العنوان «محرقة» الصمت العربي
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1792
نشر في الصفحة 13
السبت 08-مارس-2008
في مجرى الأحداث
في ذروة الهولوكوست الصهيوني «المحرقة» قطع الصمت العربي أصوات بوابات «رفح» تنفرج للتفضل على 250 من الجرحى بالانتقال إلى الجانب المصري للعلاج.. وعند البوابات كانت هناك قائمة من الشروط، أبرزها أن ينتقل الجرحى دون مرافقين، ثم سمعت أصوات البوابات مرة أخرى وهي تغلق لإحكام الحصار انتظارًا لدفعة جديدة من الجرحى.
صوت بوابات رفح كان الصوت العملي الوحيد الذي شق الصمت العربي، لكنه كان صوتًا باعثًا على الحزن والأسى والخجل.. فقد تحولنا إلى أشبه بالمتفرجين على حلقة مصارعة، أو متابعين لحرب بين عدوين لا نعرفهما!
لقد تبخرت كل كلمات الدفاع العربي المشترك، وتجمدت كل معاني الأخوة العربية والإسلامية، وتوارت كل القيم الإنسانية، حتى بات أهل غزة وحدهم - وحدهم فقط - يحصدهم الموت حصدًا دون تفرقة بين طفل أو امرأة أو شيخ أو مقاوم.. ولم تحرك برك الدماء، التي تغرق الأرض الدماء، في عروق عروبتهم، فأي دماء تتحرك وقد جمد الخوف والهلع الجميع استسلامًا وانهزامًا؟! حتى الشجب والاستنكار توارى، ومن يغضب من الشعوب فالويل له!
لم تزكم سحب الدخان التي ملأت سماء غزة من شدة القصف والتدمير أنوف أحد من دول الجوار، ولم توجع صرخات الأطفال القتلى والأمهات الثكالى قلوب أحد في تلك الدول.. فكل الحواس توقفت عن العمل.. طالما كان الموضوع «غزة».
لقد فهمت إذًا عبارة «السلام خيار استراتيجي» التي يكثر ترديدها هذه الأيام.. إنها لا تعني سوى الصمت والجمود أمام كل جريمة صهيونية، وما علينا مع كل جريمة هو أن نرفع تلك اللافتة فوق جثث الضحايا في صمت!
هل أصبحت وظيفة بوابات الحدود مع غزة وفلسطين عمومًا استقبال الضحايا بدلًا من حماية الأحياء من إخوة الدين والأرض والعقيدة؟ وأصبح جزاء من يحاول الهروب من الحصار إلى الجانب الآخر ليلتمس كسرة خبز تهديده «بكسر رجله»؟!
عندما اجتاز جوعى غزة الحدود مع مصر بحثًا عما يحفظ عليهم حياتهم انطلقت الحناجر والأقلام دفاعًا عن سيادة الدولة التي لم يجادل أحد فيها، وحرمة الحدود التي لم يدع أحد لانتهاكها، فالكل يعلم أن ما دفع أهل غزة نحو مصر «الكبرى» كان الهروب من الموت.. واليوم أصيب الجميع بالصمت، انطلقت فقط كلمات خجولة من محمود عباس الذي شاهدناه في أحد المستشفيات للتبرع بالدم.. هذا هو الرئيس الفلسطيني - وليس رئيس هندوراس - الذي كان من المفترض أن يكون في صفوف المقاومة.. لكنه «السلام الاستراتيجي»!
لقد فسر الكاتب الصهيوني «تسفي بارئيل» معلق الشؤون العربية في صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية اللغز بالإشارة إلى أن تحميل رئيس السلطة محمود عباس ورياض المالكي وزير الإعلام الفلسطيني حركة حماس المسؤولية عن توفير المسوغات لـ «إسرائيل» لشن حملتها على غزة.. مؤكدًا أن تصريح المسؤولين الفلسطينيين يعد «دعمًا فلسطينيًا لما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة».
واعتبر «بارئيل» في مقال له بـ «هاآرتس» يوم الأحد 2/3/2008م أن التعقيب المصري المتهاون على العملية، وغياب رد فعل عربي قوي يدلل على أن الأنظمة العربية تتعامل مع «الحملة» كما لو كانت حملة موجهة ضد حماس وليس ضد الشعب الفلسطيني!
إن الصمت والعجز العربيين هما القاتل الأول لأطفال فلسطين قبل الآلة العسكرية الصهيونية الوحشية.. فالصمت يسيل لعاب الوحوش الكاسرة لتواصل جريمتها، والعجز يدفعها لتنهش لحوم الأبرياء وهي مطمئنة.. أما التواطؤ وغض الطرف فله تعريف آخر!