; أبو الفتح.. السلطان محمد الثالث فاتح القسطنطينية | مجلة المجتمع

العنوان أبو الفتح.. السلطان محمد الثالث فاتح القسطنطينية

الكاتب علي خالد السداني

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1976

مشاهدات 95

نشر في العدد 326

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 23-نوفمبر-1976

القسطنطينية، تلك المدينة الساحرة المقامة على سبعة تلال على البسفور، قد كساها الله من حلل الروعة والجمال، ما يسلب اللب ويداعب الخيال، وكم داعبت خیال الغزاة والفاتحين لفتحها منذ القديم، ولكنها وقفت تصد عن نفسها كل فاتح حقبة من الزمان حتى خارت الهمم فدفعت قبائل الخن الآسيوية والأكاسرة والسلاجقة حتى العرب المسلمين حين همّوا بفتحها في صدر إسلامهم.

وهكذا بقيت القسطنطينية في يد الصليبيين من لاتين وبيزنطيين حتى عام 857هـ 1453م إلى أن جاء قدرها على يد السلطان محمد الفاتح الذي كان بشارة للنبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال في حديث له رواه الإمام أحمد في مسنده: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش».

مما دفع قادة المسلمين إلى التسارع للفوز بهذه البشارة النبوية الكريمة؛ فحاصروها سبع مرات، وشاء الله أن تُفتح على يد هذا القائد الشاب وهو في سن الثالثة والعشرين وعلى يد هذا الجيش المبارك.

مولده:

اختلف الرواة في تاریخ میلاده، ولكن أدق هذه الروايات تذهب إلى أنه ولد في مدينة أدرنة ليلة السابع من رجب سنة 833 هجرية، أما والده فهو السلطان مراد الثاني ابن السلطان محمد جلبي الأول باني الدولة العثمانية بعد هزيمة بايزيد الأول على يد تيمور لنك قائد التتر. وأما أمه فهي السلطانة خديجة عليمة إسفنديار.

نشأته:

نشأ هذا القائد الفاتح في بيئة إسلامية نقية ووسم بطابع الخلق الرفيع والتدين العميق وكان من سمته صفاء السريرة، واعتنى به عناية كبيرة وأشرف على تعليمه وتربيته أساتذة أجلاء، كان نهمًا في طلب العلم واكتساب الفضائل وكان لغويًّا بارعًا، يقرض الشعر، ومكث في طلب العلم على يد علماء زمانه مثل -خواجه زاده- وابن الخطيب وقرأ عليهما ما شاء من كتب السلف حتى سن الحادية والعشرين فتفتق ذهنه ونضجت مواهبه، وكان نجيبًا عفيفا وقد أمضى سنوات عديدة من عمره في مدينة -مغنيسيا- بالأناضول بعيدًا عن صخب الحياة، وقد دخل معترك الحياة وهو لين الغصن وقلّده والده السلطان مراد الثاني ولاية الحكم وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة ولبث في هذه السدة سنتين واستجدت أمور استدعت أن يرجع والده إلى الحكم حين هجم ملك المجر على البلاد العثمانية ناقضًا العهد الذي بينه وبين العثمانيين وخوفًا من أن يستغل العدو حداثة سن الجالس على كرسي الحكم.

وهذه الفترة التي مر بها الشاب دعته إلى أن يستزيد من المعرفة فأخذ يتتلمذ على أيدي أساتذة يعرفونه بمتطلبات إدارة الدولة وكيف يتحمل تبعات الحكم، وانكب على دراسة القادة والفاتحين في التاريخ. 

وكانت هوايته قراءة الكتب والتدرب على فن القتال، وكان عزوفًا عن الشهوات والملذات بسيطًا في عيشه، ميدانه المحبب في ساحة الجهاد، ويلتذ للنقاش العلمي.

فتح القسطنطينية:

وحان وقت البشارة وتمخضت الأحداث عن أمر عظيم وأوروبا في هذا الوقت قد مزقها الخلاف المذهبي الذي استعر بين الأرثوذكس والكاثوليك حتى بلغ بهم حدًّا يقولون معه- عمامة المسلم ولا قلنسوة البابا.

لكن هذه القولة لم تستمر، فسرعان ما تبدلت الأمور حين احتل محمد الثاني القسطنطينية فثارت ثائرة أوروبا فتنادت جموعهم لقتال المسلمين.

قاد السلطان محمد الفاتح وهو في سن الثالثة والعشرين أعظم الجيوش البرية والبحرية تحدوه البشارة التي طالما تاقت نفسه لأن يكون هو ذلك المعني بها؛ فشحذ الهمة وابتكر أساليب وخططًا لم تكن معروفة في زمانه، فسيّر أسطولا مكونًا من سبعين سفينة حربية من -بشيكطاش- جرًّا على أرض غير مستوية ومغطاة بالأحراش فأزلقوها على الخشب المطلي بالشحم لأن خليج قرن الذهب كان مسدودًا بسلسلة حديدية.

وبدأ محمد الفاتح زحفه على القسطنطينية سنة 1452م وبنى بجانبها حصن روم أبلى حصار- المنيع على بعد لا يتجاوز سبعة کیلومترات من أبواب القسنطنطينية، وبدأ حصاره لها في 9 أبريل سنة 1453م واستمر الحصار خمسين يومًا حتى 29 مايو، وأعد لها أعظم مدافع عرفها التاريخ حتى ذلك الحين.

ويقول البارون –کارادوفو- في كتابه "مفكرو الإسلام": إن فتح القسطنطينية لم يكن مصادفة أو نتيجة ضعف بيزنطة، بل كان السلطان محمد الفاتح يستخدم أحدث ما وصل إليه العلم في عهده؛ فقد كانت المدافع حيئذ حديثة العهد فعمل في تركيب أضخم المدافع التي يمكن تركيبها يومئذ، وكان لديه من المدافع ما يستطيع رمي كرة من الحديد وزنها 300 كيلوجرام ومداه أكثر من ميل، أما أسطوله فيقدر بـ 120 سفينة.

وكثر الهجوم عليها من جهة البر بين باب طوبقيو - وباب- أدرنة والمسلمون يهتفون الله أحد لا إله إلا الله محمد رسول الله- وفتحت مدافع المسلمين العثمانيين ثلما تعذر على الروم سدها في جهة باب سان رومان وهدمت أربعة أبراج وتحولت الأسوار المزدوجة إلى أنقاض.

وسقطت القسطنطينية وجاء تاريخ فتحها مصادفًا بحساب الجمل الآية -بلدة طيبة- أي 853 وهي سنة فتحها بالحساب الهجري، ولم يملك الإسلام في ديار الغرب بلدة  أجلّ منها ولا موقعًا إستراتيجيًّا أهم منها؛ فهي تصل ما بين بحرين الأسود والأبيض وبين برين عظيمين آسيا وأوروبا. 

ولما دخل المسلمون الأتراك المدينة التجأ النصارى إلى كنيسة أيا صوفيا، وهم يعتقدون أنه متى وصل الترك إلى عمود قسنطين الكبير يظهر ملك من السماء فيهزم المسلمون وينكصون على أعقابهم ويعودون من حيث أتوا، ولكن المسلمين الأتراك دخلوها وأخذوا من فيها أسارى وأشاع المستشرقون أنهم أعملوا فيهم السيوف.

وشاع نبأ سقوط القسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني فحمد المسلمون الله كثيرًا على فتح العثمانيين للقسطنطينية.

ودخل السلطان القسطنطينية واتجه إلى كنيسة -أيا صوفيا- وترجل عن جواده ودخلها وارتفع صوت الأذان في داخل الكنيسة وسجد السلطان ومن معه لله الواحد الأحد وتحولت إلى مسجد.

وهكذا تم فتح الله المبين وسقطت قلعة من أعتى قلاع الكفر فأصبحت قلعة حصينة للإسلام والمسلمين.

ومضى هذا القائد المسلم يتنقل من انتصار إلى انتصار، وظل في سدة الحكم ثلاثين سنة حقق فيها من جلائل الأعمال ما تضيق الدهور والأعمار الطوال عن إتيانه.

وقرب الأجل وبينما هو عائد من إستانبول إلى -أسكدار- في اليوم السادس والعشرين من صفر سنة 886 هجرية على رأس جيش عظيم على الرغم من مرضه، ولما وصل إلى- ككيوزة- اشتد به المرض في المكان المسمى- تكفور جيري، فتوجه إلى ربه كليًّا بلسانه وقلبه حتى فاضت روحه في 3 مايو 1481م.

وما أن أذيع نبأ موت السلطان الفاتح حتى اعتبرت أوروبا موته بمثابة السلامة من خطر كان محققًا وبلغ من سرورها لهذا الخبر، حسب رواية- لافاليه- أن البابا أمر بأن يعتبر يوم وفاة السلطان يوم عيد، وبأن تقام صلوات الشكر خلال ثلاثة أيام.

الرابط المختصر :