العنوان آلام قلم وكلمات أمل: (المعاناة التاسعة) شعوب لا تبصر الطريق
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 29
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
أخي أرأيت ما في البوسنة التي اقتطع من أراضيها أكثر من (٨٠ %) وهجر من أبنائها مئات الألوف أرأيت ما يحدث في كشمير وتايلاند وبورما والفلبين أرأيت ما يحدث في آسيا الوسطى جنوب الاتحاد السوفييتي سابقًا من قتل وسحق وتهجير للمسلمين وأظن أنه لا يخفى عليك من قبل ذلك نبأ المسجد الأقصى وفلسطين إنها مواجع وأحزان جاشت في الفؤاد حينًا فظهر بعضها على هذا القلم لعل في البوح بها تخفيفًا عن صاحبها ودعوة إليك يا أخي لأن تعاون في حلها وتعمل على زوالها وما ذلك على الله بعزيز.
ضعف مصطنع
إن الضعف المسيطر على كثير من بلاد المسلمين
ضعف مصنوع بحنكة سياسية بارعة بحيث يظن المسلمون أن ضعفهم طبيعي، أو أنه قدر من
الأقدار يتأبى على التغيير ولا يمكن لهم أن يتحولوا عنه في المسير، تلك الصنعة
السياسية يقوم بها أعداء الإسلام ويجيدون تصديرها إلى بلادنا، بعد ما يهيئون لها
السبل عن طريق الإعلام، فينشغل الناس عن كبار الأمور بصغارها، وعن عظائمها
بسفاسفها، ولسنا نضرب في التيه بغير دليل، فكم من دولة مسلمة تستطيع أن تحسن صناعة
الكثير من الآلات اللازمة للحياة، والتي تستوردها من الخارج بأثمان عالية وناهيك
عن ثمنها، وإنما ما يترتب على ذلك من تبعات واشتراطات معلنة وغير معلنة، وقل مثل
ذلك في الدول الإسلامية ذات الطابع الزراعي، حيث يتأخر الإنتاج وتضعف الثمار
ويحتاج الناس إلى الاستيراد فيتحكم غيرهم في عيشهم وطعامهم وربما شرابهم فلا
يستطيعون أن يستقلوا في قراراتهم لأنهم لم يستقلوا بإرادتهم وإبداعهم فيظلوا
تابعين لغيرهم يسيرون في ركابه، ولا يحيدون عن منهاجه.
سدود وقيود
ليس الضعف إذن في البشر وإنما الضعف هو نتيجة
الطريقة التي يتخذونها في الحياة فالبشر في منطقتنا ككل الناس يحتاجون إلى التوجيه
والتبصير وبعث الهمة، وإزالة العوائق والتشجيع على العمل المثمر النافع، والصبر
على إحسان العمل وإتقانه، ومكافأة المنتجين ومعاقبة المسيئين المقصرين، وفتح باب
العمل الجاد أمام الراغبين بسن القوانين التي تؤدي إلى رقي الأمة، وبعث روح الكفاح
فيها، فتتحول عزائم أبنائها إصرارًا على التقدم والرقي وعدم التبعية مع بذل الجهد
والتضحية في سبيل ذلك، والتخلي عن الأنانية في سبيل خير المجموع.
فينصلح حال الجميع، وتتقدم الأمة؟
فما الذي يعوق ذلك؟ ومن الذي يمنع ذلك؟
إن المسلمين أقرب شعوب الأرض إلى البذل
والعطاء والتضحية والفداء، إن عرفوا الطريق وأتيح لهم أن يسلكوه من غير عوائق من
بني جلدتهم ومن بينهم.
إن المسلمين أقرب شعوب الأرض لأن يكونوا أمناء
أوفياء مجدين صابرين مثابرين، لأنهم يطلبون العفة في الدنيا والعزة والجنة في
الآخرة والرضوان فهم يعطون راضين، ويجدون ويكدون في الحياة، مسرورين، فجزاؤهم إن
لم يتحقق لهم كاملًا في الدنيا فلن يضيع عند الله يوم الدين، فماذا يمنعهم من ذلك؟
ومن يحول بينهم وبين واجبهم في خلافة الأرض؟
معاول الهدم
إن من الآفات ما تظهر أعراضه حين يحل بالجسد
فيبادر المريض إلى الطبيب ويستعين بأصحاب الخبرة لمقاومة المرض وأخذ الدواء النافع
في حينه، ومن الآفات ما يصيب البدن فلا يشعر به المرء لأنه يتسرب في جسده على رويّة
ويظل يظن أنه معافى حتى يكون الداء قد تمكن منه فتصبح المقاومة عسيرة، وحالة
الشفاء غير يسيرة والأمم في ذلك كالأفراد سواء بسواء وآفات أمتنا منها القديم
المتمكن الذي يحتاج إلى كفاح طويل وجهاد مديد ومنها الظاهر البين الذي يمكن إيقافه
والتخلص منه.
ومنذ القرنين السادس عشر والسابع عشر وأمتنا
تشعر أنها أقل شأنًا في أمور الحياة من الدول الأوروبية والغربية، وصار هذا الشعور
يزداد -رويدًا رويدًا- كلما تقدم بنا الزمان حتى مطلع القرن التاسع عشر، بدأ
التطلع لأخذ ما عند الغربيين، فكانت البعوث إلى تلك البلاد في كثير من فروع العلم
ليعود المبعوثون محملين بقيم الحضارة الغربية المادية المخالفة في أصولها وكثير من
فروعها لقيم الإسلام، فيعملوا على بثها بين جماهير الأمة، ويقودونها في الفكر
والعلم والأدب، وتفتح لهم المغاليق، وينالون أعلى المناصب من قبل المستعمرين، ويجد
هؤلاء مقاومة شديدة حينًا وضعيفة أحيانًا، حتى أثمر هذا العمل في وقتنا عن جيوش
تعمل في كثير من المجالات على إزالة قيم الإسلام، بل إنها لتهاجم الإسلام أحيانًا
في صميمه، وتسخر من تعاليمه ومن رجاله، والعاملين في مجاله، وكل ذلك يتسرب إلى
الأجيال، ويتسرب في شعور الأمة وفي لاشعورها ليضعف فتيانها، ويفسد عليها أبناءها.
ويصاحب هذا الأمر التقدم المذهل في عالم
المواصلات والاتصالات بأجهزتها الحديثة التي تنقل لنا ما عند الغربيين بصوته
وصورته وأحيانًا بفجوره وانحلاله، ليراه شبابنا الغض الذي ضعف الدين في نفسه بفضل
أصحاب البعوث وآثارهم ودعواتهم، فيبتعد خطوة أخرى نحو التحلل من قيم الدين
وتكاليفه وواجباته التي لا يقوم بها إلا من صدوا أنفسهم عن الشهوات وصانوا أعراضهم
عنها، وحفظوا أفكارهم من الملوثات، فإذا ما ضعف الدين في النفس، ثم مالت هذه النفس
إلى ما لا يرضاه الدين فقد أصبح من السهل توجيهها الوجهة التي يريدها غير
المسلمين، وفي هذا قضاء على الدين وأهله -على المدى البعيد الأكيد.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما نذيعه ونشيعه عن رقي
الإنسان الغربي في نظمه وقوانينه وتمسكه بذلك رغم كل الظروف، وما يتبع ذلك من
مظاهر الرفاهية، وخلو الحياة في بلادنا من ذلك- حقًا كان ذلك أم باطلًا- حين نذيع
ذلك تكون كفة الميزان قد مالت نحو الإنسان الغربي وطاشت كفة ميزان الإنسان المسلم.
إعادة البناء
ونحن بحاجة ماسة لتأصيل أسس التربية الإسلامية
التي تعصم المرء من أن يجرفه تيار الحياة الغربية، وتحول بينه وبين التردي والوقوع
في الهاوية وتبين طرق الولاء لهذا الدين، ومحبة البذل في سبيله، والتضحية بالنفس
والنفيس من الأموال والبنين إن لزم الأمر.
نحن بحاجة لتبيان المناهج الغربية والقيم
الزائفة من ورائها، ليحذر منها المسلمون ويبتعدون. نحن بحاجة لأخذ كل علم نافع من
مصادره، على أن نخضعه لقيم ديننا، فليس بلازم أن يصحب العلم التجريبي تقاليد أهله
وعاداتهم المستمدة من أمور أخرى بعيدة عن العلم.
نحن بحاجة إلى أن يستشعر المرء المسلم كرامته
في أرضه وبين أهله فلا يشعر بأن غيره مقدم عليه، وأنه يأتي في المرتبة الثانية بعد
الآخرين.
إننا بعد ذلك كله وقبله بحاجة إلى تعميق
الإيمان وإصلاح النفوس به لتصلح لنا الأرض والحياة.