; أبْشِر يا واصِلَ الرَّحِم | مجلة المجتمع

العنوان أبْشِر يا واصِلَ الرَّحِم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 62

الجمعة 23-مارس-2012

جاءتني رسالة من رجل عمره خمس وخمسون سنة، ذكر أنه يتبوأ مكانة اجتماعية، وقد قضى سني عمره هذه عاملا بجد واجتهاد مكافحًا ومضحيا في سبيل تربية ثلاثة من إخوته وثلاث أخوات، وقد تحمل آلام الغربة وعناء العمل فيها من أجل تربيتهم وتعليمهم وتزويجهم جميعا؛ ذكرانا وإناثا قبل أن يتزوج هو.

يقول الرجل: كنت أجد داخل نفسي دافعًا قويًا لإيثارهم على نفسي، وخاصة بعد أن أوصاني أبي بهم خيرا، وقد توفي وعمري ثمانية عشر عامًا، وكذلك كانت توصية والدتي وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ساعة سكرات الموت، لذا أصررت على ألا أتزوج إلا بعد أن يتزوجوا، بل ظللت أساعد أولادهم في تعليمهم، حتى تخرج الابن الأكبر لكل أخ من إخوتي وأنهى تعليمه وتسلم عمله، لينطلق في مساعدة أسرته.. مرت السنون والأيام وإذا بي أفيق فأجد نفسي وحيدًا دون زوجة ولا ولد، فبادرت بالبحث عن شريكة لما تبقى من العمر، والحمد لله يسر لي ربي زوجة صالحة ولكن كعادة الحياة لا تخلو من أمر ينغص على المرء معيشته، ويكدر عليه صفوه..

ففجأة وجدت إخوتي وأولادهم الذين آثرتهم على نفسي يقاطعونني دون أي سبب، فأصابتني الدهشة وتمنيت فقط أن أعرف السبب، ولم أبحث كثيرا حتى عرفت أن السبب، وهو خوفهم من أن يقل دعمي لهم بعد زواجي، بحكم زيادة أعبائي ووجود زوجة وأولاد يزيدون من مسؤولياتي، تألمت كثيرًا وتساءلت: هل كانوا يريدونني أعيش طوال حياتي هكذا فريدًا أعمل من أجلهم وأنسى نفسي دون زوجة وولد؟!

أصابتني حسرة شديدة وألم موجع، فقد كنت أتوقع أن يفرحوا لي، وأن يقفوا معي يوم عرسي، ليردوا شيئا مما قدمته إليهم، ولكن هيهات هيهات!!

وتساءلت: هل لم يعد في الدنيا خير؟! هل صار الناس بهذه الوحشية، وتلك الأنانية لدرجة أنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم؟! أنا الآن في حيرة من أمري، وفي صراع شديد بيني وبين ذاتي: أأطيع نفسي وأقاطعهم كما قاطعوني؟ أم أصبر على قطيعتهم وأصلهم وأبتغي أجري من ربي؟

أقول لصاحب الرسالة:

العاقل من يسعى إلى الفوز بمحاسن الدنيا ونعيم الآخرة، وهما أعظم نعمتين تصيبان العبد، ومفتاحهما صلة الرحم!! ربما تجد في كلامي هذا مثاليات، ولكنه هو الحق والصواب كما أن المسلم مثالي أو هكذا ينبغي أن يكون فأي عيب في ذلك؟! فأبشر يا واصل رحمك واستمر في صلتهم، ولا تدع الشيطان يفرق بينك وبينهم، فإن هانوا عليك بعد أن قابلوا الإحسان بالإساءة؛ فلا تجعل نفسك تهون عليك، ولا تحرم ذاتك من خير صلة الأرحام. أبشر يا واصل رحمك بطاعة ربك، فقد قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيَ يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (النحل: 60).

أبشر يا واصل رحمك ببسط الرزق وبركة العمر، يقول النبي: « من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه» (رواه البخاري). أبشر يا واصل رحمك ويا من أنفقت عليهم من مالك وجهدك، فإن كان قد ضاع عند العباد ونسوه، فإنه لن يضيع أبدًا عند رب العباد ولن ينساه، وهو القائل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مَنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْن السبيل وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 265).

أبشر يا واصل رحمك بوصل الله لك ما دمت تصل رحمك، قال: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (رواه البخاري ومسلم). 

أبشر يا واصل رحمك، فإن وصلك لهم بمثابة طريق يوصلك إلى الجنة، وذلك ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (رواه الترمذي وابن ماجه)

أبشر يا واصل رحمك، فإن عملك مقبول من الله بأمره تعالى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم» (رواه أحمد).

أبشريا واصل رحمك بمضاعفة ثواب الصدقة، فقد بشرك حبيبك: «إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة». أبشر يا واصل رحمك، فصلتك لرحمك تحقق فيك الإيمان، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» (رواه البخاري).

أبشـر يـا واصل رحمك، فقد بشرك رسولنا الكريم بمجيء الرحم يوم القيامة وشهادتها لك، يقول النبي: «وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها» (رواه البخاري). 

أبشر يا واصل رحمك بتعجيل الثواب، يقول: « ليس شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرحم (رواه البيهقي وصححه الألباني).

أبشر يا واصل رحمك بطول العمر وعمران الديار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «صلة الرحم وحسن الجوار أو حسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار».

أبشر يا واصل رحمك بزيادة الأموال وطول الأعمار، قال: «إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: بصلتهم لأرحامهم» ( رواه الطبراني).

ويقول أيضا: «إن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر» (صححه الألباني).

أبشر يا واصل رحمك، فإن كانت رحمك قد أدبرت عنك وأنت تصلها، فقد نفذت وصية ربك سبحانه ورسوله، وهذه بشارة رسول الله، حيث يقول: «أوصاني خليلي ألا تأخذني في الله لومة لائم، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت» (رواه الطبراني).

ولأهمية صلة الرحم فقد وجهنا رسول الله إلى تعلم الأنساب كوسيلة لصلة الأرحام، وفي ذلك يقول: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (رواه الترمذي)

كما جعل الرسول صلة الأرحام من شواهد إيمان المرء، حيث يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت (رواه البخاري). 

ولما كان الأبوان هما أقرب الرحم فقد أوصانا الشرع بهما خيرًا، فقال تعالى: ﴿وقضى رَبَّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَا يَبْلُغَنَ عندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24).

كما أوصانا أن نديم المعروف معهما حتى لو أمرانا بالكفر وجاهدانا عليه، قال تعالى: ﴿وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (لقمان: ١٥). 

وقال سبحانه: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لتَشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأَنبَئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت: 8).

ولقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك» ( رواه البخاري ومسلم).

ويقول: «رغم أنف»، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو کلاهما فلم يدخل الجنة (رواه مسلم).

وعن عبد الله بن مسعود ال قال: سألت النبي: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها». «قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (رواه البخاري ومسلم).

لهذا السبب كانت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تصل أمها بتوجيه نبوي.. تقول أسماء قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله قلت قدمت على أمي وهي راغبة أفاصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك» (رواه البخاري ومسلم).

وفيما يرويه البخاري ومسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعًا، وهات ووأد البنات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (رواه البخاري ومسلم).

ويقول أيضا: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة» (رواه البخاري ومسلم).

أبشر يا واصل رحمك عملًا بوصية أمك وأبيك، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه (رواه مسلم). 

أبشر يا واصل رحمك، فقد بشرك رسول الله الا تموت ميتة سوء قال من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه (رواه البخاري).

الصلة الحقيقية

يقول النبي ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها (رواه البخاري). 

فقد تزور أحد أقاربك ردًا على زيارة قام بها لك، وهنا لا يكون ذلك صلة، بل إنك حينئذ مكافئ له، أي ترد هذه القرية بمثلها، أما الصلة الحقيقية فهي أن تبادر بصلة من قطعك من أقاربك.

وقد يكون ثقيلًا على النفس - كما قال صاحب الرسالة - أن يقطعه أقاربه وذوو رحمه فيصلهم، ولكن الخير له في صلته لهم، وبقدر قطيعتهم له يعذبون.. جاء رجل إلى رسول الله له فقال: يا رسول، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت كذلك (رواه مسلم)، والمل هو تراب الفرن الساخن.

وعن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته (رواه الترمذي وأبو داود وأحمد). أبشر يا واصل رحمك فأنت بمفازة ونجاة من اللعنة ومن سوء الدار، قال تعالى: ﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أن يُوصل ويُفسدون في الأرض أولئكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سوء الدار﴾ (الرعد: 25).

وعن أبي أيوب الأنصاري، أن رجلًا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم».

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك لك»، ثم قال.. اقرؤوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقطعُوا أَرْحَامَكُمْ. أولئك الذين لعنهم الله فاصمهُمْ وَأَعْمَى أَبْصارَهُمْ﴾ (محمد).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل