العنوان أدونيس بين الخرافة والتخريف.. ماذا بقي مــن حداثته؟
الكاتب محمود الكسواني
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001
مشاهدات 38
نشر في العدد 1453
نشر في الصفحة 50
السبت 02-يونيو-2001
«الخطاب الديني المعاصر يحتاج إلى منهجية الشك في كل المسلمات سواء تعلقت في الوحي نفسه أو في التاريخ» «على الخطاب الديني أن يعرض القرآن نفسه على منتجات العلم الحديث» «على أن نحذو حذو كل الشكاك في هذا الأمر، حتى اليهود اليوم يمارسون منهج الشك بكل مسلماتهم لدرجة أن أحد أشهر مؤرخيهم المعاصرين شك في شخصية موسى ووجوده، وهل هو حقًا نبي أم أنه أخناتون لأحد الفراعنة؟» «لست أؤمن بالحتمية مطلقًا، فالوجود عبارة عن انفجارات متجددة». كانت تلك بعض معاني الأفكار التي طرحها كبير الحداثيين وشاعر الحزب القومي السوري الاجتماعي أدونيس وذلك في لقاء له مع إحدى الفضائيات العربية ليلة الأربعاء ١٠/٤/٢٠٠١م وحول تلك الأفكار سوف ينصب الحديث.
تخبط ما بعد الحداثة:
إذا صحت قسمة المشخصين والمحللين للاتجاهات أو المواقف العامة للفكر العربي المعاصر فإنها بدأت تتبلور قبيل سقوط خلافة العثمانيين في ثلاثة مواقف، أولها تبني الحداثة الغربية والتنكر البعض أو كل الإسلام، وثانيها العودة بثقة للإسلام حسب القراءة الحرفية للنص، وثالثها يفرق بين المدنية والحضارة، فيقتبس كل ما يعتبره مدنية، ويتجنب ما يندرج حسب مفهومه بمسمى الحضارة التي لا يجوز -حسب وجهة نظره- إلا أن تكون قرآنية المنبع ونبوية البيان، نقول إذا صح هذا التصنيف فإن أدونيس ينتمي بجدارة إلى الموقف الأول مع التنكر الشديد لما يصفه بـ «الخرافة» أي التاريخ الإسلامي، أو العربي، فهل للعرب تاريخ غير الإسلام؟ يصف أدونيس تمسك الجماهير المسلمة مئات الملايين من البشر بماضيهم السيادي الحضاري الذي لم يعيشوه، ولكنهم لمسوا آثاره، يصف أدونيس ذلك التاريخ الرائد للعرب «بالخرافة»، ويحث الخلف المتخلف من هؤلاء الملايين أن يعيدوا قراءة تاريخهم بعيون يهودية؛ «أي على طريقة المؤرخ اليهودي الذي شك في موسى ووجوده» عندها يقول أدونيس سيجد العرب المسلمون أنهم أصحاب ماض سلبي بكافة أبعاده» من الأجدر بتاج الخرافة؟ تاريخ الرسول والراشدين أم مفاهيم أدونيس الفينيقية؟ دولة هارون الرشيد من بغداد إلى تخوم الصين، وقرطبة الموحدين سنة ١٠٠٠م، أم أشلاء من دول عربية؟
دار الحكمة في عهد المأمون أم دور القمار وعلب الليل والمتاجرة بالمرأة جسدًا وعقلًا باسم الحداثة الغربية؟ طبعًا، سوف تسمع تعليقًا مفاده أن هذا الطرح انتقائي يختار من الماضي وروده ومن الحداثة أشواكها، مع أن الحداثة هي التي أتت بأديسون وأنشتاين ونيوتن وجاليلو، والإسلام أتي بسيف الحجاج ودكتاتورية بني مروان وتخلف العثمانيين، ها هنا نكون أمام حيدة أدونيس الحداثيين، فهم يخلطون بين الإسلام والمسلمين بين الوحي وبين المخاطبين به من المؤمنين، وإلا فليشر أدونيس إلى آية واحدة تمنع العلم المدني بكل مجالاته الصناعية والفنية والطبية وصيانة البيئة، فإن لم يجد ولن يجد فلينظر بالبيان النبوي للقرآن، فإن لم يجد ولن يجد فليحترم عقله وعقول الناس وخصوصًا الأجيال الجديدة من الشباب التي لا تجد في أشعاره كثيرًا مما وجد السابقون من الشهوانيين، تلك الطليعة من الحداثيين الذين حملوا لنا نكبة (٤٨) ونكسة (٦٧) وتخلف القرن العشرين ومازال الحبل على غاربه.
حداثتنا وحداثتهم:
حداثة أشياء الإنسان شأن طبيعي، فلكل أمة قرنها الذي تحيا فيه ومن خلاله، لكن الحداثة اصطلاح معاصر يقف على طرفي نقيض مع كل القراءات والمدارس الإسلامية على جميع المستويات، ناهيك أنها لا تمت إلى العقلانية المزعزمة بصلة.، وطالما أن الإسلام يفرق بين الحضارة والتمدن؛ بمعنى أن المسلمين يشاركون الآخر عن وعي طبيعي بمنتجات العلوم الفنية وبهموم العلم الطبيعي، فالمسلمون بهذا المفهوم حداثيون على جميع الأصعدة والمستويات؛ لأن حداثة الأشياء والأفكار العلمية والنظرة لنتائج ومنتجات العلم الطبيعي إحدى أهم العبادات التي توجه سلوك المسلمين، فهناك فرق بين حداثة الأشياء وحداثة الأفعال، الفعل إما حرام أو حلال أو مندوب أو مكروه، وعلى هذا المسبار تقاس الأفعال، أما الأشياء التي يستخدمها الإنسان فلا خلاف بين المسلمين وغيرهم في« ضرورة معالجتها والتعامل معها وفق ما يصل إليه العلم التجريبي من نتائج قاطعة»، أما الحداثة التي يتحدث عنها أدونيس فهي حداثة الحضارة والثقافة، ولو أخذنا وصف د. هشام جعيط وحده في تشخيصه للحداثة لكفانا وصفه لها بأنها إقصاء للدين، مؤونة اتهام الحداثيين بالقطيعة للإسلام، فما بالنا والحداثيون أنفسهم ممن ولدت الحداثة في بلادهم يصفونها بالعدو الغاشم للدين.
يصفها ليونيل تيرلنك فيقول: الحداثة بالنسبة لنا هي خلاف ما كانت تعنيه بالنسبة للباحث ماثيو أرنولد الذي عاش في العام ١٨٥٦م، فالحداثة بالنسبة لنا تعني العدمية والموقف المعادي للحضارة والقيم، وهي تحرر من كل ما يمت للقيم الأصيلة بصلة، فالحداثة في مفهوم أدونيس لا تفترق عن هذه المفاهيم قيد أنملة، فهو داع إلى الشك في وجود رسول اسمه أحمد، شاك في مكة والكعبة ويثرب وبدر وأحد، بل لا يضيره أن يعلن بصراحة أن الخرافة ما هي إلا الإيمان بهذا التاريخ، ونسي أو تناسى أنه لا تاريخ لنا نحن العرب على وجه التحديد غير محمد -عليه الصلاة والسلام- الذي سلك بنا سبيل النور، وأنار عقولنا بعقيدة التوحيد.
الحداثة فن الابتعاد عن المجتمع، أما في الآداب والفنون فيكفي الحداثة إثمًا أنها غاصت في فلسفة الضياع والشذوذ والغنوص والعرفان والهرمسية والانحلال، وهدمت النور لحساب الظلام، وأطفأت شموع التوحيد لسراب الظن والهوى، إن عقيدة وحدة الوجود في أسمى ما يتعلق به أدباء الحداثة، لقد تهكم كونراد على الحداثة حين وصف نفسه والحداثيين وأشعارهم بأنها «البراعة في تحطيم أعصاب الناس، وقال أيضًا نحن الحداثيون سحرة العالم الشهواني، نحن المباركون من الحمقى والعاجزين، نحن لا نقول شعرًا، ولكننا نمارس الثرثرة باسم الأدب والفن، ومصير ثرثرتنا الإهمال والاستهجان» أما هاو فيقول في كتاب له صدر في نهاية الستينيات من القرن العشرين الميلادي: «الحداثة لم تأت بأسلوبها الخاص المؤثر، وإن كانت حقًا أتت بذلك تكون قد انتهت كحداثة وأصبحت ماضيًا». أي منهجية هذه لو أصبحنا بين عشية وضحاها حداثيين كما يريد أدونيس؟ فهل تتحول إلى دول متقدمة صناعيًا وتكنولوجيًا، وننتج الكمبيوتر ورقائقه، والإنترنت وأقماره الصناعية بمجرد إعلان حداثتنا وشكوكنا في الوحي؟ إنه لا علاقة بتاتًا بين الحداثة التي يدعونا أدونيس لتبنيها وبين الصناعة والتفوق العلمي، هو يريدنا أن نشك في وجود الرسول ﷺ والقرآن والتاريخ، فهل بعد هذا الشك يمكن أن نصنع ويمكن أن نصل القمر ونجوب الفضاء؟ أم أن لتخلفنا العلمي أسبابًا أخرى وعلى رأسها أفكار الخرافة الأدونيسية التي مازالت تؤمن بأن العرق الفينيقي عرق متميز متفوق كما يروج الحزب القومي السوري الاجتماعي؟ نعم، نحن لنا حداثتنا، ولكنها لا تقفز على قرآنها، ولا تتذكر لرسولها ولا تجحد خالقها، نعم لنا حداثتنا، ولكنها لا تزكم الأنوف بالإباحية، ولا العيون بالسفور، ولا العقول بالظنون، فالبرهان وحده دليلنا، والشك زعزعة لثقتنا بأنفسنا.
الشك بين ديكارت وأدونيس:
الفرق بين ديكارت وأدونيس -فيما يتعلق بالشك كمنهجية للمعرفة- أن ديكارت حين طرح الشك إنما طرحه ليؤسس اليقين، بينما أدونيس حين يطرح شكوكه إنما يطرحها ليجعل منها يقينًا، وشتان بين الطرحين.
ديكارت يشك في وجود الوقائع التاريخية والحقائق المغروسة في الأذهان ليعود ويثبت وجودها، أو ينفيه بناء على مطابقة العقل «منشئ الفكر» للطبيعة «مختبر الفكر»، بينما أدونيس يشك في الوقائع التاريخية لأنه يكرهها ولا يستسيغها، فتراه يحكم عليها «بالسلبية» قبل أن يبرهن على أدلة سلبيتها، والحق يقال إن أدونيس لا يلام في هذا؛ لأنه لا يملك منهجية ديكارت ولا أهداف ديكارت من شكوكه، لقد قال ديكارت أشك في وجود كل شيء إلا شيء واحد وهو أنني أشك إذن أنا أفكر، إذن أن موجود، فماذا قال أدونيس غير الدعوة للشك على أساس سلبية التاريخ العربي الإسلامي، وكأن الأمر يحتاج إلى إعادة قراءة للتاريخ، مع أن الجميع يعلم أن لكل تاريخ سلبياته ولكل زمان رجاله، ولكن من العار أن يحكم الخلف، وخاصة المثقفين منهم على السلف بالسلبية، وهم لم يتحققوا بعد من صحة الوقائع التاريخية أو عدم صحتها، وأخيرًا ما الذي يضير أدونيس إذا توجهت أفئدة الناس إلى ماضي أسلافها الذهبي تستنير به في تقدمها نحو المستقبل لتنفض عنها خيبة وإخفاق الحاضر المرير؟ المسلمون اليوم، والعرب منهم خاصة يعيشون اليوم على هامش الحضارة والعالم المعاصر، كان أسلافهم أسياد العالم نورًا وعلمًا وتوحيدًا، فإذا بهم في ذيل القافلة، بل بلا قافلة أصلًا، فبماذا يتعلقون بالمجد أم بالغرب الذي استعمرهم واستعبدهم وأذلهم، أم بالجاهلية الفينيقية أو الفرعونية أو الأشورية؟ نحن لا نرى تاريخنا ولا نرى أنفسنا إلا في مرآة واحدة هي: الإسلام، وكل قراءة للإسلام لا تقر بالوحي والرسول، وتشك في وجودهما أو صحتهما قراءة مردودة، مهما أفسح لها الإعلام الفضائي والأرضي من القنوات والأطباق.