; أرزاق العلماء (1) | مجلة المجتمع

العنوان أرزاق العلماء (1)

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 82

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 13-أبريل-1993

لما كان الملك المترف يفسد الأمة حتى تهلك، كان الملك الصالح يصلح الأمة الفاسدة باتخاذ الوزراء والقواد والبطانة والحاشية له من الصالحين المصلحين الذين يقيمون ميزان الحق والعدل، ويكونون قدوة للناس في العفة والاعتدال والقصد، ويأخذون على أيدي أهل الفحشاء والمنكر والبغي فيقلدهم الأكثرون ويرهب جانبهم الأشرار والمفسدون فتقوى دولتهم، وتعتز أمتهم حتى يمكن الله لهم في الأرض ويجعلهم من الوارثين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).

وأهل العلم هم أهل الحل والعقد الذين ترد عليهم الأمة أمرها في الأمن والخوف، فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاؤون، وقد وضع الإسلام هذا الأساس المتين للإصلاح بجعله أمر الأمة شورى بين أهل الحل والعقد وهم العلماء.. ورجوع الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه إلى رأي الأمة فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة وبعده الصديق الذي قال في أول خطبة له: أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا أحسنت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني. واشتهر عن الخليفة الثاني أنه قال على المنبر: من رأي منكم في اعوجاجًا فليقومه. والخليفة الثالث قال على المنبر في أيام الفتنة: أمري لأمركم تبع، وبعد علي والحسن تحول أمر الإسلام من خلافة نبوة إلى ملك مصداقًا للحديث الصحيح: «الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك» رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث سفينة، وقد دعم بنو أمية ملكهم بالعصبية فلم تغن عنهم حين ظهر فيهم الفسق، فنفر منهم معظم الأمة لغلبة الصلاح فيها فسهل انتزاع الملك منهم بسرعة.

ولكن لما كثر التهاون والعجز والضعف في العلماء في العصور المتأخرة واعتادوا الاقتداء بالرؤساء والملوك الظالمين لأنفسهم ولغيرهم بالخروج عن شريعة الله إلا ما يوافق أهواءهم، ويحرفون أو يؤلون الأحكام لتطابق أهواء العامة وأهواء السلاطين والأمراء والأغنياء ويفتونهم بالأباطيل ويؤلفون الكتب ويخترعون الأحكام والحيل الشرعية لأجلهم. وقد قال الله تعالى في كتابه عن هؤلاء: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران: ١٨٧).

يقول العلامة محمد رشید رضا رحمه الله في المنار 4/ 232 ما نصه: «واعلم أنه لا مفسدة أضر على الدين وأبعث على إضاعة الكتاب ونبذه وراء الظهر واشتراء ثمن قليل به من جعل أرزاق العلماء ورتبهم في أيدي الأمراء والحكام، فيجب أن يكون علماء الدين مستقلين تمام الاستقلال دون الحكام –لاسيما المستبدين منهم- وإنني لا أعقل معنى لجعل الرتب العلمية ومعايش العلماء في أيدي السلاطين والأمراء، إلا جعل هذه السلاسل الذهبية أغلالًا في أعناقهم يقودونهم بها إلى حيث شاءوا من غش العامة باسم الدين وجعلها مستعبدة لهؤلاء المستبدين، ولو عقلت العامة لما وثقت بقول ولا فتوى من عالم رسمي مطوق بتلك السلاسل».

إن علماء السلف كانوا يهربون من قرب الأمراء المستبدين أشد مما كانوا يهربون من الحيات والعقارب، ورووا في ذلك أخبارًا وآثارًا كثيرة: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «سيكون بعدي أمراء -زاد في رواية يكذبون ويظلمون- فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض» رواه الترمذي وصححه والنسائي والحاكم والبيهقي وصححاه.

وفي معناه ما رواه الطبراني عن أبي سلالة وله طرق أخرى تشهد له: «سيكون عليكم أئمة يملكون أرزاقكم، يحدثونكم فيكذبونكم ويعملون فيسيئون العمل، لا يرضون منكم حتى تحسنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا فمن قتل على ذلك فهو شهيد».

ومنها حديث أنس الذي أخرجه الحاكم وأبو نعيم وحسنه السيوطي لكثرة شواهده: «العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم».

ومنها حديث ابن عباس: «إن ناسًا من أمتي يتفقهون في الدين ويقرأون القرآن ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا، ولا يكون ذلك، كما لا يجني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا» قال السيوطي رواه ابن ماجه بسند رواته ثقات، ومنه أيضًا عند أصحاب السنن الثلاثة وحسنه الترمذي: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن»، وقد ساق العديد منها الحافظ السيوطي في كتاب خاص سماه «الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين» وأكثر من الآثار عن السلف الصالح في ذلك لظهور أمراء الجور في زمنهم وتهافت العلماء عليهم منها قول حذيفة الصحابي الجليل: «إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء.. يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه».

وقال أبو ذر لسلمة بن قيس: «لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك أفضل منه». وقال سفيان الثوري: «إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص، وإذا رايته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مراء، وإياك أن تخدع، فيُقال لك ترد مظلمة، تدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس اتخذها للعلماء سلمًا».

وهذا منطق علماء العصر يقولون: إننا لا نريد بغشيان الأمراء والتردد عليهم إلا نفع الناس ودفع المظالم عنهم، وهم يريدون المال والجاه بدينهم، ويقل الصادق فيهم، وهكذا أضاعوا دينهم فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا. فلا يكبر عليك أن تحكم على من يسمون أنفسهم أو يسميهم الحكام كبار العلماء بأنهم من الظالمين إذا اتبعوا أهواء العامة وشهوات الأمراء والسلاطين.

اقرأ أيضًا

الرابط المختصر :