; أبي كما عرفته في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان أبي كما عرفته في رمضان

الكاتب شيخة عبدالله المطوع

تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006

مشاهدات 78

نشر في العدد 1721

نشر في الصفحة 44

السبت 30-سبتمبر-2006

منذ نعومة أظفارنا، ومنذ أن نشأنا وترعرعنا في بيت أسس على التقوى ورمضان بالنسبة إلينا شيء مهم وحدث مميز ننتظره بفارغ الصبر ولا تسعنا الدنيا فرحًا بقدومه. كنا نسمع عنه كثيرًا ونبتكر له من مخيلتنا الصغيرة صورًا عديدة حتى إننا حسبناه رجلًا طيبًا وسيما يحبه الجميع يأتي بالمنح والهدايا، ولا يبخل بالعطايا حتى إن الله ورسوله أوصيانا بحسن استقباله. 

وتوالت الأعوام عامًا بعد عام... ونحن نتوق إلى رمضان شهر القرآن الكريم، لتجدد فيه الإيمان، وتسعى لرضا الرحمن والفوز بالجنان والعتق من النيران. 

لكن رمضاننا هذا العام غير كل الأعوام.. أقبل علينا يحمل في طياته أطيب الذكرى وأعطرها... 

هل هلال رمضان وأثار الدنيا بعد أن انطفأ السراج الذي كان يضيء بيتنا وخفت النور الذي كان يشع بيننا... 

أقبل علينا بعد أن ودعنا والدنا وحبيبنا، وأمير قلوبنا، ورمز عزنا وفخرنا وعماد أسرتنا وداعية أمتنا "عبد الله المطوع". 

لقد كان لوالدي في رمضان -يرحمه الله- شأن عجيب يعرفه القريب ولا يخفى على البعيد... 

سأطلق لقلمي العنان، ليحدثكم عن ليلة من ليالي رمضان عشتها في كنف والدي رحمه الله. 

عندما يحين وقت السحور كان رحمه الله يطرق علينا الأبواب، وينثر على وجوهنا الماء ولا يبقي أحدًا نائمًا في الدار... 

نجلس على مائدة السحور والنوم يداعب أجفاننا، والتذمر يبدو على محيانا، ولكن هيهات أن يستجاب لنا، فوقت السحور من الأوقات المقدسة التي لا نجرؤ على الاستخفاف بها... 

وما إن نسرع في تناول الطعام إلا وتسمع صوت الوالد يرحمه الله يحثنا على الاستعجال، فوقت الإمساك قد قرب وحان. وإذا جاء وقت الإمساك ونحن نمضغ الطعام أمرنا أن نلفظه، ونبدأ بالصيام. ومهما توسلنا إليه وتجللنا بأن وقت الفجر لم يحن بعد... أنهى الكلام وقال: "لم يضع العلماء وقت الإمساك عبثًا فعليكم الالتزام". وكنا نحاول أن نسترق النوم بعد السحور لدقائق معدودات، وإذ به ينبهنا ثانية لصلاة الفجر ولا نحظى حتى بالغفوات. 

وكان يشجعنا على الصيام ونحن صغار بأن يجعل لصيام كل يوم دينارًا، فإذا مرضنا أو فطرنا نقص من الحساب. فوالله كنا نحرص على الصيام حرصًا شديدًا. وكم مرضنا وعطشنا وتعبنا ورغم كل ذلك صمنا رغبة في العطاء، حتى كبرنا وتعودنا على الصيام... 

وإذا حان وقت الإفطار وبدأنا في تناول الطعام... نادى إخوتي عجلوا في الفطر وحي على الصلاة، فيقطعون فطورهم ويذهبون مسرعين على أمل العودة بأقرب وقت ممكن ليتسنى لهم الإكمال. 

وأما في العشر الأواخر فيستعد للرحيل إلى البيت العتيق، ليحظى بأجر عمرة كحجة مع هادي الأمة ﷺ. وأما في العيد، فيفضل قضاءه مجاورًا للحبيب ﷺ ولا ينسى قبل الرحيل أن يوزع علينا العيدية، فلقد كانت أحلى هدية... 

رحمك الله يا أبي رحمة واسعة، وجعلنا ممن قال فيهم رسول الله ﷺ: "وولد صالح يدعو له"، وجمعنا بك في مستقر رحمته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أبي.. يا شمس الخير

ابنك: عبد الجليل عبد الله المطوع

أبي تعودنا على سفرك.. فسفرك كان كثيرًا من أجل الخير.

 فعندما تسافر إلى الصين تزيد المساجد هناك، وعندما تسافر إلى الصومال تقل نسبة الجوع، وعند سفرك إلى اليابان تزيد تجارتك وأرباحك.. فتعود من السفر مسرورًا لإنجازاتك العظيمة وتحكي لنا عن خبراتك وتفيدنا وتنصحنا بالخير، لكنك سافرت عنا يوم الأحد ٣/٩/٢٠٠٦م. 

ولقد طال سفرك كثيرًا دون عودة، وكم اشتاقت عيني لرؤيتك، ولكم اشتقت لسماع صوتك، وإلى عطفك الذي يطمئنني واشتقت إلى غضبك الذي يرشدني، واشتقت إلى ابتسامتك التي تعودنا أن نلقاها على شفتيك اللتين طالما تحركتا بذكر الله وقول الحق. 

أبي لقد رحلت عنا وقد اطمأن قلبك بأننا نسير على طريقك، رحلت عندما اطمأن قلبك علينا. كنت -بعد الله سبحانه وتعالى- سندنا، وكنت عزوتنا، وكنت ظهرنا.. وكنا -وستظل إن شاء الله- ترفع رؤوسنا فخرًا بأننا من صلبك ومن نسلك، فأنت الخير كله. 

أبي كنت أظن أنني وإخوتي الوحيدون الذين حزنوا لرحيلك، حتى فوجئت بالناس من جميع أنحاء العالم جاءوا يعزوننا، ووجدت حزنهم أشد من حزني وبكاءهم أشد من بكائي، فأدركت أنك كنت أبا وأخًا لهم ومعينًا على الخير معهم، فكم كفلت الأيتام والأرامل وكم أفطرت صائمًا، فكان خيرك يعم كل محتاج واسمك لا ينطق إلا مقرونًا بذكر الخير. 

وما زال اسمك إلى اليوم يذكر مقرونًا بفعل الخيرات، فما زال الناس يذكرون أفعالك الخيرة وما زال الأيتام يبكونك. 

أبي لقد جاء شهر رمضان ولم تكن معنا، أهل الحي اشتاقوا لك جميعًا، وكم تمنينا ونحن نعيد فرش المسجد الذي كنت تصلي فيه أن تمسه جبهتك الطاهرة عند سجودك، وكم تمنى الطريق سماع خطواتك عند الفجر بذهابك للمسجد، وكم تمنى الفقراء رؤيتك في كل فجر، كم انتظروك لكي تكرمهم وتدخل السرور على قلوبهم. 

أبا بدر.. يا شمس الخير.. رحلت بعد بدر... فالبدر ذهب والشمس التي تنير البدر رحلت، رحلتم ونحن نخلد ذكراكم في قلوبنا، رحلتم ونحن نقتدي بكم، رحلتم والكل يحكي بالخير عنكم. 

 رحمك الله وأدخلك فسيح جناته، ورحم الله بدر.

الرابط المختصر :