; أدب وثقافة (954) | مجلة المجتمع

العنوان أدب وثقافة (954)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990

مشاهدات 59

نشر في العدد 954

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 13-فبراير-1990

أقصوصة العودة

عبد الله الزهراني

 

فواز شاب مثقف يعيش في قرية الوادي، طويل القامة، أبيض اللون، نحيل الجسم، تشع من عينيه علامات الذكاء والنبوغ.

كل الناس في القرية يعرفون عنه الجد والنشاط في دروسه وسائر أعماله. قبل 3 سنوات تقريبًا كان متدينًا، يحافظ على الصلوات وسائر فرائض الإسلام، إلا أنه الآن قد انحرف.

 

وأصبح على النقيض تمامًا، حيث تشرب أفكار ماركس وإنجلز، واقتنع بها، وترك الإسلام، بل أصبح يسخر أشد السخرية من المتدينين.

 

لا تقل ما السبب في انحراف فواز هذا، فجميع أهل القرية يعرفونه، فهناك مجموعة من الناس قد اعتنقوا هذا المذهب من زمن بعيد، بعضهم من أهل القرية، وبعضهم من أماكن أخرى. هؤلاء مهمتهم التبشير بهذا المذهب الجديد، الذي يزعمون أنه سيخلص البشرية من الظلم والجهل والاستبداد. هؤلاء دائمًا عندما يرون شابًا ذكيًا، يرمون في طريقه شباكهم، وقد وجدوا فواز صيدًا سهلًا، حيث اختاروا ظرفًا مناسبًا؛ فاستغلوه حتى وقع الفتى فريسة لذلك الفكر المنحرف الذي صده عن الإسلام والنفع المرتقب على يديه.

 

ذات ليلة سمع فواز بخبر أغضبه، وبات ليلته في أرق شديد، وكان فواز نفسه يتعجب من غضبه الذي غزاه بدون سبب. الخبر مفاده أن أبا أحمد قد استشهد في أفغانستان مجاهدًا في سبيل الله، وأبو أحمد هذا هو زميل فواز في المدرسة، ومنافسه دائمًا على المركز الأول. كان في الأول صديقه، ولكن حصل بينهما تنافر شديد عندما تلبس فواز بتلك الأفكار التي يمقتها أبو أحمد.

 

حزن فواز ليس له سبب، فأبو أحمد ليس صديقه، ولكن السبب الحقيقي هو التنافس بينهما حتى بعد الموت، فعندما وصل خبر استشهاد أبي أحمد إلى القرية هرع جميع سكانها للتعزية، وبعد صلاة العصر صلوا عليه صلاة الغائب، وفي الليل أقام أهل القرية حفلة تأبينية كبيرة، تبارى فيها الخطباء والشعراء، بل وانتشر خبر استشهاده في القرى انتشار النار في الهشيم، فهو أول شهيد في القرية، وهو يتمتع بأخلاق عالية وتواضع منقطع النظير رغم تفوقه وذكائه، ولذلك فهو محبوب من الجميع. وهناك أمر آخر هو أن أهله أول مرة يسمعون عن شخص يموت في الجهاد في سبيل الله، لذلك هزهم الخبر من الأعماق أقصد خبر عودة الجهاد في سبيل الله.

 

أخذ فواز يفكر في الأمر، بالأمس توفي شيخ القرية ولم يلق مثل هذا التكريم، دائمًا يموت الناس من أهل القرية، ويرحلون بسلام لا أحد يدري عنهم إلا الأهل المقربون، وهذا الفتى يموت ويُقبر في أرض بعيدة، ويكون له كل هذا التكريم. قال له زميله: "هذه بركات الجهاد"، ولم يكترث للرد لعدم قناعته به، واستغرق في تفكير عميق.

 

قرر فواز أن يذهب إلى أفغانستان بعد مشاورة ومداولة مع جميع أعضاء حزبه، وقال: "يجب أن ننصر إخواننا، ونذهب لندافع عن الاشتراكية، ومن العار علينا أن يكون هناك عرب يدافعون عن الدين، وليس هناك مثلهم من يدافع عن الاشتراكية". واستطرد فواز قائلًا: "أنا لا أرى للحياة طعمًا ومتعة إذا خلت من الكفاح والنضال، ولا نضال أفضل من حمل السلاح، والتوجه إلى ساحة الوغى، ما أحقر الحياة إذا عاش الإنسان كل عمره في روتين ممل هو العمل والبيت والزيارات، ثم يأتي الموت فيرحل عن هذه الدنيا وكأنه لم يكن".

 

"إن الفتى أبا أحمد قد ضحى بنفسه في سبيل موتة رائعة، تركت بعدها ضجيجًا وشهرة ومجدًا، ونحن تخلو حياتنا من كل معنى إذا لم نترك ذكرًا بعدنا، وما دمت أعلم أن الموت حاصل لا محالة، فسأختار ميتة رائعة في ساحات الوغى".

 

ثم ذهب فواز إلى أفغانستان مدفوعًا بنار الغيرة والتنافس، وطالبًا لموتة رائعة كما قال.

 

وصل إلى كابول، وطلب الذهاب إلى جبهة القتال سريعًا، وأخيرًا حقق حلمه بعد أسابيع من التدريب الشاق، وذهب إلى ميدان المعركة، عسكر مع زملائه في أحد الخنادق المعينة، بينهم وبين العدو ميل واحد. كانت الانفجارات شديدة عن يمينهم ويسارهم، وأحيانًا تقع قذائف الهاون فوق خندقهم الحصين. أحس فواز لأول مرة بالخوف يغزو قلبه، انهارت كل أحلامه، كان يريد الذهاب لقضاء الحاجة فمنعه الخوف، بقي جالسًا في خندقه لا يتزحزح، يحس كأن قلبه يخرج من بين جنبيه عندما يطلب منه القائد إحضار أي شيء من خارج الخندق. كانت نظراته مصوبة ناحية القائد خوفًا من أن يطلب منه الخروج من الخندق. قال أحد زملائه: "عجبًا لهؤلاء المجاهدين!! كيف يصمدون تحت وابل قذائفنا بدون تحصينات قوية؟ إن خنادقهم كلها مكشوفة، بل هم أحيانًا يفترشون الأرض بدون خنادق". قال فواز: "أثناء القصف؟"

 

"نعم أثناء القصف."

 

"وكيف عرفت ذلك؟"

 

"عرفناه عندما نحتل مواقعهم أحيانًا، فلا نجد إلا خنادق مكشوفة، أو حفرًا صغيرة في الأرض، وغير ذلك، فنحن نراهم يتجولون ويسيرون أثناء القصف حول مواقعهم."

 

"إنهم لا يخافون الموت."

 

"هذا صحيح؛ لأنهم يظنون أن الجنة وحور العين في استقبالهم."

 

في هذه اللحظة بدأ فواز يتأمل بعمق كل ما يحيط به، أو قل: إن الأفكار المكتسبة بدأت تتزعزع، وتحل مكانها الأفكار الفطرية. بدأ يفكر في موقفه وموقف المجاهدين، كيف يصمدون رغم قلة التحصينات وقلة الأسلحة والذخائر؟ وكيف يهربون ويخافون رغم الخنادق الحصينة والأسلحة الفتاكة والذخائر الوافرة؟ وكيف ينتصرون ويحتلون مواقع جديدة على هذه الحالة؟ في تلك اللحظات بدأ فواز يراجع نفسه، لماذا جئت من قريتي؟ عن أي شيء أدافع؟ إن الموت ينتظرني بين ساعة وأخرى، وأين سيكون مصيري بعده؟ إنني لم أعد أُسلّم بما يقوله الشيوعيون من مادية العالم، وإنكار البعث والحساب. قالوا: "إن العلم لم يستطع إثبات عالم الغيب والدين"، ولكن هل استطاع أن ينفيهما؟ لقد وقف العلم عاجزًا أمام هذه المعضلة كما يسمونها.

 

واستمر فواز في حديث النفس الذي لا يقطعه إلا دوي انفجارات القذائف هنا وهناك، ثم استمر يحدث نفسه! "ما سر ثبات المجاهدين أمام هذه الأخطار المهلكة؟ لا شك أنه ذلك اليقين بالإله والجنة وما بعدها، إنهم يعيشون حياتهم على أمل الحصول على الجنة عن يقين ثابت، إن هذه الحياة حقًا سعيدة وممتعة حتى لو كان ما أملوه غير صحيح."

 

"ألا ترى أن الإنسان في هذه الدنيا عندما ينتظر شيئًا طيبًا يعيش حياة سعيدة في أمل الحصول على ذلك الشيء، حتى لو لم يحصل عليه في النهاية؟" لقد تغيرت أفكار فواز، وعندما انتهت نوبته من خط النار طلب العودة إلى كابول، وهناك أمضى عدة أيام يتأمل بعمق، وأخيرًا اكتشف الحقيقة! الحقيقة التي لم تظهر إلا تحت زخات الرصاص، واكتشف زيف كلام الشيوعيين ونظرياتهم التي لم تُطبّق في واقع الحياة البتة. اكتشف كذب الشيوعيين في العدالة والديمقراطية، عندما رأى دولة كبرى تغزو شعبًا مسالمًا فقيرًا في أمس الحاجة لمن يأخذ بيده ويساعده، لا أن يهلكه بالرصاص والدمار، ثم أراد فواز العودة إلى بلاده، ولم يظفر بذلك إلا بعد تعب شديد من الشيوعيين هناك، وعندما عاد إلى قريته تخلى عن الشيوعية، وتاب وأناب إلى الله، وأصبح مسلمًا صالحًا، يتحمس للإسلام والدعوة إليه كما كان يتحمس للباطل.

 

وداعًا أيها الطاغية

وداعًا يا مفارقنا وداعا

وهل للشعب بعدك أن يراعا

ومن للشعب بعدك في الدياجي

يطيل اليوم في التنكيل باعا

ومن يا صاحب الأفضال فينا

سينشر في أزقتنا الضباعا

ومن للشعب يتخمه سياطًا

إذا أبدى لخالقنا انصياعا

لقد ضيعت عمرك في سراب

خسرت به المكاسب والمتاعا

وهذا الشعب قد كشف البلايا

ومزق عن جرائمك القناعا

ولا أدري إذا التاريخ يرضى

لمثلك في مزابله ذراعا

ضميرك بيع للشيطان بخسًا

وإن الحر يأبى أن يباعا

فكم فجرت في مصر جراحًا

وكم أشقيت في مصر الجياعا

وكم أغضبت رب الكون جهرًا

وكم آذيت غورًا أو يفاعا

تظن بأن عرشك غير فان

وقبلك كل نمرود تداعى

ولم أسمع بأنك خضت حربًا

وما أتقنت عن وطن دفاعا

ولم أسمع بأنك ذات يوم

مضيت إلى أعادينا شجاعا

ولكني سمعت بأن مصرًا

ترى فيك البذاءة والخداعا

فكم أوحى لك الشيطان يومًا

بأن عميق سرك لن يذاعا

ظننت بأن مصر لكل طاغ

صقيل الناب قد أضحت مشاعا

فكم كان الذكي على ثراها

يذيق الشعب رعبًا والتياعا

توهم أنه القهار فيها

يهز الكون أطوادًا وقاعا

وإذ بالشعب يلفظه ويزهو

وعرس النصر يزداد اتساعا

وعصر البطش والتنكيل ولى

وليل الظالم انقشع انقشاعا

فكم سيرت حولك من رصاص

وكم شيدت في مصر القلاعا

ولكن الشعوب لها عيون

تفجر فوق هامتك القراعا

تزلزل كل أرض أنت فيها

فقد هيجت في مصر البقاعا

وأنت اليوم في الظلما غريق

ولن تلقى شراعًا أو شعاعا

ستحصد كل ما أودعت يومًا

ثرى غيطانها ساعًا فساعا

فهل ستقيم مؤتمرًا بذيئًا

وهل ستقيم للظلم اجتماعا

وهل ستلاحق الأحرار حتى

تقتل كل من رفض الضياعا

وهل سينال شتمك في حمانا

بعيد العزل مقدامًا شجاعا

جبان كل طاغية ولص

وأنى للصوص بأن تطاعا

وداعًا أيها الباغي وداعا

فإن الشعب قد ربح الصراعا

سيشرق بالسعادة كل وجه

كساه الظلم بؤسًا وامتقاعا

ونهر النيل زغرد بعد صبر

وضوء الصبح يزداد التماعا

سفين النصر يسعى في إباء

ويملأ هذه الدنيا شراعا

هنيئًا يا بني مصر وإني

أحيي في جوانبها السباعا

 

محمد أمين أبو بكر

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :