; أخطر من أنفلونزا الخنازير | مجلة المجتمع

العنوان أخطر من أنفلونزا الخنازير

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010

مشاهدات 61

نشر في العدد 1886

نشر في الصفحة 20

السبت 23-يناير-2010

 أمراض فتاكة .. إجحاف صحي .. تهميش الفقراء... ازدواجية المعايير

● ٥% فقط من سكان العالم يعيشون في بلدان بها حظر شامل للإعلان عن التبغ والترويج له ! .. وتوقعات بوفاة مليار شخص خلال القرن الحادي والعشرين.. بسبب التدخين !

●  وفاة ٧,٢ مليون نسمة بسبب أمراض القلب التاجية و ٥,٧ مليون جراء السكتة الدماغية في عام ٢٠٠٤م !

●  أما موسم الحج فلم تظهر خلاله سوى ۷۳ حالة أنفلونزا خنازير لم يمت بسببها إلا ٥ حالات فقط وسط

ثلاثة ملايين شخص !

●  الدول الفقيرة يعيش فيها ٢,٦ مليار نسمة وتعاني من نقص خطير في تمويل قطاعاتها الصحية مما يزيد معدل الوفيات بها

●  شبكات عالمية غير شرعية تجني أرباحا طائلة على حساب البشر .. ببيع الأدوية المزيفة أو التخلص من النفايات السامة !

شيء خطير يتسبب في وفاة واحد من بين كل عشرة بالغين في أنحاء العالم سنوياً، ومع الأسف ينتج بكميات ضخمة ويروج له بإعلانات واسعة، ويباع علنا !! وشيء آخر يمكن رؤيته بالعين المجردة، ونعرف كيف يتكاثر، وأين يوجد، وما الذي يقضي عليه، ولكنه ترك ليقضي هو الآخر على أكثر من مليون شخص كل عام !! وشيء ثالث يمكن توفيره، ولا يحتاج إلى أبحاث وشركات دواء وضجة إعلامية، ونقصه يسبب وفاة حوالي مليوني شخص.. فالتدخين أخطر من أنفلونزا الخنازير وبعوضة الملاريا أخطر من أنفلونزا الخنازير، والماء الملوث أخطر من أنفلونزا الخنازير.. ويقف الإنسان مذهولا أمام ازدواجية الضمير الذي يختار ماذا يعالج، وماذا يترك ليسبب الإهلاك !!

ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن نسبة ٥٪ فقط من سكان العالم تعيش في بلدان بها أشكال حظر شامل للإعلان عن التبغ والترويج له ورعايته، رغم الكفاءة الثابتة لهذا الحظر في الحد من أخطاره على الصحة والتي يتوقع أن تزهق أرواح مليار شخص في هذا القرن.

ولا يزال بلدان من كل ثلاثة بلدان لا يملكان سياسات لمكافحة التدخين أو أن سياساتهما في هذا المجال لا تفي إلا بالحد الأدنى.

لا يمكن التقليل من حجم أي مرض والنفس البشرية مكرمة في الإسلام ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا. ولكن الأرقام تدل على تفاوت عجيب في الاهتمام فمرض أنفلونزا الخنازير الذي يقترب عدد ضحاياه حتى الآن من ١٣ ألفا طبقا لبيانات منظمة الصحة العالمية - يناير ٢٠١٠م  حاز اهتماماً مريباً، في حين لم يحظ مثلاً مرض كالملاريا بجزء من هذا الاهتمام، رغم أنه يودي بحياة أكثر من مليون شخص في العام.

●  التأثير الأكبر

والغريب أنه في بلادنا قد غطى هذا المرض على مشكلاتنا الوطنية والمصيرية والتعليمية، وأخذ أكثر مما يعطى من وقت ومال لأمور أخرى مهلكة ومنها الأمراض المختلفة .. فعلى مستوى شرق البحر الأبيض المتوسط (۲۲ دولة) فإن إجمالي الوفيات من أنفلونزا الخنازير حتى ٤ يناير ٢٠١٠م هو ۷۰۸ حالات، ونحن نتساءل: كم حالة لقيت حتفها في حوادث الطرق، وإسهال الأطفال والفشل الكلوي أو الكبدي، أو أزمات القلب... فهل قمنا بعمل شيء لهؤلاء بنفس الهمة؟ وفي أماكن أخرى يقتل الناس من سوء التغذية والإيدز وقلة التطعيمات لأمراض الأطفال. وخرجت الصيحات تحذر من الحج، وكانت المفاجأة !! فطبقا لوزارة الصحة السعودية، لم تتأكد معمليا إلا ۷۳ حالة أنفلونزا خنازير، ولم يمت بسببها إلا ٥ حالات فقط وسط زحام

وجموع بلغ عددها ثلاثة ملايين شخص وهناك أمراض تتصدر قائمة أسباب الوفاة في العالم وهي أخطر من أنفلونزا الخنازير، ولكن يحزنني أن يتفرج العالم عليها ولا يفعل إلا القليل بالمقارنة بما يفعله مع هذه الأنفلونزا .. هل يحذر الكبار والصغار من التدخين كما يحذره منها ؟ هل يحذرهم من السمنة كما يفعل معها؟ هل يشتري مضادات السل كما يشتري مضادات هذا الفيروس؟ هل يرسل الناموسيات للحماية من البعوض؟ هل يتبرع بحضانات الأطفال الخدج؟ وماذا عن الخمر وأضراره، والزنا واللواط وما يسببان من مرض الإيدز؟ والمستقبل ليس بأفضل حيث تتوقع منظمة الصحة العالمية التغير السريع في عبء المرض، وتزايد التباينات في المجال الصحي والتصدع الاجتماعي، وقلة مرونة القطاع الصحي وتتوقع أن العولمة والشيخوخة ستكون أمورا تضاعف من حدتها الآثار الصحية للظواهر الأخرى العالمية مثل تغير المناخ، ويتوقع أن يكون تأثيرها الأكبر على أكثر المجتمعات هشاشة التي تعيش في أشد البلدان فقرا .

●  أسباب الوفاة في العالم

طبقاً لآخر إحصاء متكامل المنظمة الصحة العالمية في عام ٢٠٠٤م توفي نحو ٥٩ مليون نسمة، وشهد وفاة نحو 10 ملايين طفل دون سن الخامسة والجدير بالذكر أن  ٩٩٪ من أولئك الأطفال هم من سكان البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل.

وتتسبب الأمراض القلبية الوعائية، كل عام في حدوث عدد من الوفيات في البلدان المرتفعة الدخل والبلدان المتوسطة والبلدان المنخفضة الدخل على السواء يتجاوز عدد الوفيات الناجمة عن أية أمراض أخرى. ففي عام ٢٠٠٤م توفي نحو ٧.٢ مليون نسمة بسبب أمراض القلب التاجية، وتوفي ٥.٧ مليون نسمة جراء السكتة الدماغية.

●  التدخين في المقدمة !

 والحقيقة أن تعاطي التبغ يعد العامل المسؤول عن وفاة ١٠٪ من البالغين الذين يموتون في جميع أرجاء العالم، وذلك نظرا لكونه السبب الرئيس لكثير من أشد الأمراض فتكا بالناس في العالم بما في ذلك الأمراض القلبية الوعائية، ومرض الرئة الانسدادي المزمن، وسرطان الرئة، وغالباً ما يُعَدُّ يعد التدخين السبب الخفي المؤدي إلى الإصابة بالمرض الذي يدرج في التقارير بوصفه العامل المسؤول عن الوفاة.

●  الدول الغنية والأخرى الفقيرة

يعيش سدس سكان العالم أي نحو ١٥٪ في البلدان المرتفعة الدخل في أمريكا الشمالية وأوروبا بالدرجة الأولى. غير أن تلك البلدان لا تشهد إلا حدوث ٧٪ من مجموع الوفيات التي تسجل كل عام، ويعمر أكثر من ثلثي سكان البلدان المرتفعة الدخل أكثر من سبعين عاما ويتوفون نتيجة أمراض مزمنة منها الأمراض القلبية الوعائية، أو مرض الرئة الانسدادي المزمن، أو أنواع السرطان أو السكري، أو الخرف، ولا تزال أنواع العدوى الرئوية المرض المعدي الوحيد المسبب للوفاة في تلك البلدان، وفي البلدان المتوسطة الدخل يبلغ نصف السكان تقريباً من السبعين، وهم يتوفون - غالباً - جراء أمراض مزمنة أيضا، غير أن الإيدز والعدوى بفيروسه، ومضاعفات الحمل والولادة، وحوادث المرور لا تزال تمثل أهم أسباب الوفاة في تلك البلدان.

●  المرض ملازم للفقر

في البلدان المنخفضة الدخل لا يبلغ سن السبعين إلا أقل من ربع مجموع السكان ويتعلق ثلث مجموع الوفيات التي تحدث في تلك البلدان تقريبا بأطفال دون سن ١٤ عاما وعلى الرغم من أن الأمراض القلبية الوعائية باتت تمثل مجتمعة أهم أسباب الوفاة في تلك البلدان، فإن الأمراض المعدية وخصوصاً الإيدز والعدوى بفيروسه، وأنواع العدوى الرئوية والسل، وأمراض الإسهال والملاريا لا تزال تحصد - في مجملها - عددا أكبر من الأرواح.. كما لا تزال مضاعفات الحمل والولادة تمثل مجتمعة أحد أهم أسباب الوفاة إذ لا تزال تحصد أرواح الرضع والأمهات على حد سواء. وتعاني البلاد الفقيرة التي يعيش فيها ٢,٦ مليار نسمة من نقص مطلق في تمويل قطاعها الصحي، مع تعرضها لعبء مرضي مرتفع للغاية ولعل استمرار المستويات المرتفعة من وفيات الأمومة والطفولة في هذه البلدان هو أوضح دليل على الآثار المترتبة جراء نقص التمويل على أداء نظمها الصحية، ومما يثير القلق أن نمو النفقات الصحية في هذه البلدان بطيء ويتأثر بشدة بالأوضاع السياسية والاقتصادية، ففي الدول الهشة، وبخاصة ما يقع منها في أفريقيا، لا يتسم الإنفاق الصحي بالانخفاض فحسب، بل إنه يكاد لا ينمو على راجع جدول ۱ و ۲ الإطلاق.

(راجع جدول 1و2- هامش1 ).

وتتراكم لدى بلدان هذه المنطقة مجموعة من المشكلات تشترك في العديد من الخصائص بالرغم من كل ما بينها من اختلافات فهناك فئات سكانية مستبعدة بالكامل من الوصول إلى الرعاية الجيدة، وذلك إما لعدم توافر الخدمات، وإما لأنها باهظة التكاليف ويعوزها التمويل والكادر المؤهل والتجهيزات، أو لأنها مجزأة ومنحصرة في عدد ضئيل من برامج الرعاية.

●  إجحاف العولمة

تعرقل العولمة إصلاحات الرعاية الصحية، فهي تغير التوازن القائم بين المنظمات الدولية والسلطات الوطنية والأطراف الفاعلة من غير الدول والسلطات المحلية والإقليمية وأحاد المواطنين.

والمشهد الصحي العالمي ليس في منأى عن تلك التغيرات الواسعة النطاق، فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية طرأ تحول على الدولة القومية التقليدية والعلاقات المتعددة الأطراف، وتكاثر عدد منظمات المجتمع المدني في موازاة ظهور شراكات بين القطاعين العام والخاص وإنشاء تنظيمات محلية.

وأصبحت الوكالات الحكومية تعمل مع اتحادات وكالات البحوث، والشركات الاستشارية، وكذلك مع مؤسسات غير وطنية لا تنتمي إلى دول والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية العاملة على الصعيد العالمي، وظهرت عدة تجمعات وطنية في المهجر تتحكم في موارد هائلة وتتمتع بنفوذ ضخم مع إجرائها تحويلات مالية بلغت ١٥٠ مليار دولار أمريكي في عام ٢٠٠٥م  تتضاءل أمامها المعونة الإنمائية الخارجية، وهناك شبكات عالمية غير شرعية تمارس نشاطاً تجارياً ببيع الأدوية المزيفة أو التخلص من النفايات السامة، وأصبحت الآن تمتلك من الموارد ما يمكنها من الهيمنة على قدرات الوكالات الحكومية وشلها، وقد بدأت السلطة تنتقل تدريجياً من الحكومات الوطنية إلى المنظمات الدولية، وفي الوقت نفسه إلى كيانات دون وطنية، ومنها عدد من الحكومات المحلية والإقليمية ومؤسسات غير حكومية .

●  تباين الإنفاق الصحي

يُظهر الإنفاق الصحي تبايناً يتجاوز أكثر من ۳۰۰ مرة في الإنفاق على الفرد في مختلف البلدان، وهو يتراوح بين أقل من ۲۰ دولاراً للفرد ومبلغاً يفوق ٦٠٠٠ دولار وتؤدي هذه الاختلافات إلى تقسيم البلدان إلى ثلاث فئات الاقتصادات التي يرتفع فيها الإنفاق على الصحة والاقتصادات التي ينمو فيها القطاع الصحي نموا سريعا والاقتصادات التي لا تنفق إلا القليل على الصحة والتي ينمو فيها القطاع الصحي نمواً محدوداً، وليس من قبيل المفاجأة أن الاقتصادات التي تنفق على الصحة بسخاء تضم ما يقارب المليار شخص ممن يعيشون في البلدان المرتفعة الدخل، وفي عام ٢٠٠٥م أنفقت تلك البلدان ما متوسطه ۲۷۵۲ دولارا صحة الفرد ...

وعلى النقيض من ذلك هناك مجموعة الاقتصادات التي يقل فيها الإنفاق على الصحة والتي ينمو فيها القطاع الصحي نموا ضعيفا، وتضم هذه المجموعة البلدان المنخفضة الدخل في أفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، كما تضم البلدان الهشة، وهذه المجموعة تضم ما مجموعه ٢.٦ مليار نسمة، لم ينفقوا في عام ۲۰۰۵م سوى ۱۰۳ دولارات للفرد.

وتقع البلدان الأخرى ذات الدخل المتوسط في منزلة تتوسط هاتين المجموعتين، وهي اقتصادات ينمو فيها القطاع الصحي بسرعة، وقد أنفق سكان تلك البلدان والبالغ عددهم ۲۰۹ مليار نسمة ٤١٣ دولارا دوليا على صحة الفرد راجع جدول - هامش (۲) ليس هذا فقط، وإنما يتم إضفاء الطابع التجاري بشكل منهجي على الرعاية الصحية النظم التي لا تخضع لضوابط، فيدفع في الفقير من جيبه - إن كان له جيب - للعلاج الباهظ الثمن عادة فيزداد فقرا !

الهامشان

(1) WHO-The top 10 causes of death

2004 (updated 2008

http://www.who.int/mediacentre/

factsheets/fs310/en/index.html

(۲) منظمة الصحة العالمية التقرير الخاص بالصحة في العالم ۲۰۰۸م الرعاية الصحية الأولية الآن أكثر من أي وقت مضى

http://www.who.int/whr/2008/whr08_

ar.pdf

جدول (1): الأسباب الرئيسية للوفاة في البلدان المتوسطة الدخل

الوفيات بالملايين
السكتة الدماغية والأمراض القلبية الوعائية3.47
أمراض القلب التاجية3.40
مرض الداء الانسدادي المزمن1.80
أنواع العدوى التي تصيب الجهاز التنفسي السفلي0.92
أنواع السرطان التي تصيب القصبات والرئة0.69
حوادث المرور0.67
أمراض القلب الناجمة عن فرط ضغط الدم0.62
سرطان المعدة0.55
السل0.54
السكري0.52



جدول (2): الأسباب الرئيسية للوفاة في البلدان منخفضة الدخلالوفيات بالملايين
أنواع العدوى التي تصيب الجهاز التنفسي السفلي2.94
أمراض القلب التاجية2.47
أمراض الإسهال1.81
الإيدز والعدوى بفيروسه1.51
السكتة الدماغية والأمراض القلبية الوعائية1.48
مرض الداء الانسدادي المزمن0.94
السل0.91
أمراض وعدوى حديثي الولادة0.90
الملاريا0.86
الأطفال الخدج وذوو الوزن المنخفض0.52


جدول (3): الدول حسب الدخل (2005م)

جدول (3) الدول حسب الدخل العدد بالمليار متوسط الإنفاق الصحي على الفرد بالدولار في العام نسبة المرضى الذين ينفقون من جيوبهم
البلدان المرتفعة الدخل 1 2752 %7
البلدان ذات الدخل المتوسط 2.9 413 %38
البلدان المنخفضة الدخل 2.6 103 %57
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

283

الثلاثاء 24-مارس-1970

كلمة عن إعلانات التدخين!!

نشر في العدد 15

108

الثلاثاء 23-يونيو-1970

مع القراء - 15

نشر في العدد 20

126

الثلاثاء 28-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 20