العنوان أثر الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 92
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 02-مارس-1976
تحتل المشكلات الاقتصادية الصدارة في هذا العصر، حتى تكاد تكون المعركة «الأيديولوجية» الدائرة في العالم ذات طابع اقتصادي. والإسلام ليس بمعزل عن هذه المشكلات، بل له عناية خاصة بعلاجها، كما أن للزكاة دورًا مؤكدًا في حلها.
ومن هذه المشكلات التي للزكاة علاقة وثيقة بعلاجها:
- مشكلة البطالة:
وهي مشكلة لها خطرها على الفرد وعلى الأسرة وعلى المجتمع، ماديًا ومعنويًا. لهذا يكره الإسلام البطالة، ويحث على العمل، ويعتبره عبادة وجهادًا.
والبطالة نوعان: جبرية واختيارية.
فالجبرية هي التي تفرض على الإنسان كأن تكسد حرفته، أو يحتاج إلى آلات لها لا يجد ثمنها، أو إلى رأس مال لا يجده أو نحو ذلك. ودور الزكاة هنا أن توفر له- من صندوقها- كل ما يحتاج إليه ولا يستطيعه، بحيث يتمكن من مزاولة مهنته، زراعة، أو صناعة أو تجارة ويكون له من ورائها دخل ثابت يغنيه عن طلب المساعدة من غيره، ولو كان هذا الغير هو الدولة.
وينبغي أن يعطي المحترف ما يمكنه من إغناء نفسه وإن كثر، وإن كان يحتاج إلى تدريب فني هيئ له ذلك، وأنفق عليه من الزكاة، ومنها يمكن إقامة مشروعات أو مؤسسات إنتاجية أو استغلالية، ليشغل فيها العاطلون القادرون، وتكون لهم ملكًا بالاشتراك.
وأما البطالة الاختيارية فهي بطالة من يقدر على العمل، ويستمرئ القعود والراحة، فالإسلام يقاوم هذا الصنف ولا يرضى عن مسلكه، وإن زعم التوكل على الله أو التفرغ للعبادة، إذ لا رهبانية في الإسلام.
وفي الآثار: إن الله يحب المؤمن المحترف وشر شيء في العالم البطالة.
وهؤلاء المتعطلون باختيارهم لا حظ لهم من مال الزكاة، لما جاء في الحديث، لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سويّ، ولأن في إعطائهم منها مزاحمة لأهلها الحقيقيين من الضعفاء العاجزين عن الكسب: من ناحية، وتشجيعها على بطالة عنصر قادر على الإنتاج من ناحية أخرى.
والتصرف السديد هو الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حين جاء رجل يسأله الصدقة وهو قوي سوي فأعطاه قدومًا وأمره أن يحتطب به، ويكفي نفسه من كسبه، بدل أن يسأل المعونة من الزكاة.
ومن الجميل أن فقهاءنا قرروا أن المتفرغ للعبادة- وهو قادر- لا يعطى من الزكاة لأن منفعة عبادته مقصورة عليه، وهو مأمور بالسعي والعمل على حين يعطي منها المتفرغ لطلب العلم، لأن منفعة علمه له وللمجتمع، وخاصة إذا كان نجيبًا يرجى تفوقه ونفع المسلمين به.
2- مشكلة الفقر:
وهي مشكلة اقتصادية واجتماعية وسياسية وإنسانية. لهذا وجه الإسلام عناية كبرى لعلاجها، وتحرير الإنسان من نیرها. وسر هذه العناية يرجع إلى أمرين: 1– نظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا كريمًا على الله، نفخ فيه من روحه.. وخلقه في أحسن تقويم.
وجعله في الأرض خليفة، وسخر له ما في الكون جميعًا منه، فلا عجب أن تعنى شريعته بإشباع حاجاته وتحقيق مطالبه ليستطيع أن يعمر الأرض ويقوم بحق الخلافة فيها. ولهذا جعل الإسلام إعطاء الإنسان إقراضًا لله تعالى.
2- نظرة الإسلام إلى الفقر نفسه، فهو يراه خطرًا على الفرد: عقيدته وأخلاقه، وسلامة تفكيره، وخطرًا على الأسرة وعلى استقرار المجتمع أيضًا.
ويراه بلاء يستعاذ بالله من شره، وخاصة إذا عظم حتى أصبح فقرًا نفسيًا. ولهذا استعاذ النبي (صلى الله عليه وسلم) من الفقر والكفر، وقرن بينهما، فقيل له: ويعتدلان؟ قال: نعم.
ولهذا عني الإسلام بمطاردة الفقر، وتحرير الإنسان من براثنه، والعمل على إغنائه وإشباع حاجاته، إعانة على فرائض الله، والقيام بأعباء الحياة، ليحس بالكرامة والسعادة من ناحية، ويتفرغ بعد ذلك لعبادة الله بخشوع وإحسان من ناحية أخرى.
أما دور الزكاة في علاج مشكلة الفقر فهو دور واضح بلا ريب، وإن لم تكن هي العلاج الأوحد، فهناك العمل ونفقات الموسرين من الأقارب، وموارد الدولة الأخرى، والحقوق الواجبة بعد الزكاة وصدقات التطوع، ولكن يبقى دور الزكاة أساسيًا من غير شك. فمهمتها الأولى علاج الفقر علاجًا جذريًا أصيلًا، لا يعتمد السطحية.
ومن اللازم لكي تؤدي الزكاة مهمتها في علاج الفقر أن يعرف سبب الفقر في كل حالة، فإن العلاج يختلف باختلاف سبب الفقر، ونوع الفقير.
1- فمن كان سبب فقره البطالة وهو قادر على العمل، لم يجز إعطاؤه من الزكاة. كما سبق أن بيناه.
2- ومن كان سبب فقره عجزه عن اكتساب ما يكفيه. إما لعجز جسماني كالصغر والمرض والعاهة والشيخوخة، أو لانسداد أبواب العمل الحلال المناسب في وجهه، رغم طلبه له، وسعيه إليه فلا مانع أن يعطى، لأن القوة وحدها لا تغني ما لم يكن معها اكتساب، كما في الحديث الآخر: لا حظ فيها لقوي مكتسب.
3- وأما من كان فقره بسبب ضآلة الدخل وكثرة العيال ونحو ذلك، كما هو شأن كثير من المستورين المتعففين، فيجب أن يعطى من الزكاة ما يتمم كفايته وكفاية من يعول كما نبه على ذلك الحديث النبوي عن المسكين الجدير بالالتفات والمساعدة. فليس المقصود بالزكاة إعطاء المعدم المترب الذي لا يملك شيئًا، بل إغناء من يجد بعض الكفاية، لكن لا يجد تمام ما يكفيه.
أما كمْ يعطى الفقير والمسكين من الزكاة: هل يعطى نصابًا نقديًا كاملًا (ما يساوي ٨٥ جرامًا ذهبًا) له ولكل فرد من عياله، كما هو مذهب الحنفية؟ أم يعطى كفاية السنة له ولهم، بأن يعطى حاجات مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه وكتب علمه إن كان من أهله، حتى الزواج إن كان محتاجًا إليه، كما هو مذهب المالكية والحنابلية؟ أم يعطى كفاية العمر بحيث يستغنى عن الأخذ من الزكاة بعد ذلك، وكما هو مذهب الشافعية؟
إن مذهب الشافعية هو الموافق لسياسة عمر الذي قال: إذا أعطيتم
فأغنوا، وقال عن أهل البادية: كرروا الصدقة عليهم، وإن راح على أحدهم
مائة من الإبل، أي عشرون نصابًا من الزكاة. ولهذا رجحت العمل به عند اتساع حصيلة الزكاة، فتقام منها مصانع أو عقارات أو مؤسسات إنتاجية أو استغلالية تملك للفقراء استقلالًا أو اشتراكًا، لتدر عليهم دخلًا دوريًا منتظمًا.. فإن لم تتسع لمثل هذه المشروعات الكبرى أعطي الفقير المحترف ما يشتري به أدوات حرفته وما يلزم لها، وكذلك التاجر بحسب نوع تجارته.. وأما العاجز فيعطى مساعدة دورية منتظمة تكفيه.
فمهمة الزكاة ليست سد جوعة الفقير بلقيمات، أو إقالة عثرته بدريهمات، بل تهيئة مستوى لائق لمعيشته، أو بتعبير فقهائنا: تحقيق الكفاية التامة له ولمن يعول بغير إسراف ولا تقتير. ومعنى هذا إن هدفها القضاء على الفقر واستئصال شأفته.
وإذا انحلت مشكلة الفقر فقد انحلت معها مشكلات كثيرة تنشأ في العادة منها، مثلًا مشكلة المرض، ومشكلة الجهل، ومشكلة العزوبة، ومشكلة التشرد، وغيرها مما يرجع سببها أصلًا إلى عجز الفرد أو الأسرة اقتصاديًا، وهو معنى الفقر.
وبهذا تبين أن الزكاة تعد بحق أول مؤسسة للضمان الاجتماعي في التاريخ فإذا كان الغرب لم يعرفه إلا حديثًا، فقد عرفه الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، على صورة فذة، فاقت ما عند الغرب اليوم، من حيث شمول الضمان لكل محتاج، وتحقيق تمام الكفاية له كفاية السنة أو العمر- كما قدمنا- لا مجرد معونة محدودة مؤقتة. وكانت الزكاة تصرف إلى هؤلاء المحتاجين في أماكنهم، ولا يكلفون الانتقال لتسلمها، فضلًا عن تقديم طلبات لهم.
وقد سدت الزكاة كل ما يتصور من أنواع الحاجات الناشئة عن العجز الفردي أو الخلل الاجتماعي، أو الظروف الطارئة.. ومن روائع الإسلام: أنه جعل هذا الضمان للمسلمين وغير المسلمين على السواء. كما دل على ذلك قصة عمر مع اليهودي الذي فرض له من بيت مال المسلمين ما يصلحه، وجعل ذلك قاعدة لكل من هذه حالة، واتخذها عمر الثاني سندًا له في سياسته تجاه أهل الذمة.
3- مشكلة التفاوت الفاحش:
ومن المشكلات التي لها علاقة بالزكاة: مشكلة فقدان التوازن، وظهور الفوارق الضخمة في الثورة، والتفاوت الهائل بين الثراء الفاحش والفقر المدقع الذي يهز كيان المجتمع هزًا، وقد رأينا أن الزكاة تقوم بتقريب المستويات بعضها من بعض وذلك بتوسيع قاعدة التملك وتحويل أكبر عدد مستطاع من الفقراء إلى أغنياء مالكين لما يدر عليهم دخلًا يكفيهم طول الحياة، كما هو مذهب الشافعي الذي اخترناه. وذلك يتفق مع هدف الإسلام واشتراك الأمة في الانتفاع بالمال- كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم- وأدنى ما تحققه الزكاة أن يختفي من المجتمع الفريق ذو الفقر المدقع وإن بقي الثراء الواسع.
4- مشكلة الكوارث والديون:
ومشكلة أخرى هي مشكلة الكوارث والخسائر الاقتصادية التي تصيب الأفراد في حياتهم، وتجعلهم يعيشون خائفين على أنفسهم وذرياتهم من وقوعها. وهذا الخوف نفسه مشكلة أيضًا. وهذه الكوارث هي التي اقتضت نظام التأمين في الغرب، وخاصة التأمين على الممتلكات ضد الحوادث والأخطار، كالحريق والغرق والسرقة والإفلاس، وغير ذلك من الآفات على ما في هذا النظام من عيوب، وما يداخله من الغرر والربا.
أما الزكاة ففي مصرف الغارمين متسع لإعانة المنكوبين وانتشالهم من هوة الكارثة، حتى ينهضوا ويقفوا على أقدامهم ويجب أن يعطى المنكوب ما يقوم به عيشه وتنتظم به حياته، حتى ذهب بعض الفقهاء إلى إعطائه مقدار ما يعود به إلى حالته الأولى وإن كثر.
وهذا نوع فريد من التأمين، سبق كل ما عرفه الغرب بعد ذلك بقرون من ألوان التأمين، وفاقها بعدم اشتراطه دفع أقساط سابقة، وأنه يعطى المنكوب بمقدار حاجته لا بمقدار ما دفع.
وقد التفت الإسلام إلى أمر لم يلتفت إليه نظام سابق أو لاحق، حين قرر المساهمة العملية في الوفاء بالتزامات الغارمين إذا عجزوا عن قضاء ديونهم ما داموا قد غرموها في غير معصية، وكان هدفه من ذلك:
أ- تحرير رقبة المدين من هم الليل وذل النهار، وإعانته على أن يستعيد ثقته بنفسه وبالمجتمع وبالحياة، ويستمر في میدان العمل والإنتاج، ولا يضطر إلى الإفلاس والتصفية.
ب- تشجيع المقرضين على الاستمرار في القرض الحسن، إذا علموا أن في مال الزكاة ما يعين مدينهم على الوفاء بدينه.
ج- أن جو الثقة والطمأنينة مناخ صالح لحركة الأموال، وحركة العقول وحركة الأيدي، وبهذا تستثمر القوى المنتجة، وتزدهر، ولا تضطر إلى التوقف أو الانسحاب.
5- مشكلة الكنز:
ومشكلة أخرى هي مشكلة كنز النقود وحبسها عن التداول والتثمير. ذلك الداء الذي حار علماء الاقتصاد الغربيون في علاجه، حتى اقترح بعضهم أن تكون النقود غير قابلة للاكتناز بأن يحدد لها تاريخ يبطل مفعولها بعده وتسمى النقود الذائبة- وقام بعضهم بتنفيذ فكرة أخرى هي فرض رسم دمغة شهرية على كل ورقة نقدية، حتى يحاول كل من يحوزها في يده التخلص منها قبل نهاية الشهر ليدفع الرسم غيره، وهذا يؤدي إلى نشاط التبادل، واتساع التداول وانتعاش الحركة الاقتصادية. وهذه الوسائل تلابسها صعوبات وتعقيدات كثيرة، وأفضل منها وأيسر طريقة الإسلام حين فرض الزكاة على النقود المدخرة 2.5٪ حفزًا على تنميتها وتثميرها وإلا أكلتها الزكاة بمرور الأعوام. ومن هنا جاء الحديث بحث على الإتجار بأموال اليتامى حتى تأكلها الزكاة.
وإذا كانت نسبة الزكاة في النقود 2.5٪ فالواجب أن تنمى بطريقة تدر بها ربحًا أكثر من هذه النسبة. وهذا يدفع العقول الاقتصادية للبحث عن آفاق جديدة لتثمير الأموال، فيستفيد بذلك الفرد والمجتمع معًا.