجربة وحدها -مرة أخرى- هي التي كشفت لي عن هذا
الشيء فلم يعد غامضًا.. إنه التوفيق!! تلك الهداية التي يسوقها الله إلى الإنسان
أو يسوقه هو إليها.. المهم أن يلتقيا ليخرج الإنتاج الجديد وفيه من ظاهر الموافقة
للشرع مثلما فيه من باطن المراقبة للشارع.. فيه من علو البناء مثلما فيه من عمق
الروح.. فيه من الجدة مثلما فيه من الأصالة.. فيه من تقريب الآمال مثلما فيه من
تخفيف الآلام.. فيه من الماضي ومن الحاضر.. فيه للمستقبل..
مرت عليّ تجربة لا أنساها على بساطتها.. وكلما
تذكرتها هزت نفسي.. فمنها أدركت أن لا غنى للنية والأسباب عن هداية التوفيق.. وفرق
كبير بين حال وحال ونتيجة ونتيجة.. كنت أنا محل التجربة فيهما، فقد شهدتني في «سجن
جناح» أشد ما أكون رغبة في تسجيل بحث الشيوعية، وسرعان ما توجت هذه الرغبة بتوافر
الإمكانات وتوافق الظروف فحصلنا على المراجع الأساسية من الشيوعيين الموجودين معنا
بالسجن، وتكونت مجموعة نشيطة قامت بالاتصال والتجميع والتلخيص، وقد كان للنية كذلك
حظها الطيب، ومع هذا فقد تقاعست نفسي عن إتمام الصفحات القليلة التي أوكلت إلي..
وهنا.. وكلكم يعلم.. كل الظروف والأحوال على العكس فالمراجع والإمكانات شحيحة
والظروف كلها غير مواتية، فلا وقت ولا مكان ولا هدوء يدوم، ولا قدرة على التحكم في
شيء من ذلك، والنية هي النية، وجاء ذلك الشيء الذي لا تتم النية والأسباب إلا به..
التوفيق.
ولم نكد نستأذن السيد ضابط العنبر في كتابة عدة
مقالات لمجلة السجون حتى أقبلت النفس على إنجاز هذا العمل وتواردت الأفكار وتماسكت
أطراف الموضوع وساهمت بدور كبير ما تحت أيدينا من كتب ومجلات ضئيلة وتم تجميع
الموضوع وتبييضه في بضعة وعشرين يومًا.
وهنا لا تسلم النفس من إشكال جديد..
هل يظفر ذوو النوايا الخالصة -الذين أخلوا
بالأسباب- بالتوفيق دائمًا؟ التوفيق الذي يتكافأ مع النية والعمل؟! إن يكن الأمر
كذلك فقد كان حظي منهما في «سجن جناح» أكثر فلم لم تكن النتيجة أفضل؟ أم أن الله
ينزل بقدر ما يشاء؟!
ويلح عليّ الخاطر في صورة أخرى فأتساءل: ما حظ
النحلة من النية والأسباب عندما هداها الله لأن تخرج من بطونها شرابًا مختلفًا
ألوانه فيه شفاء للناس؟! ألأنها تبدت بعجزها تولى الله أمرها.. وأجدني في آخر
الأمر أردد -وقد أعيا عليّ الجواب: لا علينا من أمر النتيجة فإننا محاسبون على
النية والأسباب المقدورة وحدهما، والتوفيق شيء غيرهما أو فوقهما لا نملكه -وإن كنا
في كل لحظات النية والأسباب محتاجين إلى هداية خاصة- إلا أنه بعد تمامهما يكاد
يستقل التوفيق مرة أخرى فيبرز كعنصر أصيل مرتبط بالنتيجة.. وإني آمل أن يكون لي
ثواب النية والأسباب في الحالين ويبقى في حالة التوفيق من أجر الشكر مثلما يكون لي
في الأخرى من أجر الصبر.. فأنا بين فضل لا أملك له جلبًا وإن كنت أملك الشكر، وبين
ابتلاء لا أملك له دفعًا وإن كنت أملك الصبر، ولا معدى لي في حالتي الشكر والصبر
عن هداية إليهما..
النتيجة: أن الفضل لله وحده وليس لي من الأمر شيء
هذه حقيقة أدركتها ولها صداها العميق في نفسي.
والله أسأل أن ينفعنا جميعًا وأن ينفع بنا وألا
يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وأن يخرج البشرية كلها من ظلام الشيوعية ومن
ضباب الرأسمالية إلى نور الإسلام الحنيف..
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
(1) الإسلام والنظام العالمي الجديد - لمولاي محمد
علي رأس الرابطة الأحمدية بلاهور ترجمة جودة السحار ص 47.
(2) تاريخ التمدن الإسلامي - لجورجي زيدان.
* بسجن المحاريق بالواحات قبل الترحيل إلى سجن
القناطر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل