; آن لعرفات أن يرحل | مجلة المجتمع

العنوان آن لعرفات أن يرحل

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 59

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

أمتنا مهزومة من داخلها، قبل أن يهزمها اليهود ومستخدموهم في دول الغرب، وسر هزيمتنا واضح لا خفاء فيه وهو ضياع الحرية، وضياع الحرية معروفة أسبابه ومعروف أيضًا من الذي ضيعها ومن الذي سرقها، نحن الشعوب العربية الذي ضيعنا الحرية، وزعماؤنا هم الذين سرقوها.

والشعب الفلسطيني ليس بدعًا في الأمر فقد كان حرًّا إلى حد ما مع وجود الاحتلال وكان يستطيع أن يذيق العدو اليهودي من الكأس نفسها، وعندما دخلت السلطة الوطنية الفلسطينية، أضاعت ما تبقى للفلسطينيين من حرية، وتحولت إلى آلة قمع أشد قسوة وضراوة من آلة القمع اليهودية، وصارت مهمتها الأولى والأخيرة أن تنفذ رغبات السيد اليهودي المحتل وقد رأى فيها وسيلة جيدة لتوفير جنوده ودمائهم، ووجد من يقوم نيابة عنه بقهر الشعب الفلسطيني وإذلاله بل ينهب أمواله ومستحقاته والاستمتاع بها داخل الضفة والقطاع أو على شواطئ أوروبا وأمريكا اللاتينية، والزواج من فتيات يهوديات صغيرات وجميلات.

السجون الفلسطينية تمتلئ الأن بمئات الشباب الفلسطيني لحساب العدو اليهودي، أو بسبب المعارضة لفساد السلطة الفلسطينية، ولا يتورع فخامة الرئيس ياسر عرفات عن الإعلان أمام الصحفيين أنه اكتشف في قلقيلية أو غيرها من المدن والقرى الفلسطينية مصنعًا لصناعة المفرقعات أو خلية «إرهابية»، فضلًا عن تسمية العمليات الاستشهادية بالإرهابية، صار القاسم المشترك بين اليهود والسلطة هو قهر الشعب الفلسطيني وتجويعه، واستئصال مجاهديه وتبديد أمواله، فضلًا عن حصاره وتطويقه وملاحقة أفراد.

أجهزة الدعاية العالمية واليهودية تعزف نغمة واحدة اسمها "الأمن اليهودي"، وتعني لدى اليهود شيئًا واحدًا فحسب، هو إذلال الفلسطينيين والعرب والمسلمين جميعًا، وإخضاعهم وإسكاتهم إلى الأبد.

ولم تخافت السنة العدو وصانعيه بهذه النغمة، فالسفاح نتنياهو لا يكف عن توجيه التهديدات واحدًا تلو الأخر للفلسطينيين والعرب على السواء، ومجلس وزرائه المصغر يبحث احتمالات القيام بضربات محدودة أو موسعة داخل فلسطين، أو في لبنان، أو سورية، وصارت حكاية الأمن هي الحكاية الأولى التي تروى هنا وهناك.

ولم يعد أحد يتكلم عن الانسحاب من المنطقة ب أو المنطقة ج، فالأمور كلها تركزت على كيفية قيام عرفات بدوره في قمع الفلسطينيين وإذلالهم نيابة عن اليهودي المحتل. 

وأمريكا في مساعيها غير الحميدة وتصريحاتها العلنية لا تختلف عن السفاح اليهودي فالسيدة اليهودية أولبرايت تعطفت أخيرًا وفكرت في زيارة الشرق الأوسط (؟) ولكن تصريحاتها تحذر السيد عرفات من أعمال الإرهاب وتطالبه بالالتزام بأمن اليهود أولًا، أما المستعمرات، أما الانسحاب أما حصار الشعب الفلسطيني وتجويعه فلا مكان له عند السيدة أولبرايت، وهي التعليمات ذاتها التي يحملها دينيس روس الوسيط اليهودي القادم من واشنطن ويركز الجميع على إقناع السيد عرفات بالتنازل «عن ماذا؟» لتستمر عملية السلام(؟).

لاريب أن عرفات ظلم نفسه وظلم شعبه، منذ باع القدس ومعظم فلسطين لليهود في أوسلو نظير أن يكون فخامة الرئيس على كيان مهترئ في بعض الضفة والقطاع، ولا يملك أن يتنقل فيه إلا بإذن المحتل اليهودي، ولا يستطيع أن يستقبل فيه أحدًا إلا بإذن اليهودي، بل لا يستطيع أن يتحكم في خروج الفلسطينيين أو دخولهم إليه إلا بإذن المحتل اليهودي.

ولأن عرفات مازال حريصًا على لقب فخامة الرئيس، فإن المحتل اليهودي يستهين بالشعب الفلسطيني ويضربه بقسوة اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، ومنذ توقفت الانتفاضة، والعدو يراوغ في تنفيذ اتفاقات الإذعان التي تمت في أوسلو، وحول المسألة إلى مجرد تعيين خفير فلسطيني قاسي القلب على الفلسطينيين ليجبرهم على دفن رجولتهم وحريتهم وكرامتهم تحت أقدام السفاح اليهودي.

لم يبق في قوس الصبر منزع، وعلى عرفات أن يترك شعبه يعالج محنته بنفسه، وعليه أن يرحل بعيدًا عن فلسطين، ففي مدخراته ما يكفيه أن يعيش سعيدًا مع صغيرته «زهوة»، وزوجته الجميلة على أحد شواطئ إسبانيا أو غيرها.

أما الشعب الفلسطيني الصابر الصامد، فله رب يحميه وإله يرعاه مهما ادلهمت الظلمات وأطبق الإجرام اليهودي من كل الجوانب والجهات والله غالب على أمره. 

الرابط المختصر :