; أثر تطبيق الحدود الشرعية في تحقيق الأمن والاستقرار للمجتمع | مجلة المجتمع

العنوان أثر تطبيق الحدود الشرعية في تحقيق الأمن والاستقرار للمجتمع

الكاتب الشيخ محمد الأباصيري خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

مشاهدات 237

نشر في العدد 330

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

شاركت جمعية الإصلاح الاجتماعي بهذا البحث الجيد في مؤتمر الفقه الإسلامي الذي نظمته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض مؤخرًا.

وقد أعد البحث وقدمه فضيلة الشيخ محمد الأباصيري خليفة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد، فحري بنا أن نضع بين يدي هذا البحث نبذة قصيرة عن الأفكار التي تناهض الفكرة الإسلامية، وتعمل جاهدة على الحيلولة بين الدول الإسلامية وبين تطبيق شريعة الله التي أنزلها على رسوله محمد- صلى الله عليه وسلم- ليخرج بها الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.

بانتشار الاستعمار الغربي في البلاد الإسلامية انتشرت فكرة العلمانية فيها، واتخذ الاستعمار من أبناء البلاد الإسلامية تلاميذ نشأهم عليها ورباهم في ظلها وخرجهم من معاهدها فقامت عليها الحياة الحديثة في البلاد الإسلامية.

وبسيادة هذه الفكرة أصبحت معظم البلاد الإسلامية متخلية عن أحكام الشريعة، وحذف إطار الوجود الإسلامي للمسلمين، ونحى علماء الإسلام عن مركز القيادة في صفوف الأمة ورفع إلى مراكز القيادة من تكونوا على فكرة المستعمر ممن لا يعرف النظام الإسلامي ولم يدرس الفكر الديني، وما زال الاستعمار الفكري موجودًا في معظم البلاد الإسلامية وله آثاره السيئة في حياة المسلمين.

وبعد الحرب العالمية الثانية تهيأ الجو في الشرق الإسلامي للحديث عن الإلحاد في مواجهة الإسلام فتردد بين المثقفين الفكر الإلحادي المادي وهو الفكر الوضعي الماركسي.

وهكذا تطورت الفكرة العلمانية إلى المادية الملحدة التي تعمل على تجريد الحياة من كل صلة بالله واليوم الآخر، وتحول بينها وبين الفضيلة، وتقصر النشاط البشري على مادة الأرض وتوفير القوت، وتيسير الكثير من الشهوات الرخيصة وأخصها الجنس، يريدون بذلك أن يجردوا الإنسان من إنسانيته ويعودوا به إلى الحيوانية.

ومما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية- بين هذه التصورات الجاهلية- في حاجة ماسة كي تصلح حاضرها وتصون مستقبلها إلى التميز بشخصية خاصة في فكرتها وأسلوب حياتها وهي الشخصية التي أضفاها عليها الخالق- جل وعلا- حيث جعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وتتحمل التبعة في إقامة الحق الذي لا تصلح الحياة لغيره.

ولن يتسنى للأمة الإسلامية بناء شخصيتها من جديد إلا بتطبيقها شريعة الله في كل ما جاء به من عدالة اجتماعية، وسلامة اقتصادية وعقوبات على الجرائم دون نظر أو اعتبار لأهواء الجاهلين والظالمين.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الجاثية: 18-19).

▪    الجريمة والعقاب في نظر الإسلام

عرف فقهاء الشريعة الإسلامية الجرائم بأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير «1».

ويستفاد من هذا التعريف أن الجريمة يجب أن تكون مما نهى عنه الشرع نهي تحريم بدليل وجود العقاب على مرتكبها، فالعقاب لا يجب إلا على ترك واجب أو فعل محرم وأن يكون التحريم من قبل الشريعة الإسلامية، فإن كان من غيرها فلا يعتبر المحظور جريمة.

وأن يكون للمحظور عقوبة من قبل الشرع الإسلامي سواء أكانت هذه العقوبة مقدرة وهي التي يسميها الفقهاء- بالحد- أو كان تقديرها مفوضًا إلى رأي الإمام أو نائبه، وهي التي يسميها الفقهاء- التعزير- فإذا خلا الفعل أو الترك من عقوبة لم يكن جريمة.

▪    تقسيم الجرائم

ذكر المرحوم الأستاذ عبد القادر عودة في كتابه ( التشريع الجنائي في الإسلام) «۲» أن الشريعة الإسلامية قسمت الجرائم إلى قسمين:-

القسم الأول: الجرائم الماسة بكيان المجتمع ويدخل تحت هذا القسم كل الجرائم التي تمس كيان المجتمع مسًا شديدًا وهي نوعان لكل منها حكم مختلط.

النوع الأول: جرائم الحدود التامة وهي سبع جرائم: الزنا- والقذف- وشرب الخمر- و- السرقة- و- الحرابة- و- الردة- و- البغي-.

وقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم السبع عقوبات مقدرة، ليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد عليها أو يستبدل بها غيرها، وتنزل العقوبة بالجاني دون نظر إلى رأي المجني عليه، أو إلى شخصية الجاني، وليس لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة بحال من الأحوال.

وقد اتجهت الشرعية الإسلامية في العقوبة على جرائم الحدود إلى حماية الجماعة من الجريمة وأهملت شأن المجرم إهمالًا تامًا.

وعلة التشديد أن هذه الجرائم من الخطورة بمكان، وأن التساهل فيها يؤدي حتى إلى تحلل الأخلاق، وفساد المجتمع، واضطراب نظامه واختلال أمنه، وهي نتائج ما ابتلي بها مجتمع إلا تمزق شمله وذهب ريحه.

2- النوع الثاني: جرائم القصاص والدية، وهي: القتل العمد القتل شبه العمد، القتل الخطأ، الجرح المتعمد، الجرح الخطأ.

وقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم عقوبة القصاص والدية في حالة العمد والدية في حالة الخطأ: ومنعت الشريعة القاضي من أن ينقص أو يزيد في هاتين العقوبتين، أو يستبدل بهما غيرهما، كما حرمت على ولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة وعلى هذا فمن ارتكب جريمة من هذه الجرائم أصابته العقوبة المقدرة لها دون نظر إلى ظروف الجاني وشخصيته.

وقد أباحت الشريعة في هذا النوع من الجرائم للمجني عليه أو وليه العفو عن الجاني، وإذا عفا في العمد سقط القصاص وحلت محله الدية إذا كان العفو على الدية، فإذا كان العفو بلا مقابل سقطت الدية أيضًا، وفي جرائم الخطأ يسقط العفو الدية، ويترتب على سقوط القصاص في العمد، والدية في الخطأ جواز معاقبة الجاني بعقوبة تعزيرية ينظر فيها إلى شخصية المجني عليه وظروفه.

وظاهر مما سبق أن الشريعة تتجه أصلًا في جرائم القصاص والدية إلى حماية الجماعة من الجريمة وإهمال شأن المجرم، وأنها لا تعني بشخصية المجرم وظروفه إلا إذا عفى المجني عليه أو وليه.

وقد منحت الشريعة المجني عليه، أو وليه حق العفو لأن الجريمة لا تمس المجتمع إلا عن طريق مساسهـــــــا بالمجني عليه.

فإذا عفا زال خطر الجريمة وأصبحت لا تؤثر على كيان المجتمع.

وصفح المجني عليه يؤدي إلى القضاء على الخصومات والأحقاد وذلك في صالح المجتمع.

القسم الثاني: الجرائم التي تعاقب عليها الشريعة بعقوبات غير مقدرة وهي على ثلاثة أنواع:-

أ- جرائم التعازير الأصلية، أي الجرائم التي ليست من جرائم الحدود ولا من جرائم القصاص والدية.

ب- جرائم الحدود التي لا يعاقب عليها بعقوبة مقدرة، وهي جرائم الحدود غير التامة وجرائم الحدود التي يدرأ فيها الحد.

جـ- جرائم القصاص والدية التي سقط القصاص والدية فيها لعفو المجني عليه أو وليه.

▪    خطورة جرائم الحدود والقصاص والدية على المجتمع

قررنا أن جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية تمس كيان المجتمع مسًا شديدًا، ومن أجل ذلك تشددت الشريعة في العقوبة عليها، واتجهت في اختيار العقوبة وتقديرها إلى حماية المجتمع، وبقي أن نعرف كيف تمس هذه الجرائم كيان المجتمع وتخل بأمنه ونظامه.

إن كل مجتمع- مهما اختلفت مبادئه يقوم على أنظمة أربعة هي: -

نظام الأسرة: نظام الملكية الفردية النظام الاجتماعي نظام الحكم.

وكل مساس بهذه النظم يمس المجتمع في أصل وجوده، ولذلك حرصت الشريعة الإسلامية على أن يحمي هذه النظم من كل اعتداء.

وقد تعقبت الشريعة الإسلامية الاعتداءات الخطيرة التي يمكن أن تمس هذه الأنظمة فوجدتها تنحصر في جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية.

فالزنا: اعتداء على نظام الأسرة ولو لم يعاقب عليه لكان لكل امرئ أن يشارك الآخر في أي امرأة شاء، وأن يدعى من يشاء، أو يتنصل ممن يشاء من الأبناء، ولانتهى الأمر بغلبة الأقوياء وهزيمة الضعفاء، وتضييع الأنساب، وشقاء الآباء والأبناء وأخيرًا فإن إباحة الزنا معناها الاستغناء عن نظام الأسرة وهدم الدعامة الأولى التي يقوم عليها المجتمع.

وجريمة القذف: اعتداء على نظام الأسرة أيضًا، لأن القذف في الشريعة خاص بالرمي بالزنا، وذلك يشكك في صحة نظام الأسرة، وإذا ضعف الإيمان بنظام الأسرة فقد ضعف الإيمان بالمجتمع الذي يتكون من أسر وترك هذه الجريمة دون عقاب رادع مما يشجع على قذف الأبرياء وطعن الشرفاء بتلك الوصمة النكراء، فتصبح الأمة أمام وباء شامل من الكذب والافتراء، يشيع فيها الفاحشة، ويلوث سمعتها، ويغمرها بحالة من الشك والقلق ويحرمها نعمة الاستقرار والطمأنينة إلى النفوس التي تتحرج ارتكاب الزنا بأن فعلته شائعة ولا حرج على من يرتكبها، وبذلك تنتشر الجريمة وتصبح عقوبة الزنا غير فعالة في منع وقوعه وهذا بالإضافة إلى ما يسبب هذا الاتهام من أخطار جسيمة فكم من بيوت خربت وتهدمت بمقالة سوء كاذبة، وكم من قتال استعرت ناره بين الأسر لاتهام خبيث، وكم من فتاة طاهرة شريفة لقيت حتفها على يد أقربائها الذين استشعروا العار مما تلوكه الألسن في شأنها، ثم ظهر براءتها بالكشف الطبي بعد موتها.

والسرقة: اعتداء على نظام الملكية الفردية، ولو لم يعاقب عليها لكان لكل امرئ أن يشارك غيره في طعامه وشرابه وكسائه ومسكنه وأداة عمله وكانت الغلبة آخر الأمر للأقوياء وكان الجوع والعري والحرمان للضعفاء، فإباحة السرقة معناها هدم الملكية الفردية وعجز الأفراد عن الحصول على ضروريات الحياة وبذلك يسقط المجتمع بسقوط دعامة من أهم الدعامات التي يقوم عليها.

والخمر: تودي إلى فقدان الشعور وإذا فقد الشعور فقد أصبح المرء على استعداد لارتكاب الجرائم كالسرقة والقذف والزنا، وغير ذلك من الجرائم فضلًا عن أن شرب الخمر يفسد الصحة ويضعف النسل ويضيع المال ويذهب العقل، فهي اعتداء من كل وجه على المجتمع وعلى النظام الذي يقوم عليه.

ومن أجل ذلك شدد الإسلام في تحريمها ووصفها القرآن الكريم بأبشع وصف وهو أنها (رجس من عمل الشيطان)، كما سماها رسول الإسلام- عليه الصلاة والسلام: - أم الخبائث- وشرع الإسلام- الحد- لشاربها تأديبًا وزجرًا، وتطهيرًا للمجتمع من آثارها المريرة وأخطارها الشنيعة.

والحرابة: وهي الخروج على المارة لأخذ المال منهم مجاهرة بالقوة والقهر مما يؤدي إلى امتناع المارة عن المرور وانقطاع الطريق، سواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة بسلاح أو غيره ويسمى مرتكب هذه الجريمة بالمحارب.

وهذه الجريمة إن اقتصرت على السرقة فهي اعتداء على نظام الملكية الفردية وإن صحبها القتل فهي اعتداء على حياة الأفراد المكونين للجماعة والاعتداء على حياة الأشخاص وأمنهم اعتداء على النظام الاجتماعي وعلى نظام الحكم لأن كل حكومة ملزمة بحماية حياة الأفراد وتوفير الأمن لهم، ولن يستطاع ذلك إلا بالعقوبة التي شرعها الله.

والردة عن الإسلام: اعتداء على النظام الاجتماعي وهو- الإسلام- والردة معناها الكفر بالإسلام والخروج على مبادئه والتشكك في صحته، ولا يمكن أن يستقيم أمر المجتمع إذا وضع نظامه الاجتماعي موضع التشكك والطعن لأن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى هدم هذا النظام ومن أجل ذلك قررت الشريعة الإسلامية قتل المرتد.

والبغي: اعتداء على نظام الحكم في المجتمع لأن جريمة البغي تعني الخروج على الحكام ومعصيتهم، أو طلب تغييرهم، أو طلب تغيير نظام الحكم نفسه، وإباحة مثل هذه الجريمة يؤدي إلى إشاعة الخلاف والاضطراب في صفوف الجماعة، ويقسمها شيعًا وأحزابًا تتقاتل وتتناحر في سبيل الحكم، كما يؤدي إلى اختلال الأمن، والنظام، وسقوط الجماعة، وانحطاطها.

أما جرائم القصاص والدية: فهي اعتداء من ناحية على حياة الأفراد المكونين للجماعة وهي من ناحية أخرى اعتداء على النظام الاجتماعي ونظام الحكم، لأن النظام الاجتماعي يقتضي حماية الأفراد وعصمة أنفسهم وأموالهم، ونظام الحكم إنما وجد لحماية النظام الاجتماعي وتوفير الأمن للجماعة فالتساهل في محاربة هذه الجرائم يؤدي إلى تحكم الأقوياء في الضعفاء، وصرف الأفراد عن العمل المنتج إلى التنازع والتناحر، واستنباط الوسائل لحماية أرواحهم، وهذا يؤدي بالتالي إلى تفكك المجتمع وانحلاله.

وقد حرصت الشريعة الإسلامية على سلامة المجتمع فقدرت عقوبة القصاص- وهو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه في حالة العمد والدية في حالة الخطأ، وهي عقوبات رادعة عن الجريمة.

ويتضح من خطر جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، أنها تقضي على الأمور الأساسية في حياة الناس، والتي إذا اختلت كلها أو بعضها اختل نظام حياتهم وعمتها الفوضى وهي: الدين والعرض، والنفس، والمال، والعقل.
 

الرابط المختصر :