العنوان انتهى عهد « الاختطاف المريح» - أبو حمزة حديث المقايل اليمنية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999
مشاهدات 60
نشر في العدد 1338
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 16-فبراير-1999
ما تزال ذيول حادثة قتل السياح البريطانيين في اليمن تفرض نفسها على الدولة والشعب بعد أكثر من 7 أسابيع، في شكل حالة من الجدل السياسي والفكري في وسائل الإعلام الرسمية والحزبية والأهلية.. في الوقت الذي استؤنفت فيه المحاكمات للمتهمين في قضايا أمنية.. سواء تلك المتصلة بخطف السياح، أو بمحاكمة عدد من حاملي الجنسية البريطانية اتهموا بالإعداد لعمليات عنف بدعم من منظمات متواجدة في بريطانيا.
وفيما خفتت تأثيرات المحاكمات الجارية في «عدن» و«أبين نتيجة منع الإعلام من تغطيتها. هناك حوارات ساخنة في التلفاز الرسمي والصحافة فجرتها تصريحات أدلى بها أبو حمزة المصري، رئيس جمعية أنصار الشريعة، التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها.
تصريحات أبو حمزة وأسلوب مواجهة الإعلام الرسمي لها، حول الرجل إلى نجم تتوجه إليه الأنظار داخل اليمن وتخصص له الصفحات والبرامج وحتى رسوم الكاريكاتير، وأصبح الرجل في لحظة من الزمن حديث المقابل والمنتديات السياسية.
والحقيقة أن حادثة قتل السياح كانت تمثل ضربة غير عادية لهيبة السلطة في اليمن.. وهي التي دأبت على التعامل مع عمليات الاختطاف السابقة بأسلوب حذر يهدف إلى إنقاذ الرهائن الأجانب مقابل التضحية بأشياء كثيرة كان في مقدمتها مصداقية الدولة نفسها في التصدي العمليات الاختطاف، وتقديم مرتكبيها إلى القضاء لكن العملية الدموية الأخيرة أنهت المقولات عن الاختطاف المريح وكرم الخاطفين تجاه المخطوفين والصداقة التي تقوم بين الطرفين، وللمرة الأولى تعقد محاكمات للخاطفين تجاوزت الروتين المعروف، بل كان انعقادها في الإجازة القضائية نوعاً من رد الاعتبار المصداقية السلطة ولمواجهة الهجمة الإعلامية التي يقول اليمنيون إنها استهدفتهم من داخل بريطانيا.
ومنذ انتهاء إجازة العيد، بدأت الحكومة تشن حملتها المضادة ضد ما وصف رسمياً بأنه حملة تستهدف التشكيك في مواقف الحكومة، تقف وراءها جهات تصفها الحكومة بأنها معادية وتنطلق من بريطانيا؛ حيث تتواجد قيادات المعارضة التي هربت بعد فشلها في مشروع الانفصال عام ١٩٩٤م.
دخول رئيس هيئة أنصار الشريعة في المعمعة من خلال قناة الجزيرة الفضائية.. منح السلطات مبرراً قوياً لتأكيد فرضية المؤامرة التي تقف وراء عمليات الاختطاف والتفجيرات التي تشهدها اليمن منذ عام ۱۹۹۲م، لكن النقطة الرئيسة التي ركز عليها الإعلام كانت الاتهامات التي وجهها (أبو حمزة) ضد النظام والذي اعتبره اليمنيون تطاولاً بتهم التكفير والتفسيق ضد دولة إسلامية وشعب مسلم.
ولوحظ أن هناك اتجاهاً سعى إلى انتهاز فرصة استياء اليمنيين من أفكار أبو حمزة المصري) وحاول تعميم هذه الصورة المتشددة على الإسلاميين جميعهم، واعتبار أن هذا الخطاب هو خطاب الحركات الإسلامية وقناعاتها سواء أكانت (مجاهدة) أم (داعية).
لكن أهم الفاعليات الإعلامية التي نظمتها الحكومة كانت ندوة شارك فيها الداعية الإسلامي الشهير الشيخ عبد المجيد الزنداني - وعلى الرغم من أن الزنداني أعلن رفض منطق التكفير العشوائي والدعوة إلى قتل السياح، إلا أن المماحكات السياسية لم تشأ تفويت هذه الفرصة فاستقبل البرنامج مكالمات هاتفية حاولت أن تلمز من قناة الشيخ الزنداني وتوصمه برعاية الإرهاب والدعوة إلى قتل الغربيين ومثل تلك الاتصالات التي انصبت على الزنداني جعلته وكثير من المشاهدين يوقنون أن الاتصالات كانت معدة سلفاً لتشويه مواقف الزنداني والتجمع اليمني للإصلاح ولاسيما بعد أن فشل آخرون في الاتصال بالبرنامج فيما نجح أولئك الذين استهدفوا الزنداني.
الصحافة الرسمية امتلأت بحملات شديدة ضد أبو حمزة جعلت كثيرين يعيبونها لأنها تجاوزت الحكمة وأعطت هالة إعلامية للطرف الآخر.. ربما لم يكن يحلم بها.. أما المعارضة فقد كانت لها مواقف إدانة.. لكن السلطة لم تقتنع بها واعتبرتها هشة وغير صريحة في إدانة الإرهاب والاختطاف.
اليمن.. بريطانيا: توتر غريب
العلاقات اليمنية البريطانية هي إحدى ضحايا حادثة السياح الدموية، فاليمنيون اعتبروا أن وجود أبو حمزة المصري في بريطانيا وتورط بريطانيين في التخطيط الأعمال عنف، دليل كاف على أن بريطانيا تتحمل مسؤولية كبيرة في دعم الإرهاب وتوفير الحماية للإرهابيين.
من جانبها اتخذت الحكومة البريطانية عدداً من الإجراءات مثل إغلاق مراكزها الثقافية وترحيل الرعايا - إلا للضرورة القصوى - لكن يبدو أن ما تنشره الصحافة البريطانية عن اليمن وما جرى في محاكمة البريطانيين في (عدن) قد جعل اليمن تعد ذلك جزءاً من الحملة الموجهة ضدها! فكل طرف يريد أن يصور الآخر بأنه المسؤول عما حدث فاليمنيون يتهمون بريطانيا بأنها منحت جوازات للإرهابيين وتتغاضي عن نشاطاتهم.. والبريطانيون يبدو أنهم يتهمون اليمنيين بمسؤوليتهم عن مقتل السياح، وأن الحملة ضدهم مجرد ستار للتغطية عن الحقائق.
هذا التدهور المتسارع في العلاقات جدد حالة الفتور بين البلدين التي كانت قد نشأت أثناء الأزمة السياسية عام ١٩٩٤م، فقد ترددت أنباء حينها عن دعم معنوي بريطاني لعملية انفصال الجنوب الذي كان مستعمراً من قبل بريطانيا لمدة ۱۲۹ عاماً، وقد عززتم ذلك الموقف لبريطانيا المتردد والغامض إبان الحرب الأهلية ولاسيما في بدايتها.
وهكذا يبدو أن الوسط السياسي والشعبي اليمني سوف يجد في محاكمات البريطانيين والمنتمين لما يسمى جيش عدن - أبين الإسلامي وفي الجدل الفكري والإعلامي حول التكفير والإرهاب.. سوف يجد في ذلك كله مادة خصبة تنشغل فيها الصحافة والمقابل والأحزاب.. وهو أمر يعوض البرود الذي ران على الساحة السياسية في الفترة الأخيرة.