العنوان أبعاد الأزمة المالية العالمية (2من2)- «الربا» صانع الكوارث المالية منذ القدم
الكاتب محمد غانم
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 76
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 40
السبت 11-أبريل-2009
لكي يتسنى لنا أن نرى كيف أدت بنا العقيدة الربوية إلى الأزمة الحالية التي نجتازها، علينا أن نرجع إلى صحائف التاريخ إلى ما يُعرف بعصر «النهضة أو عصر التنوير»، والتي بدأت في أوروبا قبل قرنين تقريبًا في وقت عُرف بعصر النهضة أو عصر التنوير Renaissance ، وما صاحبه بما يُعرف بعصر الثورة الصناعية وما لازمها من رواج تجاري ملحوظ في تلك الآونة.
أول أزمة مالية حدثت منذ 200 سنة في أوروبا عندما أصدر تاجر يهودي إيصالات بدون رصيد وأقرضها بالربا وعند استردادها عجز عن السداد فثار عليه الناس وحطموا متجره
ولقد كان ذلك الصائغ ضمن مجموعة تجار الذهب يقوم بالاتجار بالديون Money Lending وكانوا في الغالب من اليهود، حيث سمح لهم بمزاولة هذا النشاط دون غيرهم من المسيحيين، ظنًا أن العقيدة اليهودية تجيز لأتباعها التعامل بالربا مع غير اليهود، وقد اعتاد الناس في تلك الفترة على إيداع نقودهم الذهبية لدى هؤلاء التجار لحفظها في خزائنهم، مقابل إيصالات يتعهد فيها الصائغ مصدر الإيصال برد قيمته الذهبية لحامله عند الطلب، مما ساعد على اتساع دائرة استخدام هذه الإيصالات وشاع التعامل بها؛ حيث درج حاملو هذه الإيصالات على تحصيل قيمتها دونما عناء أو عنت، إلى أن اكتشف أحد هؤلاء الصاغة أن عدد الإيصالات التي ترد قيمتها أقل بكثير من مجموع هذه الإيصالات، وفي سرية تامة عكف هذا الصائغ فترة زمنية بعد أخرى على احتساب النسبة بين الإيصالات المردودة ومجموعة الإيصالات، فوجد أن هذه النسبة والتي تعرف بـ (Redemption Rate) ثابتة تقريبًا، فإذا افترضنا مثلًا أن هذه النسبة 1/4 فإذا كان مجموع عدد الإيصالات ۱۰۰ إيصال، فإن كمية الودائع المردودة لا تتعدى الربع، أي ٢٥ إيصالًا، أما بقية الودائع فباقية بالخزينة، علمًا بأن الإيصالات المحررة لها تنتقل من يد إلى يد من دون استردادها .
وهنا تكشف لهذا الصائغ أنه يمكن أن يصدر إيصالات من دون علم أحد، ومن دون أن يكون لها رصيد ذهبي، وطالما كان مجموع الإيصالات لا يتعدى نسبة الاسترداد (طبقًا لمثالنا فإن ٤٠٠ إيصال يكون من بينها ١٠٠ لودائع و ۳۰۰ من دون ودائع)، فسوف لا يساور أحد شك فيها وسيتعامل بها الناس أو يتبادلونها على السواء، ولاسيما أن كلًا منهم يحمل نفس التعهد بدفع القيمة عند الطلب، كذلك أدرك هذا الصائغ بخبرته المهنية وبواعثه الربحية خصوصًا تجارة الديون أن هذه الإيصالات المصدرة بدون ودائع لا فائدة منها إلا بإقراضها ربويًا وبذلك يكون الدين مقابل قيمة الإيصالات ويحتجز لنفسه قيمة الربا .
ولم يمض عليه وقت طويل يمارس هذا النهج حتى أحس الناس بزيادة في عدد هذه الإيصالات فدفعهم الشك إلى المسارعة لاسترداد قيمة الإيصالات، فوجد هذا الصائغ نفسه غير قادر على الوفاء بتعهده، وعجز عن دفع قيمة الإيصالات المزيفة، فغضب حاملوها، وهاجموا متجره وحطموه، وكانت هذه أول أزمة مالية والتي عرفت بعد ذلك بـ Bankruptcy، وأطلق عليها الاقتصاديون الفقاعة Bubble، وما الأزمة المالية التي يجتازها العالم الآن إلا تكرار لهذا الحدث، وبنطاق أوسع فشأنها شأن فقاعة الصائغ تمامًا، ولكن على نطاق أوسع وأكبر؛ فالسبب في إفلاس الصائغ هو ذات السبب الذي أدى إلى إفلاس المؤسسة البنكية، وعلينا هنا أن نتوقف قليلًا لتحليل هذه الظاهرة بشيء من التفصيل:
1- أن المستند أو الإيصال الذي أصدره الصائغ من دون وديعة هو في الحقيقة أصل ما يُعرف حاليًا بالورق النقدي المستقل أو Bank Note أو Fiduciary fait money وقد سمي نقدًا من قبيل المجاز، فهو لم يكن نقدًا ولن يكون كذلك، ووجود التعهد عليه بدفع القيمة عند الطلب هو خير دليل على ذلك، والجدير بالملاحظة أن هذا التعهد مازال موجودًا على العملة الإسترلينية الورقية حتى الآن!
2- إن إصدار إيصالات من دون ودائع يعد تزييفًا، وهو عمل غير أخلاقي وقد جرم قانونيًا حينذاك.
3- لولا استحلال الربا في غيبة تشريع الوحي لما كانت هذه الإيصالات، وما كان لهذه النقود الورقية المستقلة وجود، ونحن نرى أن من حكمة تحريم الربا هو منع مثل هذه الظاهرة، لما يترتب عليها من خلل وإفساد وظلم في المعاملات.
إصدار إيصالات من دون رصيد ثم إقراضها هو اصطناع دَيْن من عدم ليؤكل به الربا وهو أشد حرمة وجرمًا ممن يرابي بماله لأنه إقراض بغير ملكية
4- إن إصدار إيصالات من دون رصيد ثم إقراضها هو في الحقيقة اصطناع أو استحداث دين من عدم، ليؤكل به الربا وهو-قياسًا-أشد حرمة وجرمًا ممن يرابي بماله، حيث يقرض ما يملك، أما الأول فهو يقرض ما لا يملك.
5- إن استحداث الدين من العدم هو أمر مخالف لسنن الكون والواقع الذي نعيشه .
6- هذا الاستحداث الذي يعد وسيطًا للتبادل عوضًا عن النقود، والتي سماها الاقتصاديون I.O.U. Money يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية، ويسبب زيادة الأسعار، ويُعرف ذلك بالتضخم النقدي Inflation وهو ما يعده الاقتصاديون خطرًا داهمًا ويعتبرونه عدوهم الأول.
ظاهرة التضخم النقدي مرتبطة بطبيعة النقد الورقي المستقل ونسبته تُعتبر ضريبة غير مباشرة يتحملها المجتمع دون إرادة منه وهذا هو الخلل الرئيس في التطبيق
7- إن ظاهرة التضخم النقدي مرتبطة بطبيعة النقد الورقي المستقل، وإن نسبة التضخم تعتبر ضريبة غير مباشرة، يتحملها المجتمع من دون إرادة منه.
8- إن المؤسسة البنكية أو المصرفية هي تطور لظاهرة الصائغ، لكنها تحظى الآن بامتياز قانوني في إصدار النقد الورقي المستقل والاتجار به فعملها الرئيس يتركز فيما يُعرف بخلق النقود Money Creation أو خلق الائتمان، واعتماده وسيطًا للتبادل ملزمًا قانونيًا .
9- إن النقد الورقي لا يعني أن كمية النقد المصدرة مطبوعة على ورق، إن نسبة المطبوع من النقد في أي نظام نسبة ضئيلة للغاية من مجموع النقد المصدر، والبقية إن هي إلا وحدات حسابية أو مجرد أرقام مسجلة في دفاتر ليس إلا.
10- ارتباط النقد الورقي المستقل بالربا يجعل له ثمنًا، وهذا يحوله من طبيعته الثمينة كنقد والتي تعتمد على قيمته التبادلية Exchange إلى مثمن أو بضاعة تتميز بقيمته النفعية Use Value وقد أدى ذلك إلى الخلط بين الربا من جانب، وبين الربح أو الإيجار من جانب آخر، وبين القرض وطبيعته والمقرض ووظيفته الإنمائية، وهذا ما أشارت إليه الآية: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ﴾ (البقرة : ٢٧٥).
11-إن ملكية الأفراد لهذا النقد الحديث ملكية منقوصة غير كاملة؛ حيث تحتفظ المؤسسة البنكية لنفسها بالتحكم في قيمة النقد عن طريق سعر الربا، وكمية النقد المصدر، كما أنها تملك تجميده أو إلغائه، كذلك التحكم في حركته من مكان الآخر أو من شخص لسواه.
12- ارتبط هذا النظام النقدي الحالي بأكبر عملية استيلاء على ممتلكات الناس وودائعهم من الذهب والفضة، وفرض عليهم هذا النقد الورقي، وكان آخر فصول هذه العملية هو قرار الرئيس الأمريكي «ريتشارد نیکسون» عام ۱۹۷۱م بإلغاء قاعدة الاسترداد للدولار الأمريكي Redemption والذي يعتبر أساسًا للنظام النقدي العالمي.
وبعد تلك هي أهم حيثيات الأزمة المالية الحالية، والمرتبطة بالمبدأ الذي يقوم عليه النظام النقدي والذي تأسست عليه المؤسسة البنكية.
وأخيرًا في ختام هذا العرض لطبيعة النقد الورقي والمؤسسة البنكية والذي يتضح منه التعارض البين مع قواعد ومبادئ ونصوص الشريعة الإسلامية، وضرره الفادح على الأفراد والمجتمعات وهو ما المسناه جميعًا ويصيبنا ضرره إن ولاءنا للحق والحق وحده يحدونا أن نناشد علماءنا ورجال الفقه فينا والذين أفتوا بشرعية هذا النقد أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر فيما قالوا ونحن هنا نقر أن ما أوردناه في هذه العجالة ليس برأي لنا، أو اجتهاد إنما هو وصف لواقع قائم وقد حرصت أن أتوخى فيه الدقة قدر ما استطعت، ونورد هنا أن في الفكر الغربي مدرستين أولهما هي المدرسة البنكية Banking School والتي تعاضد المؤسسة البنكية وتساندها وبرغم أن حججها وأسانيدها ضعيفة واهية، لكنها تستمد قوتها من تمويل المؤسسة لها، أما المدرسة الثانية فتعرف بمدرسة العملات Currency Scool وهذه تقوم على ضرورة أن يكون النقد حقيقيًا، وهناك الكثير من الكتاب والاقتصاديين ومن سار على دربهم اعترفوا بفشل هذه المؤسسة البنكية، وسردوا من أضرارها ومساوئها مثلما ذكرنا أو بعضًا منه، وتنبؤوا بانهيار هذه المؤسسة البنكية بل بانهيار النظام النقدي كله !..
(*) باحثفي الشؤون الاقتصادية-لندن