العنوان رفض النقد والنصيحة (۲) من ٢ - آثار الرفض.. وخطوات العلاج
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999
مشاهدات 53
نشر في العدد 1338
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 16-فبراير-1999
ولرفض النقد والنصيحة آثار خطيرة، وعواقب وخيمة على العاملين والعمل الإسلامي معاً، وفي هذه الحلقة نعرض بعض الآثار، والعواقب وخطوات العلاج والوقاية منها:
أ. آثار رفض النقد والنصيحة على العاملين:
1. الاستمرار على الخطأ:
وربما يكون ذلك تكذيباً بحق، أو عدواناً على أبرياء، وحينئذ يكون الهلاك والعياذ بالله، وما خبر الرافضين للحق المترفعين على النصيحة الذين أهلكهم فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أ من أخذته الصيحة ومن من بسبب ذلك عنا. عنا بعيد قال: تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40).
وقال في ثمود بخصوصهم: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الأعراف 78). وحكى نصيحة صالح لهم بقوله: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف 79)
وقال في أهل مدين بخصوصهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف 92)
. وحكى نصيحة شعيب عيب لهم بقوله: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (الأعراف 93)
٢- تعريض النفس للاحتقار والسخرية والطعن من الآخرين:
فإن الناس ينظرون إلى رافض النقد أو النصيحة على أنه امرؤ غير عارف قدر نفسه مدع اتصافها بما ليس فيها: الأمر الذي قد يحملهم على احتقاره والسخرية منه، بل والطعن فيه، ومن وصل إلى هذا المستوى فأي كرامة أو منزلة له. بين قومه وصدق الله الذي يقول: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ﴾ (الحج: (۱۸).
3- فتح الباب أمام الناشئة ومن لا حصانة لديهم ليتصفوا بهذه الآفة تقليداً ومحاكاة.
الأمر الذي يحمل رافض النقد أو النصيحة إثمين إثم نفسه، وإثم من قلده، وحاكاه، ويصدق فيه قول النبي ﷺ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيء.. الحديث (۱).
وقد شاهدنا وما زلنا نشاهد قادة لبعض الجماعات والأحزاب حملهم الترفع على النقد أو النصيحة على أن يسلكوا طريق العنف في مواجهة السلطات، وقلدهم أو حاكاهم الناشئة ومن ليست لديهم حصانة فكرية، وجرت بسبب ذلك وما زالت حمامات وأنهار من الدم، لا يعلم إلا الله متى تنتهي أو تتوقف.
ب -على العمل الإسلامي:
ومن آثار رفض النقد والنصيحة على العمل الإسلامي:
1. التوقف عن التنمية والعطاء:
ذلك أن الاستمرار على الخطأ دكتاتورية أو استبداد، وذلك يتوقف بالعمل الإسلامي عن التنمية، والعطاء، ومواكبة مستجدات العصر.
وحسبنا أن نفراً من الإسلاميين الغيورين مازال يصر على أن يبقى الجهاد بالسيف في عصر راجمات الصواريخ، والأسلحة الجرثومية والكيماوية، والنووية... ونحوها، رافضاً كل نقد أو نصيحة، وأن نفراً آخر من هؤلاء مازال يصر على ترك مقاعد الدراسة العلمية التجريبية ليشتغل بتحصيل العلم الشرعي، معتمداً على عدوه في طعامه ولباسه وشرابه وسكناه، ومواصلاته وتطبيبه، ونحوها، غير مبال بأي نقد أو نصيحة.
۲. تشويه صورة العمل الإسلامي بل العمل على القضاء عليه بضربه أو على الأقل إجهاضه
وهذا أمر بدهي من مجتمع متوقف عن التنمية والعطاء، إذ يفتح الباب أمام الحاقدين، والكارهين لهذا العمل لتشويهه، وربما محاولة القضاء عليه بضربه، أو على الأقل إجهاضه فلا يؤتي ثماره إلا بعد عشرات السنين، وهذا فيه من الخسارة ما فيه كما هو قائم الآن في أكثر من بلد من بلدان العالم العربي والإسلامي.
خامساً: علاج رفض النقد والنصيحة:
وإذ قد وقفنا على ماهية رفض النقد والنصيحة، وموقف الشارع الحكيم من ذلك والأسباب أو البواعث والآثار والنتائج، فإنه يسهل تقديم العلاج بل الوقاية، ويكمن ذلك في اتباع هذه الخطوات:
1- التعريف بالنفس:
وذلك بأن يوضع بين يدي المنصوح والمنتقد: ان النفس البشرية جبلت على الخطأ إلا من عصم الله من النبيين والمرسلين، وأنه ليس عيباً على المرء أن يخطئ، وإنما العيب كل العيب أن يصر على الخطأ. قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53) ﴾ (يوسف).
مختلف فيها - هل هي. وعلق ابن عطية على الآية بقوله: وهذه أيضاً من كلام يوسف أم من كلام المرأة حسب التي قبلها؟ (۲)، ولخص أن فيها رأيين الأول: أنها من كلام يوسف عليه السلام وذكر أدلة مرفوعة، وموقوفة ومقطوعة لا تخلو من ضعف الإسناد، بل ضعف المتن لمعارضتها العصمة التي هي من خصائص الأنبياء والمرسلين.
والآخر أنها من كلام المرأة امرأة العزيز ووجه كلامها: الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببدع، ولا ذلك بنكير على البشر فأبرئ انا منه نفسي والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه (۳)، وقال له: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، (٤)
2 - التذكير بعواقب الرافضين:
بأن يوضع بين يدي المنصوح كذلك عواقب الرافضين للنقد والنصيحة مثل قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين وفرعون وقومه، وسائر المكذبين، قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت).
إذ وضع هذه العواقب على هذا النحو من شأنه، يحمل المرء إذا كان عاقلاً أن ينزعج قلبه، ويخاف عقاب بمثل هذه العواقب، فيقبل النصيحة، وحين يقبل القلب النصيحة يأمر الجوارح أن تفارق الإثم الخلل، وتنزل على ما يوجبه النقد أو النصيحة من باب قول النبي ﷺ:.. إلا وإن في الجسد مضغة أن صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد جسد كله، إلا وهي القلب (٥).
3 - التربية على التواضع:
بالتركيز على تحرير النفس من الإعجاب والغرور، والتكبر، فتصبح صالحة لقبول التواضع ليدل على التحلي به قبول النقد، أو النصيحة، وسبيل ذلك ما مضى آنفاً من علاج هذه الآفات، وكذلك ببيان فضل التواضع، ومنزلة صاحبه عند الله كقوله سبحانه في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) ﴾ (لفرقان)، وقوله:... وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ (٦).من تواضع للهِ درجةً يرفَعْه اللهُ درجةً حتَّى يجعلَه اللهُ في أعلَى عِلِّيِّين... الحديث (۷).
4 - التربية على نبذ الخصومات العداوات والمراء والجدل بالباطل واتباع الهوى.
وذلك ببيان العواقب الوخيمة التي تتركها خصومات أو العداوات، وكذلك المراء والجدل الباطل، واتباع الهوى وسبيل ذلك: ما مضى وما سيأتي من علاجات لهذه الآفات، وأيضاً ببيان ضل ومنزلة سلامة الصدر من الأحقاد كقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾ (ا لحشر)، وقوله: تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾ (الشعراء).
وكان من دعائه ﷺ رَبِّ أعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرْني ولا تنصُرْ عليَّ، وامكُرْ لي ولا تمكُرْ عليَّ، واهْدِني ويَسِّرْ هُدايَ إليَّ، وانصُرْني على من بغى عليَّ، اللَّهُمَّ اجعَلْني لك شاكِرًا، لك ذاكِرًا، لك راهِبًا، لك مِطواعًا، إليك مُخبِتًا أو مُنيبًا، رَبِّ تقَبَّلْ توبتي، واغسِلْ حَوْبتي، وأجِبْ دَعوتي، وثَبِّتْ حُجَّتي، واهْدِ قَلبي، وسَدِّدْ لِساني، واسْلُلْ سَخيمةَ قلبي (۸)
5- التحويل عن البيئة السيئة إلى بيئة صالحة:
وذلك بالتنفير من البيئة السيئة، وبيان عواقبها الضارة وآثارها الخطيرة، ثم تحسين البيئة الصالحة، وبيان عواقبها النافعة، وآثارها الحميدة التحويل بالفعل من الأولى إلى الثانية، ومن خير ا يفيد في ذلك قوله - سبحانه -: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)﴾ (الزخرف).
وقوله: « إنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، والْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أنْ تَبْتاعَ منه، وإمَّا أنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً (9).
6 - إشعار المنتقد والمنصوح بتجرد النقد:
والنصيحة عن التشهير والشماتة وذلك بجعل النقد أو النصيحة في السر دون العلانية، وقرنها بالرحمة واللين والشفقة والإكثار من الدعاء والتواضع، والتأكيد على إرادة الخير والمثوبة، والإصلاح قدر الطاقة والإمكان على نحو ما صنع نوح في قوله لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ﴾ (هود۲۹).
وعلى نحو ما قاله بقية الأنبياء لأقوامهم من مثل هذا.
7- مراعاة شروط وآداب النقد والنصيحة:
وذلك بتخير أنسب الظروف، وأحسن الأحوال. وأجمل الألفاظ وإبراز المحاسن، ودقة التحري والتثبت، ومراعاة السرية، وإرادة وجه الله، ثم الخير للمنتقد أو المنصوح، والتناسب سناً ومقاماً قامات بين الناصح والمنصوح، إلى غير ذلك من الشروط والآداب التي لو روعيت بحق وصدق لعادت بأحسن الثمار، وأجمل النتائج.
8- التذكير بواقع السلف، وفرحهم بالنقد والنصيحة:
فقد كان عمر t يقول: "رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي" (١٠).
وقال رجل له اتق الله يا عمر، وأكثر عليه فقال له قائل اسكت فقد أكثرت على أمير المؤمنين فقال له عمر: دعه، لا خير فيهم إن لم يقولوها ولا خير فينا إن لم نقبل (۱۱)..
وعن جبير بن مطعم أن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: والله ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقول بالحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد الرسول صلي الله عليه وسلم، فقال عوف بن مالك: كذبتم والله لقد رأيت بعد رسول الله ﷺ خيراً من عمر: أبا بكر. فقال عمر: صدق عوف، وكذبتم، ولقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي - يعني قبل أن يسلم (۱۲).
وخرج ذات يوم من المسجد، والجارود العبدي معه، فبينما هما خارجان إذ بامرأة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر، فردت عليه السلام، ثم قالت: رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة، قال لها: قولي: قالت: يا عمر، عهدي بك وانت تسمى عميراً في سوق عكاظ، تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت.
فقال الجارود: هيه قد اجترات على أمير المؤمنين.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه يا جارود؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سمائه، فعمر - والله - أحرى أن يسمع كلامها. أراد بذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهۚ﴾ (المجادلة)۱۳)
وقال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك، فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب، فيقول: إذن نستقيم (١٤)..
وقال عبيد القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة، حدثنا ليث عن مجاهد )وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ( قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا»، فجعل هارون يبكي ويشهق (١٥).
وقال الرشيد الشيبان: عظني، قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف، فقال الرشيد فسر لي هذا، قال له: من يقول لك أنت مسؤول عن الرعية فاتق الله، أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وانتم قرابة نبيكم، فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله (١٦).
إلى غير ذلك من المواقف.
9 - تحليِّ الناقد والناصح بالأمل والثقة في الله عز وجل:
على الناقد أو الناصح أن يكون متفائلاً ذا أمل وثقة في الله الذي بيده مقاليد السموات والأرض والذي إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، فإن ذلك الأمل وتلك الثقة يحملان على الاستمرار مع عدم اليأس والقنوط إلى أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده.
ولقد رسم لنا رسول الله ﷺ هذا المعلم وثبته. كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ، فَنَادَانِي ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ (۱۷).
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا (۱۸)
وقد حقق الله - U- لنبيه ﷺ ما رجاء إذا أقبل هؤلاء يسلمون عام الفتح، وما بعده، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، كما ظهر هذا الأمل وتلك الثقة عنده في دعوته لعمر بالهداية، إذ كان يكثر في دعائه من قوله: " اللَّهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرَّجُلَيْنِ إليكَ بأبي جَهْلٍ أو بعُمرَ بنِ الخطَّابِ "(۱۹)
وقد أجاب الله دعاءه -صلى الله عليه وسلم-، فهدى عمر إلى الإسلام، وأسلم، وكان إسلامه عزاً وفتحاً ونصراً للإسلام والمسلمين.
وظهر هذا الأمل، وهذه الثقة أيضاً لدى رسول الله ﷺ عندما جاءه الطفيل بن عمرو ويقول له: إن دوسًا قدْ هلكت، عصت، وأبت، فادع الله عليهم، فقال ﷺ : اللهم اهد دوسا وأت بهم (۲۰).
قال ابن حجر: وقع مصداق ذلك، فذكر ابن الكلبي أن حبيب بن عمرو بن حُمَمَة الدوسي كان حاكماً على دوس، وكذا كان أبوه من قبله، وعمر ثلاثمائة سنة، وكان حبيب يقول: إني لأعلم أن للخلق خالقاً، لكن لا أدري من هو، فلما سمع النبي الله ﷺ خرج إليه، ومعه خمسة وسبعون رجلاً من قومه، فأسلم وأسلموا (۲۱).
10- مشاهدة الأحياء من ذوي الأسوة والقدوة الذين يفرحون بالنقد والنصيحة ويبادرون بالتنفيذ:
من أحسن طرق علاج رفض النقد أو النصيحة مشاهدة الأحياء من ذوي الأسوة والقدوة الذين يفرحون بالنقد أو النصيحة، وينزلون على مقتضاهما، فإن ذلك يحمل على الاقتداء والتأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبُّه.
فالابن إذا رأى أبويه قد وجه إليهما نقد أو أسديت إليهما نصيحة ونزلا على مقتضاهما: حمله ذلك على النسج على منوالهما، وقس على ذلك كل المواقف التي من هذا القبيل.
11- الإنكار بالوسيلة المناسبة، وأقلها بالقلب:
ومن أساليب العلاج: الإنكار بالوسيلة المناسبة، وأقلها بالقلب، فإن ذلك أفعل في التغيير والإصلاح، يقول النبي ﷺ من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه فإن لم يستطعْ فبلسانِه . فإن لم يستطعْ فبقلبِه . وذلك أضعفُ الإيمانِ (۲۲).
ويقول أيضاً: « ما من نبي بعثه الله في أُمَّةٍ قبلي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وأَصْحَابٌ يأخذون بسُنته ويَقْتَدُونَ بأَمره، ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤْمَرُونَ، فمن جَاهَدَهُمْ بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُمْ بقلبه فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُمْ بلسانه فهو مؤمن، وليس وَرَاءَ ذلك من الإيمان حَبّةُ خَرْدَلٍ (۲۳)
ولقد تحقق أثر هذا الإنكار على أرض الواقع حين تخلف كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع عن الذهاب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك في السنة التاسعة من الهجرة بغير عذر سوى عذر التسويف والقدرة على الجهاز واللحاق بالجيش في أي لحظة. ودعاهم النبي ﷺ لما عاد من الغزو، وسألهم: ما الذي خلفكم؟ فكلهم صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث. فأمر المسلمين بمقاطعتهم إلى خمسين ليلة، ثم جاء القرآن إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقبول توبتهم بعد ما أصابهم ما أصابهم.
وهكذا علمتهم المقاطعة الانتباه وعدم الرجوع إلى الخطأ، وكذلك يمكن أن يحمل الرافضين للنقد. أو للنصيحة على القبول وعدم التمادي.
12- تربية ملكة المراقبة لله U وخوف الآخرة:
وقبل هذا وذاك فإنه ينبغي التركيز على ملكة المراقبة لله - U- أنه يسمع ويرى ويعلم، وأننا راجعون إليه. لا محالة، ومجزيون على أعمالنا بالسوء سوءا، وبالإحسان إحساناً.
إذ لو تحقق ذلك فإنه يقود لا محالة إلى قبول النقد، والنزول على النصيحة خوفاً من سوء العاقبة، ولذا كانت الدعوة والتربية - أوَّل الأمر. قائمتين على ذلك، قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس). وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (الأعلى: 14).
حتى إذا قويت هذه الملكة زال الجدل والمراء من صدور الناس، وصاروا أطوع ما يكونون لحكم الله ورسوله، وعندئذ أثنى عليهم رب العزة بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾ (النور)
الهوامش
(1) الحديث سبق تخريجه (۲) المحرر الوجيز ۱/۸.
(۳) المحرر الوجيز ٢٠١/٨ بتصرف كثير
(٤) أخرجه الترمذي
(5) سبق تخريجه.
(1) أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في السنن. والدارمي في السنن، وأحمد في المسند ٣٨٦/٢ كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
(۷) أخرجه أحمد في المسند 3/76. وابن ماجه في السنن.
(۸) أخرجه الترمذي في: السنن: كتاب الدعوات: باب في
دعاء النبي له ٥١٧/٤ - ٥١٨ رقم ٣٥٥١، وابن ماجه
في: السنن: كتاب الدعاء: باب دعاء رسول الله ٢/ ١٢٥٩ رقم ۳۸۳۰ كلاهما من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً، وعقب عليه الترمذي بقوله: هذا
حديث حسن صحيح (۹) سبق تخريجه في الجزء الأول: آفة الفتور
(۱۰) و(۱۱) الخراج لأبي يوسف ص ١٤، وعنه نقل الطنطاويان
في: أخبار عمر (۱۲) سيرة عمر لابن الجوزي ۱ / ۱۲۸، وعنه نقل الطنطاويان في أخبار عمر.
(۱۲) نهاية الأرب للنويري ٣ / ٢٤٥، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص ۱۲۸، وعنهما نقل الطنطاويان.
(۱۷) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1
(١٤) و(١٥ و١٦) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص: ١٩٥، ٢٨٥، ٢٩٤
٢٩٤. والمنهاج للنووي ٤٣٩/٤.
(۱۸) أخرجه البخاري
(۱۹) أخرجه الترمذي في السنن: كتاب المناقب.
(۲۰) أخرجه البخاري ومسلم
(۲۱) فتح الباري ٨ / ۱۰۲
(۲۲) أخرجه مسلم.
(۲۳) أخرجه مسلم في الصحيح
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل