; شهادة الجوارح | مجلة المجتمع

العنوان شهادة الجوارح

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1987

مشاهدات 179

نشر في العدد 809

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-مارس-1987

واحة الإيمان

شهادة الجوارح – عبد الحميد البلالي

ومع كثرة الشهود يوم القيامة، إلا أن هناك صنفا من الضالين المتنكبين عن الصراط، لا يعترفون ولا يشهدون ولا يقبلون بشهادة الآخرين، فينطق الله جوارحهم لتكون شاهدا عليهم، وهناك تكون المفاجأة.

شهادة السمع والبصر والجلود

يقول تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (فصلت:19-22).

فكل من خالف ما أمر الله فهو داخل تحت مسمى «أعداء الله» وكل من أعاق دعوة الله من الانتشار فهو عدو لله، وكل من أساء للداعين إلى الله فهو عدو لله، وهكذا يجتمع الملايين من الإنس والجن تحت هذا المسمى، يسوقهم الله تعالى بسلطانه الذي لا سلطان لأحد في ذلك اليوم إلا سلطانه، يسوقهم إلى أرض المحشر لكي يقدموا بعد ذلك إلى النار التي طالما اشتاقت لأجسادهم التي لم تطمئن بذكر الله؛ ولكنها اطمأنت بذكر الشيطان، اشتاقت لإذابة قلوبهم التي لم تلين بآيات القرآن، فلا تذيبها إلا النار، يساقون ويدفعون (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ) (الطور:13) دَعًّا بإهانة وذلة واحتقار يحبس أولهم على آخرهم لكي يتلاحقوا إلى مصيرهم الذي لم يجتنبوه، حتى إذا ما جاءوها ووصلوا إلى النار، واستعدوا للحساب قبل الاقتحام، سألهم الجليل عن نعمه عليهم، في الدنيا، وماذا فعلوا بها، كما جاء في صحيح مسلم مساءلة الرب سبحانه وتعالى لأحد هؤلاء العصاة قبل أن يقذف في النار، يقول له تعالى: «أيْ فُلُ؟ ألَمْ أخلُقْكَ؟ ألَمْ أجعَلْكَ سميعًا بصيرًا؟ ألَمْ أُزوِّجْكَ؟ ألَمْ أُكرِمْكَ؟ ألَمْ أُسخِّرْ لكَ الخيلَ والإبلَ؟ ألَمْ أُسوِّدْكَ وأذَرْكَ ترأَسُ وتربَعُ فيقولُ: بلى يا ربِّ فيقولُ: فماذا أعدَدْتَ لي؟ فيقولُ: آمَنْتُ بكَ وبكتابِكَ وبرسولِكَ وصدَّقْتُ وصلَّيْتُ وصُمْتُ فيقولُ: فها هنا إذن. ثمَّ يقولُ: ألَا نبعَثُ عليكَ قال: فيُفكِّرُ في نفسِه مَن هذا الَّذي يشهَدُ علَيَّ؟»[1].

إنه يحسب أنه استطاع خداع الله بمثل هذا الجواب وظن أنه مازال ذلك الإنسان الذي كان يشتري شهادة الآخرين، ويرعبهم بالسوط، ويرغبهم بالمال ليكتموا جرائمه وفساده، إنه يتفكر في نفسه، من ذا الذي يشهد عليه؟ ففي حسابه أنه لا يجرؤ أحد على الشهادة عليه لما يملك من الجاه الذي اعتقد أنه مازال يملكه حتى وهو في حضرة الخالق يسائله، وبينما هو يتفكر بهذا الشاهد المتمرد، ومن عساه أن يكون؟!

وإذا به يفاجأ بختم فاه واستنطاق جوارحه فيختم على فيه، ويقال لفخذه انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق ذلك الذي يسخط الله عليه[2].

ويقول تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس:65).

تخاصمهم مع الجوارح

يقول تعالى (حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت:20).

فعندما نبعت الأصوات من كل مكان في جسد ذلك العاصي، وهو يرى بعينه ما لم يكن يتوقعه، وما لا عهد به، ولا يستطيع الكلام فقد ختم على فيه، فيداه تشهد، وسمعه يشهد وبصره يشهد، وفخذه تشهد وعظامه تشهد، وجلده يشهد وهو مربوك لا يستطيع الكلام لهول المنظر الذي يراه ولا يكاد يصدقه، حتى إذا خلى بينه وبين الكلام قال مخاطبا جلده «لم شهدتم علينا؟» وإذا بالجلود ترد عليهم «أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء» ثم يزيد الموقف سوءا عندما يسمعون التوبيخ من جلودهم (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (فصلت:22) أي إنكم ما كنتم تستخفون من هؤلاء الشهود في الدنيا حينما كنتم تقدمون على المعاصي، يقول البيضاوي: أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضيحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استخفيتم منها»[3].   

وعندها لا يستطيع إجابة جوارحه إلا بالعتاب الذي لا نفع منه

في ذلك اليوم العصيب؛ إذ يقول أحدهم لجوارحه بعد شهادتهم «بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل»[4]، أي يقولون لجوارحهم لِمَ شهدتم علينا وإنما كنا نجادل وندافع ونكذب من أجلكم.

إن استشعار المرء بالشهود يوم القيامة حقيق بأن يجعل منه مراقبا دائم الرقابة لله، فإن هذه الجوارح التي هي بإمرتنا في الدنيا نفقد السيطرة عليها في الآخرة، فإما أن تكون شاهدة علينا بخير وإما أن تكون شاهدة علينا بسوء.


[1] - مسلم 2998

[2] - مسلم 2968

[3] - تفسير البيضاوي 2/156.

[4] - جزء من حديث مسلم (2999) وأوله «هل تدرون هم اضحك .. 

الرابط المختصر :