العنوان أريتريا: أتلانتا.. أم كامب ديفيد جديدة؟
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 939
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
• أي اتفاق لا يأخذ في الحسبان تطلعات الشعب
الإريتري في تقرير المصير يبقى قرارًا منعزلًا ولا تترتب عليه نتائج إيجابية.
دعا الرئيس
الإثيوبي منغستو هيلامريام في منتصف الأسبوع الماضي إلى التعبئة الشعبية العامة في
جميع أنحاء إثيوبيا وذلك لمواجهة التنامي المتزايد لحركة القوات الشعبية لتحرير
تيغراي. وذكر منغستو بأن الخطر القادم مع عمليات «التمزق» التي تقودها قوات تيغراي
ينذر بتحطيم الوحدة الوطنية وتعريض البلاد من ثم لأدواء الانقسام والتفتت.
وتأتي دعوة
الزعيم الإثيوبي في أعقاب الانتصارات الكبيرة التي أحرزتها قوات تيغراي «المتمردة»
خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. وطبقًا لما نقلت «رويترز» عن أنباء المعارك هناك
فقد حملت قوات تيغراي القوات الإثيوبية أكثر من 2400 قتيل وأسرت 3800 جندي
إثيوبي.. ومن جانب آخر فقد شهدت الأسابيع الماضية أيضًا نشاطًا بارزًا في الجبهة
الجنوبية حيث بدأت جبهة تحرير أورومو تصعيد عملياتها العسكرية ضد القوات الإثيوبية
حيث وقعت اشتباكات عنيفة بالقرب من حامية جيجيغا مما أسفر عن قلق شديد لدى الحكومة
الإثيوبية. من جهة ثالثة، فإن الجمود قد خيم مجددًا على مفاوضات السلام التي بدأها
الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر بعد أن حقق نجاحًا محدودًا بجمع الطرفين في
أتلانتا الأمريكية في السابع من سبتمبر الماضي. وبالرغم من تأكيد تجديد اللقاء في
شهر نوفمبر القادم، إلا أن عدة معوقات بدأت تعمل هي الأخرى في تباعد وجهات نظر
الطرفين.
ففي الجانب
الإريتري... فإن الجبهات الإريترية الخمس رفضت نتائج المفاوضات بين الجبهة الشعبية
والسلطة الإثيوبية وطالبت بتوسيع دائرة المفاوضات إن كانت إثيوبيا ترغب حقًا في
تحقيق سلام عادل، كما أن حركة الجهاد الإريتري تمسكت هي الأخرى بمواقفها المبدئية
في رفض الحوار المجبر صليبيًا في إشارة واضحة لدور كارتر.
أما في الجانب
الإثيوبي، فالحكومة الإثيوبية أجرت اتفاقًا مع بعض الجبهات المحدودة لمنحها الحكم
الذاتي «منطقة المنخفضات الإريترية» وهو ما يعد إمعانًا في المناورة على حساب مجرى
المفاوضات الرامية لوقف حالة الحرب على طول الجبهة الإريترية.. ومهما يكن فإن
إشكاليات التعقيد في القضية الإريترية حتمًا تدفع بالجانبين لإعادة النظر في طرق
بدائل أخرى حتى لا تمتد الحرب دون أن يجني طرف ما يصبو إليه من مكاسب.
أتلانتا
والعراب:
تقول إحدى
النظريات السياسية «إن الحرب لا تحل المشاكل غير أنها تفتح عيون الآخرين على أصول
المشكلة» وهذا القول أكثر ما ينطبق على حروب الدول الصغيرة ذات الطابع التقليدي
وهو ما يتفق مع الحرب الإريترية-الإثيوبية والتي طوت أكثر من ثلاثين عامًا بين مد
وجزر، فلا إثيوبيا - الإمبراطورية والجمهورية - استطاعت فرض هيمنتها على إريتريا
ولا فصائل الكفاح الإريتري حققت أهدافها في تقرير المصير.. ومن هنا جاءت مبادرة
الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر لتبشر بضرورة سلوك طرق جديدة والمبادرة في حد
ذاتها ليست جديدة كلية غير أن الجديد هو ما يمثله كارتر من ثقل غربي وإن كان كارتر
يتحرك - شكليًا - بصفة غير رسمية... وتجدر الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة
يهمها جدًا أن تخلع أركان الاستراتيجية السوفيتية من إفريقيا الشرقية. ولهذا
انتهزت فرصة الاستدارات السوفيتية في نقد علاقاتها الخارجية فبدأت عدة تحركات على
الجبهة الإثيوبية وتحت شعار منظمات إنسانية فبعثت بلجان وفعاليات سياسية لتقصي
الحقيقة - جس نبض - لنوعية تفكير نظام منغستو وإمكانية التعامل معه أو السعي
لتغييره.. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تحركات لجنة ميكي ليلاند - عضو الكونغرس
الأمريكي - الذي لقي حتفه مع ثمانية آخرين في جنوب غرب إثيوبيا... وبرحيل القوات
الكوبية التي ظلت ترابط في إثيوبيا طيلة الاثنتي عشرة سنة الأخيرة والتي أدت دورًا
رئيسًا في ترجيح الكفة الإثيوبية في الحرب الصومالية-الإثيوبية بدأ منغستو كمن
يحارب بلا ظهير وهنا جاءت الفرصة المواتية للمبادرة الأمريكية تحت المظلة غير
الرسمية. وجاء «عراب كامب ديفيد» ليشق الصف الإريتري.
أهداف مشتركة:
والولايات
المتحدة الأمريكية منذ أن طلقت سياسة «العصا الغليظة» في العلاقات الدولية
واستبدلتها بنظرية ريتشارد نيكسون في «التفاهم والحوار» بدأت تتحسس نقاط الضعف
للأنظمة المناوئة لاستراتيجيتها الدولية، ومن ثم تبني علائقها مع تلك الدول في
إطار قدر محدد من إمكانية النفوذ.. أما بالنسبة لإثيوبيا فإن دواعي عديدة تجبر
الولايات المتحدة لاستثناء ما لا يمكن استثناؤه من أجلها. فإثيوبيا في العرف
الثقافي الغربي والأمريكي تمثل جزيرة مسيحية يحتويها بحر إسلامي كما أنها نقطة
انطلاق رئيسية لبث مفاهيم الحضارة الغربية في شرق القارة الإفريقية، ومن جانب آخر
فإن إثيوبيا تمثل القوة الأكبر في دول القرن الإفريقي مما يعني أن كسبها يجعل دول
القرن الإفريقي في عداد التبعية... ولا تعمى الأمريكان عن حقيقة الوضع والصورة
الظاهرية لسيطرة النظام الماركسي خاصة وأن منغستو لم يستطع تجاوز عنق الزجاجة
لترسيخ الوحدة الوطنية، فالبلاد كلها تشهد تمزقات وحروب لا يمكن معها استقرار
الوضع هناك. وهناك أمر آخر دفع بالإدارة الأمريكية إلى ضرورة الحضور في إثيوبيا...
وهو تنامي التيار الإسلامي وظهور منظمة تحرير أورومو لحيز الوجود مما يعني أن
مستقبل الدولة - ولو بعد حين - الإثيوبية ربما تحدده المنظمات القائمة بالتقسيم أو
يتمكن المسلمون الأوروميون في الجنوب من السيطرة الكاملة على إثيوبيا مما يصل لنفس
النتيجة التي تخشاها الإدارة الأمريكية... فهل تقوم الإدارة الأمريكية بترميم
الإمبراطورية العجوز حتى تبقى في إطار التبعية الغربية والمنفذ لمخططاتها؟
المفاوض:
لقد كان حجم
التورط الإثيوبي كبيرًا وهي تقاتل في جبهتي إريتريا وتيغراي غير أن الهوة اتسعت
حاليًا بعد أن انكشف ظهر إثيوبيا بتخلي الاتحاد السوفيتي عن دوره الداعم للأنظمة
الثورية في العالم... فهو بالإضافة إلى أنه غير مقتنع بجدوى مواصلة المشوار مع
النظام الإثيوبي المتصلب... فإنه قد يئس من تحقيق انتصار حاسم لقوات منغستو بعد أن
أنفق مساعدات سخية تجاوزت 6 مليارات بالإضافة للجسر الجوي الذي نقل أطنانًا من
الأسلحة الثقيلة كما أن الاتحاد السوفيتي ما زال يحتفظ بخبراء له في إثيوبيا ربما
بلغ عددهم 1500 مستشار... وإن كان تخلي الروس قد أزعج منغستو كما أن البديل
الاشتراكي المقترح للدعم ليس مضمونًا كما أن طاقته محدودة ولا سبيل لمقارنتها
بالإمكانيات الهائلة للاتحاد السوفيتي... وينحصر هذا البديل في ألمانيا الشرقية -
التي تواجه صراعات شعبية عنيفة هذه الأيام - بالإضافة لكوريا الشمالية وإلا فإن
الغرب والولايات المتحدة هم البديل... ونظرًا لتحرك الأرض من تحت أقدام النظام
الإثيوبي أكثر من مرة وأن القوات المسلحة التي كانت عماد النظام أصلًا قد انقلبت
عليه أكثر من مرة مما جعل النظام لا يعتمد على المؤسسة العسكرية التقليدية وإنما
على قوات شعبية - هذا بالرغم من الحرب الدائرة في أكثر من جبهة - ولهذه الأسباب
كان منغستو متطلعًا لمفاوضات تحد من أثر إحكام القبضة العسكرية التي فرضتها عليه
قوات التحرير في الجبهات المختلفة وعلى رأسها القوة الإريترية بفصائلها المختلفة
والتي تسيطر على 85% من الأراضي الإريترية مما يعني أن انفصالها قاب قوسين أو أدنى
خاصة إذا ما استمرت جبهات القتال الأخرى تواصل معاركها مع النظام.
والنظام
الإثيوبي يعرف قدر إريتريا الاستراتيجي كما أن الأمريكان يدركون ذلك فإريتريا إذا
ما استطاعت تحقيق تقرير المصير فإن إثيوبيا تبقى دولة معزولة عن البحر وهو ما
يفقدها كل امتياز لها في الاستراتيجية الدولية... ولذا سعى منغستو لمفاوضة فصيل
الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا حتى يضمن انطفاء مؤقت لنار الحرب - على أقل تقدير -
لاحظ التشابه المماثل بين كامب ديفيد - وأتلانتا في عزل القوى الكبرى داخل
التيارات المناوئة. كامب ديفيد سعت لعزل مصر عن شقيقاتها وأتلانتا تسعى لعزل
الجبهة الشعبية عن شقيقاتها أيضًا - «وهكذا فعل العراب». ويبقى أن نشير إلى أن
نتائج المفاوضات تظل متواضعة إذا لم تشمل كل الفصائل بما في ذلك حركة الجهاد
الإسلامية. كما أن التفاوض إذا لم يحقق رغبة الشعب في إجراء استفتاء لتقرير المصير
فإن الشعب الإريتري لن يستمع لمقرراته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل