العنوان آلام قلم وكلمات أمل.. المعاناة الثانية.. معاناة الفهم
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993
مشاهدات 70
نشر في العدد 1055
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 29-يونيو-1993
أهمية الاشتراك في الفهم
الفهم المشترك
بين العاملين في أي مجال يوحد المسار، ويبين العوائق، ويكشف مراحل الطريق، ويتغلب
أصحابه بتوحدهم واتفاقهم في الفكر والشعور على الصعوبات التي قد تقطع السير على
السالكين أو تعوق تقدمهم نحو الهدف المبين إلى حين. ومن قديم عبر الشاعر العربي عن
الوسيلة الكاشفة عن الفهم بقوله:
لسان الفتى نصف،
ونصف فؤاده ** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
إنها الكلمة
مسموعة أو مقروءة هي الرابط بين الأفئدة، لأنها المعبرة عن الفؤاد المبينة للأفكار
المعبرة عن نفس صاحبها ومواجده ومشاعره فصار الكلام عنوانًا عما في داخل الإنسان
وصدق الشاعر إذ يقول:
إن الكلام لفي
الفؤاد وإنما ** جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
غاية الكلمة وأصناف الناس
ومادام الكلام
هو وسيلة التوصيل والتواصل، فإن للكلمة غاية يحاول المصلحون أن يصلوا إليها،
ويعملوا على تحقيقها في عالم الواقع، إن غاية كلام المصلحين أن يصلحوا القلوب،
فيستقيم بذلك السلوك، وينجلي الصراط المستقيم، فلا يبقى إنسان ما فيه عوج، فكيف
يتم تحقيق هذه الغاية.
إن الدعاة المتتابعين على البشرية منذ عهد
نوح عليه السلام إلى يومنا هذا يستخدمون الكلمة في بيان منهج الحق ولا يكفون عن
دعوة الناس إلى هذا الحق، فما بال كثير من الناس يحجمون ولا يقدمون؟
إن الناس أمام دعوة الحق أصناف منهم من يسمع
فيجيب ويعمل، ومنهم من يسمع ويتوقف ومنهم من يعاند ويستكبر {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ}
(غافر: 5) تلك هي الأرض التي يلقي فيها الدعاة إلى الله بذور كلماتهم
الطيبة فتثمر مع الأولين، وقد تثمر- بعد حين- مع المتوقفين. أما المكابرون
والمعاندون فإن الآفة تكمن في فهمهم السقيم، الذي يحاولون به أن يوقفوا مسار
الدعوة، ويصدوا عن سبيلها ويصدق عليهم قول الشاعر:
وكم من عائب
قولًا صحيحًا ** وآفته من الفهم السقيم
وتظل المعاناة
قائمة أمام الدعاة من مثل هؤلاء الناس الذين يفهمون الأمور على غير وجهها الصحيح.
لا يخفف من هذه المعاناة إلا أننا نبلغ دعوة
الله إلى الناس ولا نملك تحويل القلوب «إن عليك إلا البلاغ» وبعد هذا البلاغ يفعل
الله ما يشاء.
صفات الكلمة المؤثرة
ولكي يؤدي
الدعاة واجبهم في التبليغ عليهم أن يلتزموا هم أولًا قبل غيرهم بما يقتضيه هذا
الواجب:
أ- من توافق
سلوكهم مع أقوالهم كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.
ب- ومن التزام
الصدق في كل حال حتى يصير طبعًا مواتيًا لا يتخلى عنه الدعاة، وإن ظنوا- أحيانًا-
أن فيه هلاكهم ففيه حياتهم وحياة دعوتهم وامتدادها في الزمان واتساع أفقها في
المكان.
ج- ومن ضرورة
التمسك بأسلوب العرض الصحيح لكلمة الدعوة {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125)
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت:
46) فلا إسفاف ولا تجن على أحد، ولا سب ولا طعن ولا فحش ولا بذاءة، فإذا
تحلى الدعاة بهذا وقاموا بواجبهم في الدعوة فلا عليهم إن خالفهم بعض الناس في
الفهم والمسار
علي نحت القوافي من مقاطعها ** وما علي إذا لم
تفهم البقر
رغبة الدعاة وتخفيف العبء
إن رغبة الدعاة
العاملين أن يصل نور الله إلى العالمين، وأن يتجاوب صدى الدعوة في الآفاق وأن يسود
الدين- بكل تعاليمه ومبادئه في بلاد المسلمين، وأن يظهر دين الله في الأرض على
الدين كله ولو كره ذلك المشركون والمنافقون وأتباعهم في كل عصر وجيل. ويتفاوت
العمل في حقل الدعوة لتحقيق هذه الغاية مما يسبب معاناة جديدة بين العاملين
الصادقين في هذا الحقل الخير العظيم ومرجعها كذلك إلى سوء الفهم مما يجعل القيادة
بين حين وآخر- توضح المسار وتحدد الاتجاه وترسم الخطة لتخفف المعاناة الناتجة عن
سوء الفهم. العاملون في الحقل الإسلامي يريدون من القيادة أن تمارس الأعمال
التنفيذية اليومية لما في ذلك من نفع للدعوة وتحقيق لها في أرض الواقع، بحيث يعلو
بناؤها فيسرع نحوه الناس ملبين مستجيبين مدركين أن في ذلك نفعًا لهم في الدنيا
والآخرة {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 38) وهذا بغير شك مطلب عادل
ومشروع غير أنه ليست له الأولوية المطلقة، إذ إن القيادة قد تنشغل به عما هو أهم
وأولى في هذه المرحلة ألا وهو النظر الاستراتيجي المستقبلي للدعوة، ومدى ارتباطه
بالبيئة، ومدى ما يحيط به من عوائق، قد تضيع كثيرًا من فرص الاستثمار للأنشطة
والبرامج والمواقف التي يقوم بها الدعاة في يومياتهم. ولعل هذا الوضوح في الهدف قد
يخفف شيئًا من المعاناة، فيستريح- به قليلًا- الدعاة.
اقرأ أيضا:
آثار الكلمة الطيبة.. 5 فوائد لبناء الثقة