; آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (1) آدم عليه السلام.. وابناه | مجلة المجتمع

العنوان آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (1) آدم عليه السلام.. وابناه

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2013

مشاهدات 64

نشر في العدد 2039

نشر في الصفحة 52

السبت 09-فبراير-2013

● قصة صراع الإنسان حين تعلو الأنا وتسود فيختلط تراب الأرض بدماء الأبرياء والمظلومين

●  حسد قابيل أخاه هابيل ، أن قبل الله قربانه وهدده بالقتل.. لكن أخاه حاول أن يوقظ فيه روح الإيمان ويذكره بخلق الإخلاص ويدعوه للرضا بأمر الله قال إنما يتقبل الله من المتقين

●  أسباب الجريمة هي نفسها في كل زمان : حسد وبغي... . ظلم وعقوق .. قسوة وغلظة .. أنانية وأثرة .. تسلط واستبداد ... وقد اجتمع في فعل قابيل كل ذلك.

إنها قصة الإنسان من قديم الزمان حين يتنكر لإنسانيته ويلقي بها بعيداً عن نفسه، فيتحول إلى وحش كاسر لا قلب له ولا عقل... قصة الإنسان حين يتنكر لأخيه الإنسان فيعطي نفسه الحق أن يتخلص منه ويطوي صفحة حياته بيديه دون تردد.. قصة الإنسان حين يتنصل من مسؤوليته ويتغافل وينسى أنه مكلف مساءل محاسب عن كل ما يرتكبه في هذه الحياة من خير أو شر.

هي إذن قصة الصراع حين تظهر «الأنا» وتعلو وتسود وتجد لها مكانا في النفوس، فيختلط تراب الأرض بدماء الأبرياء والمظلومين.. قصة سطرت وخلدت لتكون عبرة للعالمين.. تذكر بالدم وتحمل بين حروفها وثناياها رائحة الدم

 وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في كتابه العزيز فقال: ﴿واتْلِ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذ قَرَبَا قُرْبَانًا فَتُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قال لأقْتُلَنَكَ قَال إِنما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ (المائدة).

●  البداية

خلق الله تعالى آدم وكرمه فأسجد له الملائكة، وفضله بالعلم، وأسكنه جنته وجعل منه زوجه ليسكن إليها، وحذره الشيطان ووسوسته وغوايته، فعاش هانئا في الجنة ما شاء الله له أن يعيش، لكن الشيطان تربص له حتى نسي آدم وعصى ربه فأخرجه من الجنة إلى الأرض، وأنزلت حواء، وكذلك أهبط إبليس، وعاش آدم وزوجه على الأرض ولم يكن بها بشرا سواهما، فمن الله عليهما بالذرية فكانت حواء تحمل في كل بطن ذكراً وأنثى، هما بمثابة الإخوة الأشقاء، يحرم كل منهما على الآخر، لكن يحل لكل منهما أن يتزوج من غير توأمه.

ومن آدم وحواء خلق الله البشر وبث منهما رجالا كثيرا ونساء .. ومن أولاد آدم كان قابيل وهابيل وبالتأكيد كان لكل منهما أخت شقيقة هي توأمه.

●  القربان

اختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قبول الله عز وجل ما تقبل منه، ومن اللذان قربا ؟ فقال بعضهم : كان ذلك عن أمر الله عز وجل إياهما بتقريبه، وكان سبب القبول أن المتقبل منه قرب خير ماله وقرب الآخر شر ماله، وكان المقربان ابني آدم الصلبه أحدهما هابيل والآخر قابيل.

وقد ذكر في التفاسير أنه ورد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: ان آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح اخته توامة هابيل وأمر هابيل أن ينكح اخته توأمة قابيل فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكرهه، فقال له أبوه يا بني فقرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا، فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها .... وعن إسماعيل بن رافع، قال: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قربه لله فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم عليه السلام.

●  الجريمة.. واليد الملوثة

حسد قابيل أخاه أن قبل الله قربانه، وهدده بالقتل مؤكدا الأقتلنك.. لكن أخاه حاول أن يوقظ فيه روح الإيمان ويذكره بخلق الإخلاص ويدعوه للرضا بأمر الله﴿ قال إنما يتقبل اللهُ مِنَ المتقين ﴾ ... لم يهدده بالانتقام منه إن هو حاول قتله، ولو شاء لفعل، بل قال له ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ  إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ﴾ (المائدة). قال عبد الله بن عمرو : وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع، لم يعبأ قابيل بكلمات أخيه ولم تهزه أو تردعه لم ترفق له قلباً أو تلن له قناة ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) ﴾ (المائدة)، فقتل قابيل أقرب الناس إليه وأمسهم به رحما وأولاهم بالمحبة، قتل بيديه أخاه ابن أبيه وأمه سفك دمه عن عمد وسبق إصرار فكان أول قاتل من البشر، وكان دم هابيل أول دم أسيل على وجه الأرض منذ سكنها آدم.

تلوثت يدا قابيل القاتل بالدم البريء. وامتدت ظلما لتوقف قلباً حياً كان ينبض بحب الله والإخلاص له تلوثت يداه بدم أخيه الذي هو بضعة منه، ولم يعمل حسابا لصلة الرحم التي تجمعه به ولا لحق الوالدية الذي أسقطه عن نفسه تلطخت يداه بالدم المسفوك ظلماً وبغيا لإنسان مثله له ما له وعليه ما عليه ليحمل قابيل القاتل وزره ووزر من يقتدي به إلى يوم القيامة ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم : «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ؛ لأنه كان أول من سن القتل ( رواه البخاري)، فقد ترك أثرا سيئا لا تمحوه الأيام ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (صححه الألباني، صحيح الجامع).

● حسد وبغي وقتل !

أما عن أسباب الجريمة فهي نفسها في كل وقت وزمن حسد وبغي.. ظلم وعقوق .. قسوة وغلظة .. أنانية وأثرة.. تسلط واستبداد! وقد اجتمع في فعل قابيل كل ذلك فلم يترك لنفسه من الخير شيئا !

لم يرحم أخاه ولم يحفظ رحمه، والنبي صلي الله عليه وسلم  يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله (صححه الألباني، صحيح الترمذي)، ارتكب جريمته الشنعاء وأحل لنفسه الدم المعصوم، وتالله لا أدري كيف يجرؤ إنسان فيقدم على قتل نفس لها حرمتها وكرامتها وكيف تطاوعه يده فتمتد برفع السلاح على غيره ظلما وزورا وبأي عذر يبيح لنفسه أن ينصب منها على غيره من الناس محاسبا ورقيبا، وجبارا متسلطا ، وجلادا قاتلا يكمم الأفواه إلا عن تمجيده، ويكتم الأنفاس إلا عن التناجي بحبه والتواصي بأمره ؟! فله الله كل مظلوم، وهو حسبه ونعم الوكيل.

لقد هب قابيل من موتته وقام وانتعش وعاش بيننا بلا استحياء، وظهر سرا وعلانية وصار يغشى مجامعنا ومنتدياتنا بحسده وبغيه ولم يستخف بوجهه، بل لبس أقنعة محرمة بشعة تثير الرعب بين الناس وتتيح له انتهاك الحرمات وترويع الآمنين وقتل الأبرياء وهذا من العجب قتل وتشريد، وقمع وإرهاب ثكل وفقد وترمل ويتم، فهل يورث كل ذلك أو بعضه أدنى قدر من الأمن أو الأمان أو الحرية أو الحب.

لقد اقتدى بعض الناس - للأسف - في هذه الأيام بقابيل، وساروا على نهجه، فتلوثت أيديهم بدماء الأبرياء أخذا بالشبهة وانتقاما للنفس واتباعا للهوى ومؤاخاة للشيطان وطمعا في دنيا زائلة مهما طالت منقضية مهما امتدت ينتزعها الله انتزاعا من أصحابها متى أراد، وهو سبحانه يقول مذكراً : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ  بِيَدِكَ الْخَيْرُ  إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ﴾ (آل عمران)، ويقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ثُمَّ تُوَفَّىكُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) ﴾ (البقرة).

● حرمة الدماء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما (صححه الألباني، ضعيف الجامع).

وجعل الله تعالى من قاتل النفس الواحدة قاتلا لجميع الناس، قال تعالى: ﴿ومن أجل ذلك كتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْر نفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فكأنما قتل النَّاسَ جَمِيعًا ومن أحياها فكأنما أحيا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرض المشرفون ﴾ (المائدة)، قال ابن عباس رضي الله عنهما : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا . (القرطبي).

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم  جملة من الأحاديث تبين حرمة الدماء المعصومة وتجرم القاتل، فقال: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما رواه البخاري)، وقال من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (صحيح أبي داود).

وحذر من عاقبة ذلك فقال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش (صححه الألباني، صحيح الجامع)، ألا فليعد كل قاتل الإجابة عن هذا السؤال!

الرابط المختصر :