العنوان أريتريا: قصة شعب يجاهد ربع قرن من الزمان
عنوان تمهيدي من تاريخ القرن الإفريقي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1987
مشاهدات 8
نشر في العدد 828
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-أغسطس-1987
أريتريا: قصة
شعب يجاهد ربع قرن من الزمان
بقلم: أحمد سفر
هذا الشعب الذي
أريد أن أقص عليكم جهاده وتضحياته في سبيل الحفاظ على عقيدته وعرضه ووطنه هو الشعب
الذي شع فيه نور الإسلام قبل الهجرة ووطئتها أقدام الصحابة رضوان الله عليهم في
أول هجرة عرفها المسلمون، ذلك الشعب الإريتري المجاهد الذي يقطن شمال شرقي إفريقيا
يحده شمالاً وغرباً السودان وجنوباً إثيوبيا وشرقاً البحر الأحمر وتبلغ مساحة
الأرض ١١٩ ألف كيلو متر مربع وكما يبلغ ساحله ١٠٠٠ كم.
الجذور
التاريخية:
إن هذا الشعب
الذي لم يسمع عنه إلا النزر اليسير، كان ماضيه عريقاً وإن كان حاضره أليماً فقد
كان له جولات وصولات في الحضارات التي مرت واندثرت قبل وبعد الميلاد فخير دليل على
ذلك المناء الشهير (عدوليس) الذي أسس في عهد بطالسة اليونانيين في القرن الثالث ق.
م.. هذا الميناء كان يتوسط تجارة الشرق والغرب فكانت السفن الكبيرة القادمة من
الهند والخليج العربي وشرقي إفريقيا والجزيرة العربية تتبادل سلماً عنده مع السفن
القادمة من مصر والجزيرة العربية. وكانوا يطلقون على السفن التي كانت تصنع فيها
عدولية نسبة إليها، وقد ورد هذا على لسان بعض الشعراء في العصر الجاهلي حيث قال
طرفة بن العبد في معلقته: عدولية أو من سفين ابن يامن
يجور بها
الملاح طوراً ويهتدي
وقد استمر
الحال هكذا حتى جاء عصر صدر الإسلام فنال شرف إكرام الصحابة رضوان الله عليهم
عندما هاجروا إليه من جراء اشتداد أذى قريش عليهم فبدأت منذ تلك الفترة شمس
الإسلام تسطع عليه حتى جاء عهد الدولة الأموية فعم الإسلام أرجاء إريتريا كلها
فأصبح يعيش تحت نعمته ورخائه وعدله وسماحته حتى كان مركزاً ومنطلقاً للدعوة
الإسلامية إلى قلب القارة الأفريقية.
أطماع الدول
الاستعمارية:
وما إن دَب
الضعف في عضد الدولة العثمانية حتى تكالب على إريتريا الأعداء من كل مكان وكثر
الطامعون من الشرق والغرب فيها، لما كانت تتمتع من موقع هام استراتيجي ولأنها
البوابة الغربية للحرمين الشريفين وزادت أهميتها عندما افتتح قناة السويس فتعرضت
لهزات عنيفة وغارات وحشية من الداخل والخارج فتوافد المستعمر على شكل شركات لإنعاش
الاقتصاد المحلي – حسب زعمهم – يديرها منصرون معروفون بصليبيتهم الحاقدة مثل
(سابيتو) الذي نزل إلى ساحل إريتريا في عام ١٨٦٩. ويعتبر هذا نواة للاستعمار
الحديث الإيطالي في إريتريا.
وبعد أن اكتملت
لهم الحلقة أظهروا نياتهم الخبيثة فثاثوا في الأرض فساداً يسومون الرعية ويذبحون
أبناء ويستحيون النساء وينهبون خيرات البلاد والعباد فادخلوها في الممتلكات التي
تورث وتوهب مرة لذوي القربى (بريطانيا) ومرة لذوي الأرحام (إثيوبيا) إخوة المعتقد
الواحد.
فمارس هؤلاء
جميعاً أشكال وألوان التعذيب والتنكيل لأجل أن يرضخ له ولكن تحت نيرهم والمعجب أن
المنظمات التي تدعي رعاية حقوق الإنسان لم تسمع أي صوت يذكر وإلى الآن.
وما كادت تنتعش
قليلاً وترجو الخلاص من المستعمرين (إيطاليا من ١٨٧٠ إلى ١٩٤١ وبريطانيا من ١٩٤١
إلى ١٩٥٢) حتى تحركت نحوه صليبية الحبشة تطلب أن تضم إليها إلا أن الشعب الإريتري
ورفض أن يكون ذليلاً مستكاناً بل قاوم وتوج ذلك بجهاد مقدس وبذلك يكون قد دخل
مرحلة جديدة من مراحل الكفاحية.
رد الفعل
الصليبي:
هذه الاستجابة
السريعة لنداء الجهاد المقدس أفزعت وأروعت الصليبية في الحبشة.
الجهاد
وبدايته:
عندما لم يجد
مع العدو الصليبي الإثيوبي أسلوب السلم والسلام في الحصول على استقلاله وحريته منه
كباقي شعوب العالم الثالث التي كانت تتحرر آنذاك وأدرك أنه قد وقع في المخطط الذي
وضعته الصليبية الحاقدة، استنفر الشعب للجهاد المقدس في ١٩٦١/٩/١ على يدي أولئك
الذين استناروا بنور العلم والمسلحين بتجارب الشعوب الأخرى في نزع الاستقلال من
برائن المستعمر، فلبى الجميع النداء الخالد (حي على الجهاد) وهبوا للنجدة والتضحية
والفداء وكيف لا يلبون وهم تحت وطأة الحقد الصليبي، فدينهم معرض للخطر وعرضهم
منتهك ووطنهم محتل وكرامتهم مهدورة.
إثيوبيا تنتهج
في أريتريا سياسة الأرض المحروقة وسياسة فرق تسد
الإنسانية
مهانة، أبعد هذا تطيب الحياة، كلا ثم كلا. ولم يمض على ذلك إلا ثلاثة أعوام حتى
كان أكثر أرياف وقرى إريتريا محررة أو محاصرة.
وراحت تجري
يميناً وشمالاً لأجل أن تحصل على ما تقمع وتكيل به الشعب الأعزل الآمن من الخبراء
الذين سبقوها في هذا المجال (إسرائيل وغيرها) وتدعو بالويل والثبور لمن يساعد
هؤلاء على عملهم هذا.
ولتذويب كيانه
والخلاص منه كلية اتخذت سياسة الأرض المحروقة وسياسة فرق تسد وعبأت الرأي العام
الخارجي بأن هؤلاء منفصلون وخارجون عن الطاعة والولاء ويريدون أن يكونوا أذناباً
وعملاء للعرب ويجعلوا البحر الأحمر بحيرة عربية – وتأثير هذا كان واضحاً على
الأفارقة – وفي الداخل وضعت الحواجز النفسية بين المواطنين وصنفتهم حسب ديانتهم
إلى نصارى ومسلمين والمستجد في هذا ما يلي:
- بناء
الكنائس والأديرة عند مداخل المدن والقرى ومنع بناء المساجد وإغلاق المعاهد
وإحراق المصاحف والمناهج الدراسية وإلغاء اللغة العربية وإحلالها باللغة
الأمهرية.
- إعطاء
المنح الدراسية الخارجية لأبناء النصارى ومنع أبناء المسلمين من دخول الكليات
والمعاهد العليا حتى في الداخل.
- حصر
الوظائف الكبيرة في الإدارات الإريترية على النصارى الإريتريين. وهذا غيض من
فيض، وهذه الإجراءات المفضوحة والمكشوفة خبيثها وأهدافها كان الغرض منها كسب
الرأي العام النصراني الإريتري إلى جانبها.
برغم هذا لم
ييأس الشعب الإريتري المسلم ولم يتخاذل أو يتهاون يوماً من الجهاد بل كان يزداد كل
يوم صرامة وصلابة حتى إن العدو الإثيوبي كان لا يتجرأ أن يجابه المجاهدين حتى في
وضح النهار، وكل ما يهزم ويغلب ويجر وراءه ذيل العار والهزيمة كان يرجع إلى الشعب
الأعزل فيفتك بهم وينتقم منهم أشد الانتقام بحجة أبناء هؤلاء هم الذين يفعلون بهم
الأفاعيل. وفعلاً كان شعب إريتريا مصدر خير لا ينضب حتى إن أحدهم كان يقدم قوت
أولاده للمجاهدين ويتركهم يتضورون جوعاً و يتحسرون ألماً حزناً على حظهم وخوفاً من
القدر المخبوء.
الشيوعية
الحمراء تتسلل إلى صفوف المجاهدين:
عندما اقترب
عام ١٩٦٨ على الانتهاء كان جل الذين أرسوا وبذروا حبة الجهاد قد سقطوا شهداء على
درب الجهاد وعلى رأسهم حامد ادريس عواتي وواحد وللو ومحمد سعيد شمسي طاهر وعمر
أزاز وعمر ناصر شوم وثاهر سالم وكثيرين غيرهم ممن رووا بدمائهم الزكية أرض إريتريا
بعد أن أرسوا بتضحياتهم دعائم الكفاح المسلح.
في خلال هذه
المسيرة الطويلة تعاطفت بعض الدول مع جهاد الشعب الإريتري وبدأت بتقديم المساعدات
إلا أن مردود هذه المساعدات كانت نتائجها عكسية حيث إن الذين تلقوا تدريبات عسكرية
أو دورات تثقيفية في الخارج كان قد استقطبتهم تيارات فكرية وأشربتهم سمومها
الخبيثة وعندما رجعوا جاءوا يحملون معهم تلك الأفكار متحمسين لها متهافتين لشغل
الوظائف الكبيرة ليثبطوا من عزيمة المجاهدين. ومن يومها ابتلي الشعب الإريتري
بقيادات لا تتجاوز فكرها أنوفها همها الوحيد إرضاء أسيادها وعقليتها تصفية كل من
يكون عقبة أمام تحقيق أهدافها التي لا تمت إلى الشعب بأية صلة، لذلك سعت إلى إيجاد
أرضية صلبية تقف عليها فافتعلت الحروب الأهلية واصطادت في الماء المعكر حتى ظهرت
لأول مرة تنظيمات متعددة الاتجاهات والأفكار من عام ١٩٧٠ لتناطح بعضها البعض
محاولة الواحدة القضاء على الأخرى وكل ذلك لبعثرة الجهود وإفراغ قدرات الشعب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل