العنوان أدب: العدد 564
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1982
مشاهدات 53
نشر في العدد 564
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-مارس-1982
الزمن المتغير ولعبة الرأس والجدار
«... هل نسيتم شارع «عمر بن الخطاب»؟ وهل غابت عن أنظاركم مئذنة جامع «الجديد»، وكأنكم لم تغرفوا من مياه بئره العذبة، تنساب عبر المضخة اليدوية العتيقة إذ هي قادمة من أعماق هذه الأرض الطيبة... وهذه البيوت الوادعة التي تشرئب بأعناقها تريد أن تتعانق حتى ليخيل للمرء أنها ستشكل مظلة واهية فوق الرؤوس، ألا توحي لكم بشيء ما؟! ألا تبعث في نفوسكم أي شعور!...».
لقد تغير طعم الأيام في هذه المدينة... بل إن الزمن يكاد يكون غريبًا وهو يطأ عتبة هذا الشارع، كانت خيوط الشمس تهبط متراخية على زوايا شارع «عمر بن الخطاب»، بعد أن تسلقت بتكاسل جدران الأبنية العالية التي تفصلها عنه، وما إن تلامس قدميها ذرات «أسفلته» المرتعش من برودة الليلة الماضية حتى تقفز منتشية، تريد أن تبعث الدفء والحياة في جنبات هذا الشارع الأثير لديها.
الحركة بطيئة هذا الصباح، وطوابير السيارات لم تبدأ سباقها بعد ولكن دوامات الأفكار كانت تصطرع في رأس «أبي أحمد» الحلاق.
«... لقد نسى الناس ماضيهم، لا بل قلبوا اسم شارعنا الحبيب.. أرأيت! أخذوا يقولون: «شارع أسعد العلي»! ألم يعلموا بأن هذا الخنزير ملحد!، أين الوجوه الطيبة التي كانت تطالعني كل صباح؟!، أین اختفت تلك البسمات التي رقص لها قلبي طويلًا؟!...، لقد هرب أولاد «حسین سعدو» بجلودهم، بل إن عائلة «كردي» لم يبق منهم أحد... آ.. آ.. آآه، من بقى لنا من أهل الكرم!».
كرسيان عتيدان ومرآة متآكلة ومكنسة تقبع وراء الباب، ورجل خط الشيب شعره، لكن قلبه مازال ينبض بكل معاني الشباب.
وكثيرًا ما تمر السيارات مسرعة أو بطيئة من أمام دكانه، وقد تتوقف هنا أو هناك جانب محله، أو على الطرف المقابل ولكن هذا النوع من السيارات التي توقفت إحداهن قبل أن تصل إليه يثير في نفسه شيئًا من الرهبة الممزوجة بالترقب.
رحب بالغرباء الذين ترجلوا من السيارة وهش في وجوههم:
-أهلًا بالشباب.
- لا أهلًا ولا سهلًا، كفاك تهريجًا أين ابنك يا وقح؟ ألم نقل يجب أن يسلم نفسه! ولكن يجب أن نأخذك وأخواته بدلًا عنه.. يبدو أنك لم تقتنع بكلامنا بعد، على كل سنعطيك بعض حبوب منشطات الذاكرة فقد تفيدك.
- رعد... سلم على هذا اللعين.
وانهالت اللكمات والشتائم البذيئة، وتعالت الضحكات وعبارات التهكم...
.... لكم الله يا كفرة... لكم الله يا ظلمة، يا أولاد الملاعين أين كنتم يوم خرج لكم الأبطال؟!.
وصاح آمر المجموعة والزبد يخرج من فمه.
- حطموا المحل أنتم ماذا تنتظرون!
- وهل هذا محل ياسيدي!... هه هه.
وتطايرت أجزاء الكرسيين العجوزين، وسبقتهما المرآة شظايا صغيرة، ولم يتمالك أبو أحمد عبراته هذه المرة، فقد فقد جزءًا من جسده، بل جزءًا من كيانه، هذه الموجودات التي رافقته في رحلته عبر ربع قرن من الزمن... لقد فقد مورد رزقه.
ومن بعيد كانت العيون تومئ إلى هذه البقعة من الشارع، وكانت القلوب تمسك وجلًا.
_ ماذا يجري في دكان أبي أحمد يا شباب؟
قال أحدهم ببرود، وحدق في العيون يستشف بريقها عله يشبع فضوله لا غير، وسادت لحظات صمت، ثم أجاب أحدهم:
- فخار يكسر بعضه.
الزمن لم يتوقف والحركة مستمرة عبر هذا الشارع، والأبصار تتطلع عبر السيارات تريد أن تستجمع مادة تلوكها الألسن في المجتمعات هذا اليوم، لكن المعادلة لا يمكن أن تسير بهذا الاتجاه دائمًا، فقد زادت هذه الحادثة الحقد في كثير من القلوب، بل إن الشتائم كادت أن تجتاز -هذه المرة- القلوب، وحواجز الخوف والهلع التي خلقتها كلاب السلطة في كل مكان.
مئذنة الجامع تنتصب شامخة، تعلن أن لا إله إلا الله وحده، وبين أضلاع أبي أحمد قلب عامر بهذه الحكمة، ينبض بهذا المعنى، ويعيش به.
«اللهم هب لي قوة أستعين بها عليهم وارزقني صبرًا طيبًا يكون لي خير زاد وثبتني عندما أواجه هذه الكلاب المسعورة...».
سكون الفجر يعكره وقع تلك الأحذية التي تحمل معها الموت والتشريد، والأصوات الحاقدة تحاول أن تستتر بسواد الليل، لكن سكونه يفضحها ويعلن سرها.
- خذ أربعة عناصر وتمركز غربي النوافذ جانب المقهى يا كاسر.
- سيدي... هل يمكن أن يكون في البيت سيدي؟
- لدينا معلومات أكيدة أن أحمد ومجموعته نائمون في البيت هذه الليلة.
- هل هم كثيرون سيدي!؟ يعني لابد أن معهم ذخيرة كثيرة يا سيدي.
- كفاك هلوسة اذهب بعناصرك وتمركز جانب المقهى، وأنت يا جودت اذهب مع فهيم وسائد المجموعتين أمام مدخل الدار، وسأصعد أنا مع ثلاثة عناصر.
«والله إن قلبي يكاد أن يقف، وهؤلاء الخنازير يزيدونني خوفًا، على كل أرجو أن يستسلم أهل المنزل كي أنجو بجلدي على الأقل..»
كانت خيوط الفجر تتسلل ببطء عبر عباءة الليل السميكة، وكان أربعة من الرجال يتحسسون بأرجلهم درجات السلم الحجري وعيونهم مسمرة تجاه الأعلى ترتقب، وأياديهم على أسلحتهم تكاد أن تعتصرها من التوتر، وفجأة فتح الباب وظهر رجل يحجب رمق الليل الأخير سماته، معصوب الرأس مصوبًا رشاشه تجاه الزوار وبادرهم قائلًا:
_ لم ينس أحمد أن يعلمني استعمال هذه أيها الضباع.
وتشنجت الألسن، وندت عن أحدهم صيحة نكراء:
- إنه أبو أحمد أيها الأوغاد!
أبو الحسين
مع قرائنا
يسعدنا أن نلتقي هنا مع بعض الإخوة الجدد ومنهم:
الأخ أحمد علي البشر - الكويت.
الذي أرسل مقطوعة بعنوان «يا بن آدم» وفيها روح طيبة تدعو إلى الاتعاظ والعبرة، ولكن المشكلة فيها أنها خالفت شرط الوزن الصحيح باعتبار أن كاتبها قصد إلى نظمها عموديًا فعذرًا.
والأخ هيف العنزي - الأحمدي:
الذي أرسل قصيدة طيبة المعاني لأنه أشار فيها إلى خبث بعض الاتجاهات الطائفية وفضح أولئك الذين ينادون بالوطنية والحرية وهم عملاء أجراء لليهود وأشياعهم، ونحن نشكره على هذا الجهد ولكننا نأسف لعدم النشر لأن القصيدة من الشعر العامي.
والأخ محمد سلامت - المغرب:
الذي أرسل مقالة طيبة بعنوان «الصحافة الدينية.. أهي قصة لا تنتهي؟» وموعدنا معها في عدد قادم بإذن الله، وشكرًا لجهوده.
والأخ أحمد عبد الهادي- اليمني المقيم بالمدينة المنورة:
الذي أرسل بقصيدة نابضة بالمحبة للمجاهدين، وداعيًا إلى نصرتهم وثباتهم، ومنها هذه الأبيات:
قريب طلوع الفجر يقضي على الدجى *** وتشرق شمس الحق في كل بقعة
فيا موكب الإيمان سيروا وصابروا *** وهدوا صروح الظلم رمز الخيانة
إليكم شباب الشام أهدى تحيتي *** من اليمن الميمون رمز الإخوة
فلستم بميدان الجهاد لوحدكم *** فإخوانكم فوق الجبال الرفيعة
يذودون عن حوض البلاد بعزمهم *** حثالة أذناب لموسكو الحقودة
ونحن على بعد نحس بقربكم *** وأرواحنا تهفو إليكم بحرقة
قال الشهيد:
ألا يا قاتلي شلت يداك *** فلا أرض حوتك، ولا سماك
أنا ماض إلى ربي بروحي *** وأنت غدًا تلاقي منتهاك
أنا ابن الحق أمشي في سناه *** وأنت ابن الخنا، ضلت خطاك
أنا في خلد ربي قد هداني *** وأنت تقاد منهوكًا قفاك
فياطيب الجنان وحسن مأوى *** ويا هول العذاب إذا أتاك
إلهي قد رماني من عصاك *** وزندي في الوغى أردى عداك
وطفلي قد غدا بالدمع يجري *** وأمي في العنا ترجو رضاك
وقومي في سجون البغى صرعى *** وذو عون توارى أو تباكى
أنا راض بما أكرمتني من *** نعيم سرمدي من سناك
وحقي أن تواري مجرمًا قد *** أباد هداة هديٍ من هداك
وتهدي من توانى عن لحاق *** بقافلة تقاتل مَنْ أباك
وترعى من رعاني في حنان *** وزغبًا في وكين في فلاك
ح / أبو الشهيد
محاورة للأخ : ي البشيري
الأب الشهيد:
فتي الإسلام يا ذخري *** ویا عوني على الكفر
لقد رباك آباء *** على الإخلاص والطهر
الابن المجاهد:
نداء هز وجداني *** بظهر الغيب ناداني
يخفف بعض أحزاني *** ويدعوني إلى الثأر
الأب الشهيد:
تقدم للوغى ولدي *** لحفظ الدين والبلد
وقل يا رب يا سندي *** سلكنا الدرب للنصر
الابن المجاهد:
أبي ودعت إخواني *** وجئت بعزم إيماني
فسيل من دمي القاني *** بشير من سنا الفجر
الأب الشهيد :
إلهي لم يخب ظني *** تقبل سالمًا مني
مع الشهداء في عدن *** وأهل الصدق والصبر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل