العنوان أحمد بزيع الياسين: بإسلامنا نحرر قدسنا
الكاتب أحمد بزيع الياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1987
مشاهدات 75
نشر في العدد 818
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 19-مايو-1987
● لقطة من دورة المجلس الوطني الفلسطيني الأخيرة.
في الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر الوطني الفلسطيني، والتي عقدت مؤخرًا في الجزائر، ألقى السيد أحمد بزيع الياسين، الأمين العام المساعد لمنظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي «بغداد»، كلمة تعرض فيها للقضايا الساخنة على الساحة العربية هذا نصها:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه وحده نستعين، وهو المستعان على كل حال.
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمدًا يليق بعزة جلال جبروت كبريائه، ولا يليق لأحد إلا له وحده لا شريك له.
اللهم صل على عبدك ونبيك وحبيبك محمد معلم الناس الخير وحاثهم عليه، ومحذرهم من الشر وناهيهم عنه، وعلى آله الطيبين وصحابته الكرام والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وبعد يسعدني أن أتقدم بوافر الشكر والتقدير لسماحة العلامة الشيخ الجليل عبد الحميد السائح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، على دعوته الكريمة لي لحضور هذا الاجتماع التاريخي، سائلًا المولى عز وجل أن يكلل جهودكم بالنجاح والتوفيق؛ لما فيه خير الشعب الفلسطيني المجاهد وخير العرب والمسلمين، ويشرفني أن أتقدم أيضًا إلى الشعب الجزائري الأبي المجاهد النبيل وإلى رئيسه حفظه الله تعالى وحكومته على استضافتهم لهذا الاجتماع الميمون والترتيب له والقيام عليه، فجزاهم الله خيرًا، ووفقهم لما يحبه ويرضاه.
أيها الإخوة الكرام: ما أجمل وما أروع هذا الاجتماع الضروري الذي يعبر عن وحدة الصف ووحدة الهدف، ولا أدري ماذا يمكن لإنسان أن يقول في هذا المجال، فما من كلمة أو عبارة يمكنها أن تعبر عما نشعر به جميعًا من حتمية هذا اللقاء ونجاحه بإذن الله تعالى، وخروجه بالنتائج التي تسعى إليها، ونعمل من أجلها ويتطلع إليها الشعب الفلسطيني المكافح وعموم العرب والمسلمين.
أيها الإخوة الأماجد في هذا المقام لا بد لي من التفاتة إلى الماضي المجيد لنأخذ منه العبرة، وإلى الأمس القريب لنأخذ منه الفكرة.
وأقول - وأنتم تعلمون جيدًا -: إن العرب عندما وحدهم الإسلام واستمسكوا بعقيدته وشريعته تمكنوا من تحرير فلسطين بقيادة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من التسلط الروماني، فعاشت هذه البلاد قرونًا تتمتع بالأمن والأمان والرخاء والعدالة، ولكن بعد أن ابتعد العرب عن الروح الإسلامية العظيمة تلك.. أسرع الطامعون، فاستولوا على هذه البلاد الآمنة، وأفسدوا فيها، ثم هيأ الله تعالى لها القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي، الذي مكنه الله تعالى من إعادة الأمة إلى ثوابتها الروحية المتمثلة في الإسلام الحنيف عقيدة وشريعة ومنهج حياة وسلوكًا وأخلاقًا، فتوحدت ثانية، واستعادت فلسطين مرة أخرى، وهذه حقائق تاريخية لا يمكن تجاوزها أو الاستخفاف بها، وهذه الجزائر البطلة مثل حي تحررت بالجهاد الموحد تحت حماية الله أكبر، أليس كذلك.؟ بلى وربي أنهم بايعوا الله على الموت في سبيله، فحياهم الله النصر والعزة والمجد والاستقلال والحرية.
أيها الإخوة الفلسطينيون الأبطال
سر الجميع من وحدتكم هذه، فنناشدكم بربكم أن تثبتوا على هذه الوحدة، وأن لا تقطعوا أرحامكم، وكونوا بعون الله وتوفيقه إخوانًا يدًا واحدة على عدوكم، ولا تسمحوا لأحد بأن يتدخل في شؤونكم أو يفرق أمركم، ففي وحدتكم وقوتكم انتصاركم على عدوكم بإذن الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).
أيها الفلسطينيون الأبطال:
لقد عانيتم الكثير ممن يزعم مناصرتكم، وهو يعمل لكم السم في الدسم، وفي اللحظة الحاسمة لا تجدون معينًا ولا ناصرًا إلا الله تعالى، فاعتمدوا على الله تعالى وحده، ثم على أنفسكم، فكم دبر لكم من المكايد، ولكن الله تعالى للكائدين بالمرصاد، فسلم غيركم فلسطين للعدو الصهيوني خيانةً وغدرًا، ومنعتم من الجهاد لاستخلاص وطنكم، ولكنكم لله دركم من رجال، ها أنتم مجتمعون تدرسون وضع خطة جهادية لاستخلاص حقوقكم، وأقولها كلمة صريحة مدوية كلمة صدق وإخلاص ومحبة لكم: لا يمكنكم استرجاع فلسطين إلا بالطريقة التي حررها بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصلاح الدين الأيوبي إيمان ووحدة وإيثار وتضحية وثبات وصبر، وأنتم أهل لذلك إن شاء الله، وفقكم الله وأيدكم.
أيها الإخوة الكرام: إن من دواعي الأسى والأسف أن الأمة العربية والإسلامية يملكان من أسباب القوة ما يجعلهما في الصدارة بين الأمم قوة بشرية هائلة 1200 مليون نسمة، موقع جغرافي متميز ممتد طولًا وعرضًا على امتداد الكرة الأرضية، وثروات طبيعية متنوعة، وفوق هذا كله رسالة سماوية حقة، من يملك هذه القوى المادية والروحية كيف يخسر فلسطين والمسجد الأقصى؟ إنها الفرقة، إنه التمزق، إنها الأنانية والمصلحة الذاتية وعدم جعل المصلحة العليا العامة فوق كل اعتبار، إن التخطيط الأجنبي الذي يملى علينا فننفذه راغمين وفيه هلاكنا، وأهم هذه المخططات هي ما عمل في سنة 1915 أو نحوها من تأسيس دولة للصهاينة، فتم تأسيسها في سنة 1948 بالهدنة المشؤومة، والآن يخططون للأمن والاستقرار لهذه الدولة السرطانية في جسم الأمة العربية الإسلامية بإيجاد الحروب والفتنة بعيدة عنها وبين العرب والمسلمين، ولكن يأبى الله تعالى، فليس للصهاينة أمن ولا استقرار في فلسطين، فلا بد من وضع حد لدواعي الفرقة والضعف، ووضع حد للاستجابة للأجنبي المغرض، وأن وقفة الإخوة المقاتلين المجاهدين صفًّا واحدًا وفي خندق واحد متعاونين متحابين؛ لهو خير ضمان للسير في الطريق الصحيح والسليم، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).
أيها الإخوة: لقد أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية رمزًا للقضية الفلسطينية وعلمًا لها، عرفها العالم، واعترف بها ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا لشعبكم المجاهد، وهذا تحقق بفضل الله تعالى، ثم بجهود القائمين عليها، وعلى رأسهم الأخ المجاهد ياسر عرفات، فالحفاظ على وحدة المنظمة ومنزلتها والالتفاف حولها ضرورة حتمية، يفرضها العمل الفلسطيني وسلامته ومكانته الدولية.
إن الأمة العربية والإسلامية يهمها أن تبقى هذه المنظمة موحدة ومحاطة بالعناية والرعاية من قبلكم جميعًا، وذلك استجابة الله تعالى؛ حيث قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)، واستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال ما معناه: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقال في حديث آخر: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وليس هناك حب أعلى وأغلى من التسامح فيما بين الإخوة أصحاب الهدف الواحد.
واستجابة للحكمة القائلة:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا وإذا افترقن تكسرت أحادًا
أيها الإخوة: إن الله تعالى كرم بني آدم وجعل ذلك أصلًا من أصول الدين؛ حيث قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)، ومن تكريمه سبحانه وتعالى أن جعل حرية الإنسان مصانة والحقوق محفوظة، وحرم البغي والإثم والعدوان، فينبغي علينا أن نحافظ على كرامة بعضنا البعض ولا نجرح أنفسنا، وأن نتحاور فيما يهمنا بمنطق الموضوعية والحكمة.
ولا بد أن الآراء تختلف والاجتهادات تتباين، ولكن يجب ألا يؤدي ذلك بأي حال من الأحوال إلى الفرقة والتنازع الذي يصل إلى حد القطيعة التي تضر بعملنا وهدفنا المشترك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).
أيها الإخوة الكرام: يجب علينا أن نقف صفًّا واحدًا مع إخوة لنا صامدين مجاهدين ومرابطين في فلسطين يرفعون راية الجهاد وراية الله أكبر في وجه العدو الصهيوني الجبان، الذي ترتعد فرائصه من الأطفال الفلسطينيين، وسلاحهم إيمانهم بربهم ثم بحقهم، يقذفون بالحجارة على حاملي البنادق والرشاشات، فيدمغون بها باطل الصهيونية أمام الملأ، فحياهم الله ونصرهم وثبتهم، ووفقنا لنصرتهم.
أما المخيمات الفلسطينية في لبنان وما جرى لها وما تعرضت له من قصف ودمار وهلاك وتجويع أمام مرأى ومسمع من العالم من قبل أعداء العرب والمسلمين والإنسانية، ولا حراك لنصرتهم، إنه لأمر عجيب غريب، وموقف العرب والمسلمين الجامد المنهار موقف المتفرج، يجعل الإنسان مذهولًا، كيف يجري كل هذا؟ ما لنا؟ ما دهانا؟ ما أصابنا؟ هل فقدنا عروبتنا؟ هل فقدنا إسلامنا؟ هل فقدنا إنسانيتنا؟ نحتاج إلى جواب، ربما يكون الجواب نعم فقدنا كل هذا! ونحتاج إلى جواب آخر لموقف الأمتين العربية والإسلامية من الحرب الشريرة الحقودة المدمرة، والتي هي مفروضة على العراق، كيف يقف العرب والمسلمون من هذه الحرب وعقيدتهم المستهدفة وأراضيهم وأعراضهم المستهدفة موقف المتفرج وهم المستهدفون؟
ولقد نادى العراق من موقف الانتصارات مرارًا وتكرارًا، ومن موقف القوة بالسلام وأصر عليه مستجيبًا بذلك لأمر الله تعالى ونداء الأمة الإسلامية، ولم يسمع نظام إیران لنداء السلام، بل يمضي إصرارًا واستمرارًا للحرب، وفي هذا دمار لإيران ولغيرها، واستنزاف لقوى المسلمين البشرية والمادية والمعنوية، كيف لا يقوم المسلمون بواجبهم لإيقاف هذا الشر المستطير عند حده، والمستفيد الوحيد من استمرار هذه الحرب هو العدو الصهيوني ومن والاه بالسر والعلانية؛ لأن استمرارها يؤخر تحرير فلسطين العربية فلسطين الإسلامية.
وفي الختام أيها الإخوة إني واثق من أن نصر الله تعالى قريب، بعد أن نتوب إلى الله تعالى ونرجع إليه، ومنظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي التي تضم علماء ممثلين للإمة العربية والأمة الإسلامية، والتي اتخذت من بغداد دار السلام والعروبة والإسلام مقرًّا لها لتحيي اجتماعكم الميمون هذا، وتدعو الله العلي القدير أن ينصركم نصرًا مؤزرًا على جميع أعدائكم، وأن يمكنكم من استعادة الوطن الغالي فلسطين الحبيبة، التي تناديكم وتنادي العرب والمسلمين، وتقول: حي على الجهاد، فهل من مجيب؟ قولوا لها: لبيك؛ تفلحوا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحمد بزيع الياسين