العنوان أبناؤنا بين المدارس الأجنبية والمدارس الإسلامية؟
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988
مشاهدات 86
نشر في العدد 862
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 12-أبريل-1988
ما الأسباب وراء
زج بعض الآباء بأبنائهم في هذه المعسكرات التنصيرية؟
من الخطأ أن
ننظر للمدارس الأجنبية نظرة الضعيف إلى القوي أو نظرة المتخلف إلى المتحضر.
بمجهوداتنا
ومساعداتنا تصل مدارسنا إلى المستوى اللائق بها.
من المواقف التي
لفتت نظري وحازت على إعجابي موقف لصديقة لي شاءت لها الأقدار أن تقيم في فرنسا مع
زوجها وأولادها الثلاثة، وحين أصبح أطفالها في سن الدراسة كان من الطبيعي أن
ينضموا لمدارس فرنسية وسار كل شيء على ما يرام إلى أن بلغت البنت سن التاسعة وراحت
تكرر عبارة «أنا حرة» أمام نصائح أمها، فما كان من الأم «التي لا تُعتبر على مستوى
عالٍ من الالتزام بالتعاليم الإسلامية» إلا أن أسرعت بنقل ابنتها من المدرسة ليس
إلى مدرسة أخرى في نفس البلد، ولكن إلى بلدها الأصلي، وتحملت مشقة بعدها عن فلذة
كبدها لأنها رأت ذلك في مصلحة الطفلة من الناحية الأخلاقية والتربوية والنفسية على
حد سواء. وأنا لا أريد أن أناقش موقف هذه السيدة من جميع جوانبه، فقد تكون فيه بعض
السلبيات، وسأكتفي بمقارنته بموقف مقابل له يحصل في بلادنا الإسلامية، ولن يكون
موقفًا خياليًا تصورته إنما هو من صميم الواقع الذي لا يخفى على أحد.
تناقض غريب:
أبناء بعض الدعاة في مدارس أجنبية
إن شخصية هذه
السيدة التي تُعتبر من عامة المسلمين تقابلها شخصية لرجل يُعتبر من خاصة المسلمين،
يعيش في بلد إسلامي حيث تتوفر المدارس العربية الإسلامية، ولكنه يذهب برجليه إلى
مدرسة أمريكية ليضع فيها أبناءه الثلاثة، ظنًا منه أنها تقدم الأفضل، والأفضل في
نظره هو أن تكون الدراسة باللغة الأجنبية وتكون اللغة العربية لغة ثانوية. وهذا كل
ما يميز هذه المدرسة عن غيرها من المدارس العربية، ومن أجل هذه الميزة تضاعف قسط
الطالب فيها إلى ما يزيد على خمسة أضعاف القسط في المدارس العربية!
الآباء يجهلون
لماذا فعلوا ذلك؟
أترى الحماقة
بلغت بنا حدًا يجعلنا ندفع المبالغ الكبيرة لكي نقتل لغتنا العربية بأيدينا، ونسعد
ونفرح ونحن نسمع طفلنا يردد عبارة أجنبية! ونسعد أكثر حين نجد أنه لا يحسن صياغة
جملة عربية إلا بركاكة. في الحقيقة، بحثت عن أسباب وجيهة تجعل الآباء يزجون
بأبنائهم في هذه المعسكرات الصليبية فلم أجد. قد يكون هذا القصور فكريًا عندي،
ولكن المشكلة أنني ما ناقشت أمًا أو أبًا في موضوع تسجيل ابنه في مدرسة أجنبية إلا
وازدادت دهشتي من تصرفهم، فالآباء أنفسهم لا يعرفون لماذا تم تسجيل أبنائهم في هذه
الأديرة. جرب أن تسأل أحدهم: لماذا؟ سيكون الجواب التلقائي: والله لا أعرف، أو
يجيبك بعبارة: يقولون إنها جيدة. من الذين يقولون؟ لا يدري. قد يكون الذي قال
إنسانًا مسيحيًا، وقد يكون ملحدًا، وقد يكون بدون قيم ولا مبادئ، وهذا لا يهم،
المهم أنهم يقولون إنها جيدة. وبما أنهم يقولون، وبما أننا نحب أن نفعل مثل الذين
يقولون، فقد سلمنا بأنها جيدة.
المدارس
الإسلامية لا تقل عن غيرها!
هناك مجموعة
أخرى من هؤلاء الآباء لا تتصرف بدون علم، فهي تعرف جيدًا لماذا وضعت أبناءها في
مدارس أجنبية! ويذهب يعدد لك:
1. هي نظيفة.
2. تهتم بالنظام.
3. تهتم بالطالب، وتطلع المنزل على وضعه
باستمرار.
4. تكثر من الواجبات وهذا يعلمهم الصبر على
الدراسة، إلى آخره من الأسباب والحجج الواهية التي لا تُقنع عاقلًا.
فهذه الميزات لا
تنفرد بها المدارس الأجنبية، إذ إنها موجودة في أغلب المدارس العربية الحكومية
منها والخاصة، ولكن نظرتنا نحن هي التي تجعلها منفردة بها، لأننا ما زلنا نشعر
بنقص شديد أمام إغرائهم الظاهري، وذلك لضعف إيماننا، وما زلنا ننظر إليهم نظرة
الضعيف إلى القوي، ونظرة المتخلف إلى المتحضر. وهذا ما لا يرضاه لنا دين اختار لنا
الكرامة والعزة والأنفة صفات تميزنا. كيف ذلك؟
الخطأ في نظرتنا
للأمور
دعوني أذكر لكم
حادثة حصلت لصديقة لي أبناؤها في مدرسة أجنبية. تقول هذه الأخت الكريمة بكل حماس:
أرسلت ابني في أحد الأيام إلى المدرسة بحذاء أبيض في الشتاء بينما النظام العام أن
يكون أسود. فما كان من الناظرة إلا أن أخرجته من الطابور وأرسلت لي ورقة تهددني
فيها بأنها سترجعه إلى البيت إن كرر هذه المخالفة مرة ثانية.
وهذه الصديقة
حين كانت تتحدث كانت بالغة الإعجاب بموقفهم هذا، ولكن لو كان نفس الموقف صادرًا من
مدرسة عربية أتراها كانت تتحدث بنفس الأسلوب؟ أقسم لا. ولربما رأيتها في وجه
الناظرة تصرخ من سوء المعاملة في صباح اليوم التالي.
نفس الشيء
بالنسبة للواجبات المدرسية، فبينما هي تعلم الطفل الصبر على الدراسة في المدارس
الأجنبية نجد أن جميع الآباء يتأففون من كثرتها في المدارس العربية! وضاع الحق،
ولم نعد نفهم كيف أن الواجبات البيتية هي نفسها حين تكون صادرة من مدرسة أجنبية
تعلم الصبر، وحين تكون صادرة من مدرسة عربية تُنفِّر الطالب. لذلك أقول: نظرتنا هي
التي يجب أن تتغير!
مثال حي
في مدرسة
إسلامية حدثتني ناظرتها تقول: انتشرت عدوى القمل بين الطالبات فأرسلنا الممرضة إلى
وزارة الصحة للحصول على علاج يُوزع مجانًا على الطالبات، وبعد جهود تم الحصول عليه
وذهبت الممرضة بنفسها إلى منازل بعض الطالبات لتوزع الدواء، ولكنها قوبلت أحيانًا
بالطرد وأحيانًا أخرى بالرفض. وجاء بعض أولياء الأمور إلى المدرسة يحتجون على هذا
التصرف ولسان حالهم يقول: هل بيوتنا فيها قمل؟ وأقسم أن نفس الموقف لو كان من
مدرسة أجنبية، وقلما يكون، لجعلنا لناظرتها تمثالًا.
نداء
المدرسة تصنع
أطفالنا حسب معاييرها؟
أيها الأب
الكريم، أيتها الأم الكريمة:
مدارسنا تحتاج
إلى تنظيم أكثر، ربما، ولكن هذا سيتحقق بمجهوداتنا وبمساعدتنا. وهذا لا يبرر أبدًا
وضع أبنائكم في مدارس تنصيرية وإن كانت في ظاهرها لا تبدو كذلك.
فلا أحد يستطيع
أن ينكر ما تطبعه المدرسة من أثر في نفسية الطالب، ولا أحد يستطيع أن ينكر الأثر
الكبير الذي يتركه المدرس في شخصية الطالب، فالمدرس بالنسبة للتلميذ هو القدوة
الأولى التي قد تسبق في أهميتها أمه أو أباه. فكثيرًا ما يعارض طفلنا رأينا الصحيح
لأن مدرسه قال له عكس ذلك بدون أن يدرك أن المدرس معرض للخطأ، ويكون هذا بشكل كبير
في المدارس الابتدائية والمتوسطة. قد يقول قائل: إن المدارس هنا لا تبث الأطفال
أية أفكار تنصيرية. وأنا أقول هذا غير صحيح لأنها إن لم تكن تبثها بصورة مباشرة
فهي تبثها بطرق خفية وغير مباشرة، وإلا فلماذا تواجدت بين أوساط المسلمين، ألا
إنها حريصة على نشر الثقافة والعلم بينهم؟
لنفرض جدلًا
أنها لا تبث شيئًا في عقلية أطفالنا ولنتصور مدرسًا يحاول أن يشرح فكرة معينة
لتلاميذه، ألن يشرحها بناءً على تصوراته، وطبقًا لمعتقداته؟ وسيأخذ الأطفال ما
يقول على أنه الأصح. وحتى لو حاول أن يكون حياديًا ولن يستطيع، فماذا يستفيد
أبناؤنا في هذه الحالة؟ سينهلون علمًا بدون معتقد أو بمعتقدات مشوهة أو أنهم
سيصابون بحيرة شديدة حين يرون الفرق الشاسع بين ما يأخذون في المدرسة وبين ما
يسمعونه من أهلهم ومحيطهم.
وحين يتخرج هذا
الطالب بعد مدة معينة، فأية ثقافة دينية ستكون عنده؟ وماذا سيقدم لدينه ولبني
دينه؟
فلنراجع أنفسنا
وهنا أجد
تأييدًا لما قالته إحدى الأخوات في إحدى الجمعيات الإصلاحية: «إننا نستقبل جيلًا
منهارًا غير جاهز للعطاء وإننا مضطرون لإجراء عملية ترميم لهؤلاء الشباب».
وهذا كله يأخذ
وقتًا وجهدًا كان الأجدر به أن يكون موجهًا لنفس الشاب ولكن لكي يبدأ مرحلة العطاء
بدوره.
فبدلًا من أن
نرسل بأطفالنا إلى مدارس يديرها منصرون، لنبحث لهم عن مدرسة تُعيننا على تربيتهم
التربية الإسلامية حيث تتفق أفكار المدرسة مع أفكار البيت فينشأ الطفل بنفسية
مستقرة لا يشوبها التناقض. لعلنا نكون بذلك قد أبعدناهم عن أحد الأخطار التي
تتهددهم، وتتهددنا على السواء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل