; (50) عامًا على اغتصاب فلسطين.. أزمة الهوية في المشروع الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان (50) عامًا على اغتصاب فلسطين.. أزمة الهوية في المشروع الصهيوني

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-مايو-1998

■ بدلًا من أن يتشكل المركز اليهودي العالمي في إسرائيل أضحت إسرائيل نفسها تابعة للشتات اليهودي.

■ بدلاً من أن تكون إسرائيل فرن الصهر الثقافي أصبحت رحمًا لإنتاج هويات يهودية جديدة.

يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن مصطلح «يهودي» له دلالة محددة، والحقيقة مغايرة لذلك تمامًا، ففي هذا المجال يمكن رصد ثلاثة تعريفات لهذا المصطلح: الأول: التعريف العرقي: بمعنى أن اليهود يتبعون جنسًا معينًا واليهودية مسألة تتعلق بالدم.

الثاني تعريف إثني: أي أن اليهود جماعة تجمعها روابط تراثية دخل في نسيجها الدين اليهودي وحفظها، باعتباره وعاء تراثيًا وليس لكونه عقيدة دينية.

الثالث: التعريف الديني: ويعتبر أن اليهود أمة مقدسة تكتسب هويتها من علاقتها مع الرب.

فماذا تعني كلمة يهودي إذن؟ هل هو الذي ينتمي للقومية اليهودية أو العرق اليهودي إن وجد؟ وإذا كان كذلك، فكيف تجمع بين اليهودي الأمريكي العلماني الملحد الذي لا يؤمن بمقدسات الدين اليهودي بما فيها «التوراة والتلمود» وبين اليهودي الفلاشا الإفريقي الذي لا يؤمن بالتلمود، مع اختلافهما في الإطار العرقي والديني؟

وما الروابط التي تجمع اليهودي البولندي الإشكنازي الذي يتكلم اليديش باليهودي السفاردي الذي يتكلم لغة اللادينو القديمة؟ ويبدو التشوه واضحًا في الشخصية اليهودية عندما يتصور المرء نماذجها المتناقضة التالية: يهودي من الدونمة في تركيا، ويهودي من الفلاشا في الحبشة، ويهودي المارانو من إسبانيا، ويهودي من الحسديم من لتوانيا، ويهودي إصلاحي أمريكي، ويهودي أرثوذكسي من القدس، كل من هذه النماذج له لغته وثقافته وعرقه وحتى عقائده المختلفة، ومن هنا يتساءل بعض الباحثين وحتى اليهود منهم: هل هناك شعب يهودي بالمعنى القومي؟ وهل لهذا الشعب تاريخ موحد وثقافة خاصة في ظل هذه الشرذمة؟

التناقضات في الفكر الديني اليهودي:

يعد السبي البابلي وسقوط دولة يهودا عام (٥٨٦) ق. م. نقطة التحول الأساسية في تشكل الشريعة اليهودية بعد خراب الهيكل الأول بحوالي (٧٠) سنة، ادعى الكاهن «عزرا» بأنه عثر على أسفار اليهود الخمسة التوراة التي فقدها اليهود قبل ذلك في حروبهم، وقام بترتيبها حسب شكلها الحالي، وكان ذلك بإيعاز من الملك الفارسي «قورش» الذي أمره بنسخ التوراة، وإعادة اليهود إلى فلسطين، ورغم ذلك لم يستجب لعزرا سوى قلة من اليهود، وفضل الباقون حياة الاندماج في بابل على العودة إلى فلسطين.

وعقب هذا التدخل البشري بشكل سافر وشامل في الشريعة اليهودية من قِبَل عزرا، ارتفعت وتيرة التناقض الديني لدى اليهود، فظهرت حينذاك فرقتان دینیتان متناقضتان هما: الصدوقيون الذي لا يؤمنون بالبعث وينكرون التلمود والمسيح المنتظر، وآمنوا بعزرا ابنًا لله، وطائفة الفريسيون الذين يعتبرون أنفسهم من أتباع عزرا أيضًا، وهؤلا هم الذين قاموا بكتابة القانون الشفوي «التلمود» ويعتبرون آباء اليهودية التلمودية، ورغم التناقض السافر بين الطائفتين، إلا أن كهنة الطائفتين كانوا يجتمعون في الهيكل وفق صيغة توافقية. 

وظل القانون اليهودي -«الهلاخا»- وهي تراكم تشكل تاريخيًا من تعاليم العهد القديم والتلمود، وأقوال الحكماء والرابيين، بالإضافة إلى العادات اليهودية -ظل الموجه العام لليهودية التلمودية عبر القرون حتى ظهور حركة التنوير -الهسكلاه- في القرن الثامن عشر على يد الفيلسوف اليهودي الألماني «موسى مندلسون» الذي دعا إلى الخروج من الجيتو مخاطبًا اليهود: «أيها اليهودي، وافق على دستور الدولة، وأعمل بجميع عادات البلد الذي تحل فيه، وبقوانينه، ولكن في الوقت نفسه كن أمينًا على دين آبائك وأجدادك»، وتعتبر هذه الحركة أصل اليهودية الإصلاحية التي يشكل أتباعها مع طائفة المحافظين حوالي نصف الجالية اليهودية في الولايات المتحدة البالغ عدد أفرادها حوالي (5) ملايين نَسَمة.

ولكن الحركة ووليدتها «اليهودية الإصلاحية» قوبلنا بعدة تيارات رافضة، منها اليهودية الأرثوذكسية التلمودية الداعية إلى التمسك بقوانين «الهلاخا»، الرافضة لفكرة الاندماج مع الآخر، وتشكل هذه الطائفة معظم الوسط الديني في الكيان الصهيوني، وتخضع دار الحاخامية في إسرائيل لإدارتها، وهي تنقسم حاليًا إلى ثلاثة تيارات في مواجهة الاندماج مع المجتمع العلماني داخل الكيان الصهيوني، تيار يدعو للانسحاب من المجتمع غير الأرثوذكسي حرصًا على النقاء، ويمثله «الطائفة الحريدية»، و«ناطوري كارتا»، وتيار ثان: تمثله حركة أغودات إسرائيل العالمية التي عاشت موقفًا متذبذبًا من الحركة الصهيونية راوح بين المقاطعة والمشاركة، كما هو في الوقت الراهن مع الاستمرار في عدم اعترافها بشرعية دولة إسرائيل بسبب علمانيتها، وتيار ثالث: وهو التيار الديني الصهيوني، ويميل أصحاب هذا التوجه إلى الاعتراف الضمني بدولة إسرائيل، والمشاركة الفعّالة في الحياة السياسية، واعتبار أن نشوء إسرائيل مقدمة لظهور المسيح المخلص، وأبرز من يمثل هذا التيار حاليًا حزب المفدال، وحركة غوش إيمونيم.

ومؤخرًا ظهرت الأرثوذكسية الحديثة الداعية إلى تطوير القانون اليهودي من خلال إعادة تفسيره وفق العلوم والمعارف المعاصرة، ولكنها بقيت حتى الآن ضمن التيار الأرثوذكسي العام الذي لم يقدم البدائل المعاصرة للمشكلات التي تواجه اليهود في العصر الحديث، ويهاجم حاخامات التيار الأرثوذكسي بعضهم البعض، لدرجة تصل إلى حد الاتهام بالكفر والهرطقة.

ومن التيارات التي واجهت حركة الاندماج مع الآخر اليهودية المحافظة، ودعاة هذا التيار يؤمنون بضرورة تطوير الشريعة اليهودية، ولكن وفق روح مستمدة من التوراة، وتوازن اليهودية المحافظة في مفهومها بين قيم اليهودية الثلاث «الإله والشعب والتوراة»، بجعل رؤوسها متساوية وفق عقيدتها، ويتركز أتباع هذه الطائفة في الولايات المتحدة سوى بضعة آلاف يقيمون في إسرائيل، وهم على خلاف شديد مع اليهودية الأرثوذكسية، وفي مرحلة لاحقة أفرزت اليهودية المحافظة تيارًا جديدًا هو اليهودية الإنشائية «التجديدية» التي تقول إن الإرادة المقدسة للإله تتولد من خلال العلم الوضعي، والدين في نظرها اختراع إنساني يعبر عن روح الشعب كالفن، معظمهم من يهود الولايات المتحدة.

خارطة أيديولوجية:

ويمكن رسم خارطة أيديولوجية للشعب اليهودي من خلال تقسيمهم على أساس ديني إلى قسمين رئيسين حسب بحث معد من قِبَل الخبير في الشؤون الصهيونية عبد الوهاب المسيري، ومدرج في كتاب «دليل إسرائيل العام» كالتالي:

1- يهود إثنيون: وهؤلاء لا علاقة لهم بالعقيدة اليهودية، وما يربطهم باليهود موروثهم الثقافي فقط، ويطلق عليهم العلمانيون.

2- يهود مؤمنون بإحدى صيغ العقيدة اليهودية، وهم أقسام:

أ- اليهودية الأرثوذكسية: المذهب السائد في الوسط الديني اليهودي في إسرائيل.

ب- اليهودية الإصلاحية: معظم أتباعها في الولايات المتحدة.

جــ- اليهودية المحافظة: معظم أتباعها في الولايات المتحدة.

د- اليهودية الإنشائية «التجديدية» معظم أتباعها في الولايات المتحدة.

تطور العقيدة الصهيونية وتناقضاتها:

غلبت الموجة القومية على الفكر الغربي في القرن التاسع عشر، وفي رحم هذه الموجة ولدت الصهيونية السياسية، وانتقلت عدوى القومية لليهود الذين أخذوا يفكرون في تجميع الشعب اليهودي في إطار جغرافي قومي، بالرغم من أنهم كانوا يعيشون قبل ذلك ولقرون عديدة في أوروبا کأقليات تسكن أحياء خاصة.

ويجمع المؤرخون على أن اليهود ظلوا يعيشون حوالي ستين جيلًا منذ السبي الثاني كطائفة دينية، يتشتت أتباعها في بقاع الأرض، ولم يتولد بينهم تيار عام يدعو للعودة إلى فلسطين عبر تلك القرون بسبب سيطرة الدعوة القائلة بتحريم العودة لفلسطين قبل ظهور المسيح المخلص، وما يتبع ذلك من تغليب لفكرة الطائفة وعدم اعتبار أنفسهم كشعب له رابطة قومية، بالإضافة إلى حالة الاندماج التي عاشها قطاع من اليهود في الوسط الغربي.

ولكن الصهيونية السياسية جاءت كمفصل تاريخي، واستطاعت أن تلملم شتات اليهود في فلسطين عن طريق عقد وتحالف استعماريين مع الإمبريالية الغربية، ولكن هذه الحركة اعترتها عدة تناقضات أثناء مسيرتها، فتشكلت في عدة صور حسب الظروف الموضوعية التي مرت بها ووفقًا لأيديولوجيات القادة الذين تولوا القيادة في كل مرحلة أو حتى تنافسوا في المرحلة الواحدة.

صورة الصهيونية:

ومن صورها: الصهيونية الثقافية، وعلى رأسها أحاد هاعام الذي كان يأمل أن تكون فلسطين مجرد مرکز روحي يشع ليهود الشتات ثقافة عبرية، وآمن هذا التيار بإمكانية قيام دولة مزدوجة القومية يهودية عربية، ومنها: الصهيونية السياسية بزعامة هرتزل على الجهد السياسي الخارجي لجمع اليهود في إطار دولة ذات طابع علماني ليبرالي، وهناك الصهيونية العملية التي اهتمت بالجهود العلمية داخل فلسطين والمتعلقة بالاستيطان، وفي اتجاه آخر: الصهيونيون العموميون، ويعتبر عضوًا في هذا التيار كل من التزم ببرنامج المؤتمر الصهيوني الأول بغض النظر عن توجهاته السياسية، ويلتحق بالفكر الصهيوني مجموعة البوند الاشتراكية في روسيا الذين كانوا يرون أن الهوية اليهودية انتماء للتراث اليهودي فقط، ولم يرتبط فكرهم بالعودة إلى فلسطين ومن التناقضات المستديمة التي مازالت قائمة منذ نشأة الكيان الصهيوني، الاختلاف المذهبي بين الصهيونية الاشتراكية، ويمثلها اليوم حزب العمل وتجمعه «المعراخ» والصهيونية التصحيحية ممثلة بحزب حيروت -قلب تكتل الليكود الحاكم حاليًا- والخلافات قائمة بين التيارين حول محاور عديدة، منها: مساحة الأرض المطلوبة للمشروع الصهيوني، وشكل الدولة وهويتها الثقافية ومركزها في المنطقة ويظل الخلاف بين الصهيونية السياسية والصهيونية الدينية من أعمق التناقضات في قلب العقيدة الصهيونية، وقد اصطدم الطرفان في محاور عدة لعل من أبرزها الخلاف الحاد الذي حدث حول شكل دستور الدولة ما بين حزب الماباي الاشتراكي بزعامة بن جوريون، وحركة أغورات إسرائيل الدينية، ولكن تم تسويته وفق اتفاقية «الوضع الراهن» التي مازالت سارية المفعول حتى اليوم، ونصت في مضمونها على اعتبار السبت يوم راحة رسمية للدولة، وإخضاع قوانين الأحوال الشخصية لمؤسسة القضاء الحاخامي والاعتراف بالتعليم الديني المستقل جنبًا إلى جنب مع التعليم العلماني الذي ترعاه الدولة.

وفي عقد الثمانينيات برزت ظاهرة جديدة باسم «ما بعد الصهاينة» بزعامة من يسمون بالمؤرخين الجدد، وهي تيار يقدح الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه الصهيونية، وتشكك في قدرتها على البقاء، وبعض منسوبي هذه الدعوة يرون عدم الحاجة للصهيونية بعد قيام الدولة اليهودية، ويرون أن الصهيونية قد استنفدت أغراضها، وعلى الشعب الإسرائيلي أن يهيئ نفسه للعيش في دولة ديمقراطية ليبرالية شرق أوسطية إلى جوار الجيران العرب وفي إطار هذه الظاهرة يقول إيلان بابه رئيس معهد دراسات السلام في جفعات حفيفا: «أعتقد أن الصهيونية حاليًا هي بالتأكيد حركة قومية إقليمية تمتلك سطوة وشرعية وجدانية عميقة، لكنها مثل جميع الحركات القومية في العالم، تعيش أزمة تشبه ما يجري في دول الرفاه»، وفي السياق نفسه، يقول يوسف غورني رئيس معهد وايزمان في جامعة تل أبيب: «لا مجال للتملص من القول إن مغزی «ما بعد الصهيونية» من الناحية الفكرية، هو إلغاء القومية اليهودية، والانتقال إلى أمة إسرائيلية».

مركز ليهود العالم:

اعتقدت الصهيونية أنه يمكن لأرض فلسطين أن تشكّل كإطار قومي ما يشبه فرن صهر يستطيع إذابة جميع الهويات اليهودية المختلفة التي تشكلت في المنافي ودمجها في هوية واحدة، وإزالة كل الندب والتشوهات التي لحقت بالشخصية اليهودية عبر الشتات الطويل، وما يستتبع ذلك من تحويل إسرائيل كمركز لليهود في العالم، ولكن الذي حدث عكس ذلك تمامًا، فبدلًا من أن يتشكل المركز اليهودي العالمي في إسرائيل، أضحت إسرائيل نفسها تابعة للشتات اليهودي، وفي هذا السياق يقول سمحا دينتس - أحد رؤساء المنظمة اليهودية العالمية: «على اليهود الغربيين الذين قد يتصورون أنهم أصبحوا في حل من الالتزامات حيال إسرائيل أن يدركوا أن مسؤوليتهم قد تضاعفت مع حلول السلام، إن المعطف اليهودي ببعده الكوني، هو وحده الكفيل بإنقاذ المجتمع الإسرائيلي من التشتت، وهذه المرة سيكون التيه داخل أرض الميعاد، وإلا فلن تكون إسرائيل بعد أقل من ربع قرن سوى مستوطنة يهودية ضائعة في الشرق الأوسط، وموازاة لذلك الإخفاق في تحقيق الملاذ الآمن لليهود، وهذا ما يؤكده أف غلبر رئيس معهد هيرتزل في جامعة حيفا بقوله: «إن إسرائيل هي المكان الأقل أمنًا بالنسبة لليهود»، وعلى الصعيد الثقافي، فإسرائيل بدلًا من أن تكون فرن الصهر الثقافي، أصبحت رحمًا لإنتاج هويات يهودية جديدة.

والناظر للصورة البانورامية -ثقافيًا- لبنية المجتمع الصهيوني يلمح تلوينات ثقافية وأيديولوجية متعددة ومتناقضة، بل أكثر من ذلك يصدم بأشكال متعددة للصراع الثقافي والاجتماعي والأيديولوجي داخل هذه البنية الفسيفسائية، وفي هذا الإطار يمكن رصد عدة صور لهذا الصراع، منها:

- الصراع الطبقي والثقافي بين الإشكنازيم الغربيين الذين يسيطرون على مقدّرات الدولة، والسفارديم الشرقيين المغيبين عن ذلك، وما أنتجه من إفراز أحزاب سياسية على أساس طائفي مثل حزب شاس الديني السفاردي. 

- الصراع الاجتماعي والثقافي: بين جيل الصابرا «المولودون في إسرائيل» وبين المهاجرين القادمين من الشتات.

- الصراع السياسي والثقافي: بين اليمين العلماني واليمين الديني، وما بين اليمين الديني والعلماني من جهة، وبين اليسار الصهيوني. 

- الصراع الديني – الديني: بين التيار الديني الصهيوني، والتيار الديني الحريدي.

-والصراع الأرثوذكسي - الأرثوذكسي بين الحسديم والمتناغديم.

- الصراع الديني – الطائفي: بين المتدينين الإشكناز والسفارديم ولكل أحزابها المتصارعة.

- الصراع السياسي - الأيديولوجي: بين الوسط العلماني والتيار الديني، وهو أخطر صراع يشارك في تمزيق الهوية في الكيان الصهيوني، بل يهدد مستقبله. 

وفي دراسة لمعهد «جولدا مائير» الذي يتبع جامعة تل أبيب تؤكد هذه الدراسة أن الصراع العلماني الديني يشكل أساس الأزمة في الكيان الصهيوني، بالرغم من طغيان الصراع العربي اليهودي على الساحتين السياسية والإعلامية، ويؤكد حدة هذه الأزمة الحاخام الأرثوذكسي هارتمان بقوله: «إن أخطر تساؤل في إسرائيل اليوم هو التساؤل عما إذا كانت الخلافات المزمنة ستقود إلى حرب أهلية» وتبدو صورة الإشكالية واضحة في استطلاع للرأي عام ١٩٨٨م، في ذروة صعود التيار الديني آنذاك، حيث عبر (٦٠٪) من المواطنين عن قلقهم من تنامي قوة الأحزاب الدينية، وما يتبع ذلك من صراع مع العلمانيين، وجاء مقتل رابين ليبرز هذا الهاجس الصهيوني بشكل عملي.

أنماط الهوية في الكيان الصهيوني:

ويعبر عن الهاجس تجاه أزمة الهوية باعتبارها القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار مقولة عضو الكنيست شلوموين عمي: «إن هذا المجتمع الذي أنشأه الآباء على أن يكون بوتقة صهر تمتزج فيها مختلف الثقافات واللغات، تحول إلى مجتمع متعدد الأعراق ومتعدد الثقافات ومتعدد الطوائف، وتفتتت الصورة الأسطورية المأمولة لتحل محلها صور أخرى عديدة لكل منها شرعية بين اليهودي والعربي، والمتشددين دينيًا و«الحرديم» والقوميين الدينيين «غوش إيمونيم»، والتقليديين والعلمانيين وغيرهم ممن تمتد جذورهم إلى أصول عرقية مختلفة مثل «السفارديم» و«الإشكنازيم» والمهاجرين الروس والإثيوبيين، وقد أدى هذا التفتت إلى تشرذم المجتمع بين ثقافات وطوائف مختلفة، ولهجات متباينة، وبين مواقف متصارعة تجاه صورة الدولة اليهودية، إن هذه الانشقاقات تؤهل لحدوث انفجارات داخل المجتمع» ومن الشواهد الجزئية للأزمة إحصائية تقول إن (80%) من سكان الكيان الإسرائيلي لا يؤمنون بإله، وهناك أكثر من (٢٥) صحيفة تصدر باللغة الروسية للمهاجرين الروس.

ولكي تتجلى صورة الاضطراب الثقافي والأيديولوجي في الكيان الصهيوني، نعرض المدارس الثقافية وأنماط الهوية التي برزت في هذا الكيان منذ قيامه قبل نصف قرن حسبما أوردها الدكتور رشاد الشامي في كتابه القيِّم «إشكالية الهوية في إسرائيل»:

الهوية الكنعانية: تؤمن هذه المدرسة بأن الوجود الإسرائيلي في فلسطين يشكِّل واقعًا جديدًا ليس له علاقة بالشتات اليهودي، إلا أن هذا الشتات بمثابة الخزان البشري الذي يرفد إسرائيل بالمواطن العبري الجديد الذي سوف يتشكل في إطار جغرافي ممتد من البحر المتوسط غربًا إلى الفرات شرقًا، ومن تركيا شمالًا حتى حدود فلسطين مع مصر جنوبًا، وفي إطار ثقافي عبري يعتمد العبرية لغة أساسية، ولكن هذه المدرسة تلاشت منذ نهاية خمسينيات هذا القرن.

الهوية الصبارية: نسبة «للصابرا» جيل المولودين في فلسطين المحتلة: نشأ هذا التيار في ظل الهجرتين الثانية والثالثة، وتتقاطع هذه المدرسة مع الصهيونية في أوجه، ولكنها تتناقض معها في أخرى.

كما أنها تلتقي المدرسة الكنعانية في رغبتها حول إنشاء كيان عبري عماده «الصابرا» في ظل ثقافة علمانية، ولكنها تختلف مع الكنعانية في مساحة الإطار الجغرافي، حيث تضيِّق الصبارية نطاقها الجغرافي في حدود فلسطين فقط، وفي مرحلة لاحقة انقسمت الصبارية إلى صيغتين: الصباري العلماني، والصباري المتدين، وفقدت

بريقها في عقد الثمانينيات.

الهوية الإسرائيلية: وهي أحدث المدارس، وتضم في رحمها تلوينات مختلفة تجاه رؤاها «للأسرلة» منها ما يقترب من الطرح اليهودي، ومنها ما يبتعد ويتوغل في العلمنة، وفي مطالبته بالديمقراطية الليبرالية التي تدعو لأن تكون إسرائيل لكل مواطنيها، بالرغم من تنوع قومياتهم ودياناتهم، ويرى البعض أن فرصة هذا التيار في النجاح ضئيلة بسبب الطابع القومي للكيان الصهيوني.

الهوية اليهودية: يركز هذا التيار على الطابع اليهودي للدولة، ورواده هم المتغلبون في الساحتين السياسية والثقافية، ولكن هذا التيار المتناقض ينقسم إلى عدة هويات فرعية غير متسقة:

-  الهوية اليهودية الإسرائيلية العلمانية: ويمثلها اليمين الصهيوني.

- الهوية اليهودية الدينية القومية: وتتمثل في الحركة القومية الدينية. 

- الهوية الطائفية السفاردية: ويجسدها اليهود الشرقيون وحزب شاس.

- الهوية اليهودية الدينية: وتبدو صورتها في الأحزاب السياسية الدينية والجماعات الدينية غير الحزبية.

 (5) ملايين و(٩٤٠) ألف نَسَمة عدد سكان إسرائيل:

زاد عدد سكان الدولة العبرية خلال خمسين عامًا على أكثر من خمسة ملايين نَسَمة، وطبقًا للمعطيات التي أصدرها مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي فإن مجموع عدد السكان الذين يعيشون في الدولة العبرية يبلغ (5) ملايين و(٩٤٠) ألف نَسَمة، مقابل (٨٠٦) آلآف نسمة كانوا يعيشون فيها في ١٥ مايو عام ١٩٤٨م. 

    ويقول مكتب الإحصاء المركزي إن نسبة ازدياد ونمو السكان في إسرائيل والتي بلغت خلال السنوات العشر الأولى على إقامتها بمعدل سنوي زاد على (8%)، وكان ذلك ناتج بشكل أساسي عن موجة الهجرة اليهودية من الخارج، عادت وانخفضت تدريجيًا إلى أقل من (2%) سنويًا خلال عقد الثمانينيات، ثم ارتفعت قليلًا في عقد التسعينيات إلى معدل سنوي قدره (3%) تقريبًا؛ وذلك نتيجة لموجة الهجرة الكبيرة -مطلع العقد الحالي- التي توافدت من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وتشير الإحصاءات إلى أن (43%) من مجمل الزيادة السكانية نتج عن قدوم نحو (٢,٧) مليون يهودي من مختلف دول العالم، وتبلغ نسبة اليهود من مجموع سكان إسرائيل (80%) ويشكِّل عرب مناطق ١٩٤٨م النسبة الباقية، ولا يدخل في هذا الإحصاء سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.

الرابط المختصر :