العنوان أجل.. تطبيق الشريعة الإسلامية أرضيتم أم كرهتم.. !!
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1979
مشاهدات 62
نشر في العدد 431
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 06-فبراير-1979
- ما دامت السياسة في مصر- دولة العلم والإيمان- وبلد الأزهر تقوم على مجاملة القلة الضئيلة على حساب الكثرة الساحقة، حتى ترضى عنها أمريكا: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.
فقد أصبح من حق جريدة وطني التي تمثل هذه القلة الضئيلة أن تشمخ بأنفها، وأن يتقيأ كاتب قزم على صفحاتها كل تحديات الفأرة الهزيلة للأسد حين تراه في قفص من حديد، متوهمة أن من حقها أن تتحكم في الأسد، ومتجاهلة أن الأسد لن يظل إلى الأبد في قفصه.
- في ٢٤-١٢- ۱۹۷۸ كتب أنطون سيدهم في جريدة وطني يقول:
تنهال علينا الأسئلة من كل مكان تستفسر في لهفة وجزع عن مدى تطبيق أحكام الشريعة على المواطنين، وعن الموقف بالنسبة لمن يدين منهم بشريعة أخرى تختلف..
وجاءت هذه الأسئلة والاستفسارات بعد تصاعد الدعوة بين جنبات مجلس الشعب إلى مزيد من التطبيق لأحكام الشريعة الإسلامية وتعديل القوانين على أساسها.. وبعد أن احتضن المجلس هذه الدعوة ومضى فيها، وقرر تأليف لجنة عامة لتقنين الشريعة.. ثم قرر تأليف خمس لجان فرعية: للعقوبات، ونظام التقاضي والمعاملات المدنية، والاقتصادية، والشئون الاجتماعية.. مما ينبئ بأن التقنين الجديد سيشمل جميع مناحي الحياة في بلادنا، وأنه ستكون هناك عقوبات على من يخالف أحكام تلك الشريعة، بعد أن تصبح قانونًا واجب التطبيق والتنفيذ.
وواضح من تأليف اللجان الخمس هذه، أنه ليس بينها لجنة خاصة بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، وهو مما يقتضيه العدل، ونص القانون الوضعي السائد الذي تحكم به مصر ومنذ عشرات السنين ولم يسبق للقلة المسيحية في مصر أن اعترضت عليه، والأحوال الشخصية هي ما يتصل بالطلاق والزواج، ومثل هذا العدل ليس متوافرًا حتى في أرقى دول أوربا، ففي فرنسا مثلا لا تتمتع القلة فيها من المسلمين فيها بمثل هذا العدل فالكل يخضع للقانون المدني السائد الذي لا اعتبار فيه للأحوال الشخصية، لا بالنسبة للمسلمين ولا لغير المسلمين..
وأعجب من هذا أن المسيحية ليس لديها تشريع مدني ولا جنائي ولا اقتصادي ولا اجتماعي، فهل معنى هذا أن المسيحيين في مصر سوف يبتكرون تشريعات في هذه المجالات خاصة بهم وبذلك يكونون دولة داخل الدولة.
ثم يقول أنطون سيدهم:
هذا هو ما أثار الأسئلة والاستفسارات التي انهالت علينا من الكثيرين، والتي يقتضينا الواجب الوطني والأمانة الصحفية أن نبسطها على هذه الصحائف، وأن نفضح عما يساور الخواطر، وما يعتمل في النفوس، وبخاصة إذا كان يتناول جانبًا من الشعب من أخلص أبناء الوطن الصميمين، وأصدقهم وطنية وعراقة.
وهنا مربط الفرس- كما يقال- فأنطون هذا يقصد بكلمة «الصميمين» أن الأقباط وحدهم هم أبناء مصر الخلص، أما المسلمون فهم دخلاء، ثم أعاد المعنى بلفظ آخر حين قال: «وأصدقهم وطنية وعراقة» ونحن من جانبنا نستطيع أن نقول لمثل هذا الكاتب القزم: قف مكانك تحمد أو تسترح، إننا لا نناقشك في أصالة أقباط مصر أو عراقتهم، ولكن من أين لكم صدق الوطنية؟ ماذا قدمتم لمصر؟ سنذكر لكم قليلا من وطنيتكم !
في مفاوضات- صدقي بيغن- سنة ١٩٤٦ جمعتم شملكم ورفعتم مذكرات موقعة منكم إلى السفارة البريطانية بالقاهرة، تناشدون بريطانيا ألا تجلو عن مصر؛ لأن في الجلاء تهديدًا لحياتكم..
وقبل ذلك بأكثر من خمسة وثلاثين عامًا، وقع خائن منكم معاهدة مع بريطانيا جعل مصر فيها تتنازل نهائيًا عن السودان الشطر الآخر من وادي النيل، ذلك الخائن هو بطرس غالي رئيس الوزراء في ذلك الوقت.
وفي عام ١٩٥٦ حين احتلت انجلترا وفرنسا بور سعيد رفعتم الصلبان فوق أسطح منازلكم حتى يتحاشاكم رصاص أولئك المعتدين، وقبل ذلك بثمانية أعوام تطوع خيرة شباب مصر لإنقاذ فلسطين ولم يتطوع واحد منكم..
وفي هزيمة ١٩٦٧ وزعتم الشربات والحلويات ابتهاجًا بانتصار اليهود وبهزيمة جيش مصر.
وأستطيع أن أذكر لكم أمثلة عديدة من وطنيتكم، لولا ضيق المقام في هذا المقال..
لقد أصدرت المحاكم أحكامًا عديدة على مواطنين بما يخالف قواعد وتعاليم دينهم، واستندت في أحكامها إلى النص الخاص بدين الدولة- أي أنها وجدت مخرجًا أو مبررًا لذلك التطبيق بالاستناد إلى هذا النص، فكيف بالحال إذا قننت الشريعة نفسها.. لقد استخدم هذا النص في إهدار الحرية الدينية، إذ فرض على المواطنين أحكامًا تختلف مع قواعد دينهم التي يقضي الدستور باحترامها..
مثل هذا الأنطون يلعب بالألفاظ لمجرد الجدل والمغالطة، فقد نص في القانون الوضعي بشأن الأحوال الشخصية لغير المسلمين، على أنه إذا اتحد الطرفان المتنازعان ملة ومذهبًا، طبق عليهم قانون أحوالهم الشخصية، أما إذا اختلفا فالرجوع إلى شريعة الإسلام، ومحاكمهم الملية الملغاة مع المحاكم الشرعية في مصر منذ ربع قرن كانت نفسها عاجزة على أن تحل نزاعًا بين طرفين مختلفين ملة ومذهبًا.
ولوأن هذا الأنطون درس شيئًا من تنازع القوانين لفهم أن هذه القاعدة من المسلمات في التشريعات والتقنيات الحديثة، وليس في المسألة إهدار للحرية الدينية، ويبدو أن مفهوم الحرية الدينية لديه هو أن تكون طائفته دويلة داخل الدولة، وليس حرية العقيدة والتدين كما هو لدى المفهوم الإسلامي.
ويقول أنطون سيدهم في خاتمة هرائه:
يبدو أن الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب قد ترامى إليه ما يساور نفس المواطنين بشأن ذلك التقنين فأخذ في إصدار التصريحات لإدخال الطمأنينة إلى النفوس الجزعة ولعله لا يفوته أن التصريحات شيء والقانون شيء آخر، وأنه لا يمكن لأي تصريحات أو أحاديث أو بيانات أن تنسخ نصًا من نصوص القانون.
أما مربط الفرس الثاني ففي هذه السطور الأخيرة:
فلعل الأسئلة والاستفسارات تلقى إجابة حاسمة قاطعة.. ألا وهو إقفال الباب على هذا الموضوع المثير للخواطر والذي لا تتطلبه ضرورة ملحة بوجود القوانين السائدة.
أرأيتم كيف تبلغ الوقاحة بهذا القزم الذي توهم نفسه عملاقا إلى درجة أنه يريد للقلة الضئيلة أن تتحكم في الكثرة الساحقة؟ إذا لم يكن تطبيق الشريعة الإسلامية ضرورة ملحة لقلة تمثل ثلاثة في المائة، فهي ضرورة ملحة بالنسبة لكثرة تمثل سبعة وتسعين في المائة هل يريد هذا الأنطون مثلا أن تقطع يد السارق المسلم ولا تقطع يد السارق غير المسلم؟ وبذلك يتحول اللصوص وقطاع الطرق إلى طائفته.
إن هذا الأنطون يتكلم من منطلق نقطة الضعف التي تمر بها السياسة المصرية، ولذلك يتقيأ هراءه أو عواءه، وبرغم هذا فالمسيرة سائرة ولن تتوقف، والله غالب على أمره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل