; أختي المجاهدة زوجة الشهيد | مجلة المجتمع

العنوان أختي المجاهدة زوجة الشهيد

الكاتب أمينة قطب

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1990

مشاهدات 68

نشر في العدد 957

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-مارس-1990

 

 

•       حاجة العصر إلى قدوة تشعل روح التضحية والفداء

•       فاز بالشهادة من تمناها وعمل لها بصدق ووفاء

من أمينة قطب إلى أم محمد

الأخت الكريمة المجاهدة "أم محمد":

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. يا من أعدتِ بموقفكِ السامق صورة مشرقة رائعة للصحابيات المجاهدات في العهد الأول من المبعث.. ولست أدري ماذا أكتب إليكِ الآن ولا ماذا أسطر. ولا كيف أمضي في الحديث، بعد هذا الوقت الذي مضى على الحادث المروع المقدور.

خطب عظيم وصبر أعظم

إن عظم المصيبة ليُعجز الألفاظ والكلمات عن التعبير، فلا تملك أن تُفصح أو تُبين. فطوال الأيام التي انقضت منذ وقعت المصيبة، والعجز يمسك بالقلم وباللسان عن أي حديث يمكن أن يُقال. كيف أصف لكِ وقع الخبر المفجع، وكيف عشناه معكم، بقلوبنا ودموعنا وكل مشاعرنا، فمنذ أن تحدثت إليكِ في الهاتف، عشية الحادث المفجع المزلزل، بكلماتي القليلة المختنقة بالدموع، وسمعت كلماتكِ الصابرة المحتسبة، والتي لم أكن أنا ولا غيري يتوقع سماعها من قلب مروع بفقد ثلاثة أحباء في لحظة واحدة، وبتلك الصورة المروعة التي تفتت القلوب والأكباد... منذ تلك الليلة، أعجزتني كلماتكِ الصابرة المحتسبة المضيئة بنور الإيمان، أعجزتني عن أي حديث وعن أي تعبير. فماذا أملك من قول أو حديث أمام تلك الصورة المضيئة الرائعة لإنسانة تفقد أحياء ثلاثة فترى في ذلك فضل الله وتكريمه، باتخاذهم شهداء؟ لقد بهرني هذا المستوى من الإيمان والتجرد، ولكني عشت معكِ بقلبي ودموعي وإحساسي، بثقل الحدث وصعوبته، مع كل ما كرم الله به من صبر ورضى وتسليم، غير أني لم أستطع أن أكتب أو أتحدث إليكِ بشيء. هل أهنئكِ بنعمة الله عليكِ بالصبر الجميل وبهذا الموقف البطولي الرائع المثال؟ وهل تجيء التهنئة والقلوب تدمي والعيون تبكي دموعًا ودمًا؟ وصمتُّ يا أختي الحبيبة طوال هذه المدة التي أعقبت كلماتي لكِ في الهاتف، عشية المصيبة التي أحزنت كل قلب مؤمن عرف صاحبه عن الشهيد، ما أداه وما قام به في الساحة التي جبُن عن دخولها أقوام وأقوام. لم أكتب ولم أتحدث... ولكني كنت أتتبع ما يُكتب عنكم وعن أحوالكم وكيف تمضي بكم الأيام بعد الكارثة التي أدمت قلوب المؤمنين وأحزنتها في كل مكان. كيف تمضي بكم الأيام بعد غياب الأحباء ورحيلهم عنكم؟ هل يُعزيكم بعض العزاء ما يُكتب عن الشهيد ومكانته في قلوب المؤمنين وما أداه في ساحة الجهاد فأكرمه الله بالشهادة وبالمكان العزيز في الدنيا قبل الآخرة؟ مما لا يناله إلا من عاهد الله ووفى بما عاهد عليه وصدق؟ وهل يُهدئ الألم ويواسي الجراح شعور المؤمنين بمصابكم والتفاف القلوب حولكم، وهل يخفف من الوحشة والفراغ في الأماكن التي خلت وانطفأت بها الأضواء؟! وهكذا كنت أعيش معكم بقلبي وخيالي ومشاعري. حتى في الليل الساكن، كان دعائي لكم بالصبر والاحتمال ومواصلة الطريق الصعب، بعد هذا المصاب الثقيل... ثم قرأت حديثكِ الذي أجبتِ به على السائلين ووصفتِ به الحادث المروع وكيف تلقيتِه وما كان من بعده... يا للروعة التي لا يتصورها أحد... ويا لفضل الله ينعم به على بعض عباده المختارين ليكونوا المثل الذي يُحتذى والقمة التي يتطلع إليها الماضون في الطريق.

حديث مشرق

ومن حديثكِ المشرق بنور الله جعلني أحاول أن أكتب لكِ هذه الرسالة بعد صمتي كل تلك الأيام التي انقضت. لعلي أجد من الكلمات ما يعبر عن شعورنا بكم ولكم... ولقد اخترت أن أبعث بها إلى المجلة الصادقة المكافحة "المجتمع" التي طالما كتبت عن الجهاد الأفغاني وما يقوم به الشهيد الكريم... وعما أداه في ذلك الميدان الذي ابتعد عنه الكثيرون ممن بعدت عليهم الشقة، فاختاروا الإخلاد إلى الأرض، والقعود مع الخالفين.

قدوة للمؤمنات

لقد اخترت أن أكتب لكِ عن هذا الطريق لكي تقرأ الرسالة أيضًا أخوات لنا في الطريق، لكي يعرفن عنكِ بعض ما عرفت. ويقتدين بكِ في موقفكِ السامق العظيم وليدركن روعة الإيمان حين يصدق، ويصنع في القلب ما يشبه المعجزة. فيتلقى أقسى الأحداث على النفس، بالتماسك والصبر والاحتساب بل وبالفرحة، برضى الله ومَنِّهِ بالشهادة على من يشاء من عباده المجاهدين والصادقين. فمعذرة أختي الكريمة لاختياري هذا. فلقد صار موقفكِ الرائع السابق قدوة في الطريق المملوء بالأشواك والذي لا يمضي به اليوم إلا من باع دنياه الفانية بالجنة والخلود الموجود في رضى الله المُنعم به على عباده العاملين الصادقين الذين يقومون وهم يعرفون متاعبه وأشواكه وتضحياته، وما قد يكون فيه من ألم ودم ودموع. ولكنه الفوز الذي لا يدانيه فوز آخر، في نهاية الرحلة ونهاية المطاف.. دعيني يا أخت أتحدث إليكِ وعنكِ.. لتلتقي القلوب المؤمنة من خلال الحديث، تهدئة للألم وتهدئة للجراح.

هموم الجهاد

لعلكِ تذكرين يا أختي الحبيبة تلك الأمسية التي التقينا فيها بقدر من الله، على غير موعد ولا تدبير بعد مضي زمن طويل على مغادرتكم لمصر، ودخولكم في ساحة الجهاد الشاق في أفغانستان. لقد رحتُ يومها أسألكِ عن أحوال المجاهدين والمهاجرين، تلك التي كانت صحافة "المسلمين" لا تهتم بها ولا تذكر عنها إلا القليل، الذي لا يتعدى بعض السطور.. ولقد أدمى قلوبنا يومها ما عرفناه من أحوالهم وكيف يفر المهاجرون من القرى والمدن التي تقذفها الطائرات المغيرة ليلًا ونهارًا بالغازات السامة والحارقة وكل ما امتلكه الكفرة الفجرة من أدوات الدمار... كنتِ تصفين في ألم مُضنٍ وأسى، الجوع والعري، في الشتاء القارس، وزحف النساء والأطفال والشيوخ المسنين، فوق الصخور والثلوج، والطائرات تتبعهم بقذائفها الحارقة والمتفجرة والمسلمون صامتون لا يعنيهم ذلك الجحيم الذي يعيش فيه إخوة لهم في الدين والعقيدة يصدون وحدهم كفرًا عالميًا يريد مسح هذا الدين من الوجود كله... ولم يكن في مقدورنا يومها غير الدعاء... الدعاء للمجاهدين، والنفر القليلين الذين هبوا للنجدة... يدافعون بأرواحهم وأموالهم في تلك الساحة التي تكاتف عليها الكفر العالمي، حتى تتخلى عن الراية التي قام الجهاد من أجلها: راية لا إله إلا الله واضحة ناصحة. لا يدنسها شعار من الشعارات الضالة التالفة... وكان دعاؤنا للشعوب التي ضللت وأُفرغت نفوسها من العقيدة وحرارتها وحميتها فباتت لا تعرف ما يدور لها ومن يكون عليها؟... ولم يفتنا الدعاء يومها على المجرمين والعملاء، أولئك الذين ماتت ضمائرهم وباعوا أنفسهم للشيطان. فباتوا عبيدًا للكفر. يأتمرون بأمره وينفذون إرادته ويضللون شعوبهم برفع الشعارات الضالة من هنا وهناك.

نموذج للإيمان

لقد أكبرتُ فيكِ يومها الوعي والصبر والتضحية ورأيتُ فيكِ شريكة الحياة المثلى، لإنسان مجاهد نذر حياته لله وللجهاد في سبيله في أي مكان وأي أرض يقوم فيها جهاد خالص لله... رأيتُ فيكِ المثل الذي يجب أن تكون عليه المسلمات حين يوجد في الساحة مثل هذا الجهاد للذود عن الدين القويم... فتتخلى النفوس عن نعومة العيش والهدوء والدعة التي ألفتها في الحياة تلبية لنداء العقيدة الغالية، رغم ما تتوقع من أخطار، في كل ساعة وكل خطوة محتسبة في سبيل الله كل ما تلقي... أكبرتُ فيكِ يا أخت ما رأيتُ من احتمال للمشقات وصبر عليها... ولكني أشفقتُ عليكِ مما قد يكون مقدرًا لكم في هذا الطريق، الطريق الذي تزيد وعورته ومشقاته وأخطاره كلما تخاذلت عنه الشعوب وقل عدد الملبين للنداء. أشفقتُ عليكم من الأخطار المحدقة، لا من الكفر المقاتل الصريح وحده، ولكن من العملاء كذلك. أولئك الذين يتنكرون للجهاد تحت الراية العزيزة الواضحة... ويُستعبدون للشعارات الضالة، المستندة إلى الشرق والغرب حفاظًا على مناصبهم وما هم فيه من ترف حقير. هؤلاء الذين يرتجفون ويفزعون من رفع راية الله وتحكيم شريعته، ولا يقاتلون كرهًا لها ولا حقدًا عليها وعلى الذين يرفعونها، عن الكفرة المقاتلين الصرحاء... أشفقتُ من مؤامراتهم الدنيئة وحقدهم الدفين. فلقد كانت لنا مع بعضهم مواقف وماضٍ دامٍ ومعركة طويلة قاسية... أشفقتُ من أن يكون في قدر الله اختبار وامتحان فالقلوب تُمتحن والعزائم كذلك، وتمنيت لكم السلامة من كل غدر وكل تدبير من أعداء الله ومن والاهم من المجرمين، ودعوت الله أن يربط على قلوب المؤمنين العاملين المقدر لها أن تُبتلى وتُمتحن. ليتم لها الفوز في النهاية برضى الله ومحبته.

ومضيتم، بعد ذلك ومضينا، ولم نلتقِ بعد ذلك المساء رغم شوقنا للقاء جديد، يعطينا من الأمل ما يهوّن على نفوسنا ما يلقاه المجاهدون من أهوال... ولكني كنتُ أتتبع كل ما يُكتب من أخبار عن المعارك الدائرة في كل الجبهات وأخبار ما يقوم به الشهيد في ذلك الميدان الذي ابتعد عنه كل من أخلد إلى الأرض، ورضي واطمأن بما يملك من المتاع القليل أو العيش المهين؟ ولقد كنتم ومن تبعكم من العاملين في الساحة، مثلًا مضيئًا للوجود الحي في الميدان بشد عزائم الشباب المؤمن، ويُخجل الذين راحوا يلتمسون الرضى من الأعداء ليرضوا بالجلوس معهم على الموائد ثم يعطوهم بعض الفتات؟

ومضت بكم الأيام والأمر يزداد مشقة والدسائس تُحاك من هنا وهناك... وبدأ القلق يساور النفوس على العاملين المخلصين... ووقع ما أشفقتُ عليكم من مثله في الساحة المليئة بالأخطار... وقع بصورة مروعة ومزلزلة هزت قلوب المؤمنين في كل مكان وأحزنت نفوسهم.. وخلَا بها ركن قلَّ من يملؤه ويسد فراغه... وفاز بالشهادة من طلبها وتمناها وعمل لها ووفى وصدق... وفاز الذين تلقوا الخبر المروع... بالصبر والثبات والاحتساب عند من لا يضيع عنده جهاد ولا صبر... وكنتِ يا أختي الحبيبة المثل الذي أعاد إلى الذاكرة والواقع صورة الصحابيات المؤمنات المجاهدات في عهد الرسالة الأول. مثل لم يتصوره الناس في هذا الزمان ولم يخطر في بالهم أن يكون على مثل هذا المستوى الرائع الغريب، فعلى الرغم مما كنتُ أعرف عنكِ من صبر وتضحية واحتمال للشدائد، وإخلاص في العمل لكسب رضى الله، رغم هذا لم أكن أتوقع أمام هذا الخطب والمصاب الثقيل أن تكوني على مثل هذه الدرجة العليا وهذا المثل الرائع المضيء. ولكن خالق الكون ومبدع النفوس، سبحانه، كان يعلم أنكِ أهل لمثل هذا الاجتباء والتكريم:

شريكة حياة وجهاد الشهيد كريم وأم لشهيدين؟ ... أي تكريم على الأرض وأي مكانة في السماء؟! هل أهنئكِ يا أخت بهذا المكان؟ نعم أهنئكِ وأعزيكِ في أيام الدنيا التي فرغت من هؤلاء الأحياء... وأدعو لكِ دعاءً حارًا من القلب أن يربط على قلبكِ وأن يديم عليكِ نعمة الصبر الجميل... وأن يكلأكم جميعًا برعايته وفضله وأن يعوضكِ بالمكان الذي ينعم الله به على الشهداء والصالحين المختارين من عباده المؤمنين. والسلام عليكم يا بيت الشهداء ورحمة الله وبركاته...

أختكِ في الطريق أمينة قطب

 

 

الرابط المختصر :