العنوان أريتريا وحديث المبادرة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989
مشاهدات 75
نشر في العدد 899
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 10-يناير-1989
شهدت الآونة الأخيرة بروز الاتجاه الإسلامي في حركة التحرير الأريترية وهو سعي نبارك فيه همة الجهاد.
في إطار احتواء الوضع المتفجر في أريتريا سعت الحكومة الأثيوبية مؤخرًا إلى طرح مبادرة سلمية تدعو فيها إلى إقرار مبدأ التفاوض مع قيادات جبهات التحرير الأريترية «4 جبهات رئيسة» وأكدت الحكومة في مبادرتها على ضرورة وحدة أثيوبيا مع إفساح المجال أمام الطموحات الإقليمية للشعب الأريتري بأن يحكم ضمن إطار «فيدرالي» الحكم الذاتي على أن تقسم أريتريا إلى إقليمين: «الإقليم الغربي وهو الذي يمكن أن يمنع بالحكم الذاتي» وإقليم دانكاليا والذي يعد بكل المقاييس جزءًا هامًا بالنسبة للاقتصاد الأثيوبي، فهو يضم ميناء عصب أهم الموانئ الواقعة على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، ونظرًا لأهمية إقليم دانكاليا فإن المشروع الأثيوبي للسلام يرفض أن يضم هذا الجزء ضمن منطقة الحكم الذاتي الذي تسعى إليه المنظمات وجبهات التحرير الأريترية.
ومن جانب آخر فإن مساعي السلام من قبل حكومة منغستو هيلا مريام قد أخذت في المثول على الساحة السياسية منذ سبعة أشهر تقريبًا وكانت أغلب تلك المشاريع قد طرحت عبر الحكومة السودانية إيمانًا من حكومة مريام بأن السودان يمثل وضعًا مزدوجًا في القضية الأريترية فهو من جانب يقف مع الثورة الأريترية بحكم العلائق المبدئية التاريخية التي ربطت أريتريا بإقليم شرق السودان إضافة لروابط الدم التي تربط بين الشعبين السوداني والأريتري، ومن جانب آخر فإن تصورات هيلا مريام المصلحية البحتة لا بد أن تصل بين مساعدة السودان في حل المشكلة الأريترية في مقابل المساعي التي يمكن أن يقدمها نظام أديس أبابا لحكومة الخرطوم فيما يتعلق بمشكلة جنوب السودان وأيًا كان فإن حكومة الخرطوم تجد نفسها في كل حين مرتبطة بالقضية الأريترية ولهذا فإن الاهتمام الذي تبديه ينطلق من مفردات اللغة المشتركة والتاريخ المتناسق والعقيدة المشتركة كما أن الخرطوم تذكر التاريخ جيدًا لا سيما قرار الأمم المتحدة عام ١٩٥٢ القاضي بحق أريتريا في الاستقلال ولشعبها كامل الحرية في تقرير المصير وإدارتها دون الوصاية عليها من أحد.. ولهذا فإن مواقف الخرطوم عبر تاريخ القضية الأريترية كانت تعتمد تلك النظرة، غير أن مقاصد هيلا مريام من المبادرة أو جملة المبادرات التي تقدم بها أكبر من استمالة الخرطوم فحسب.
حديث المبادرة
أسباب عدة جعلت نظام أديس أبابا يتقدم بمبادراته السلمية ولعل ليس أقلها شأنًا الانتصار المتكرر الذي حققته الجبهة الشعبية على قوات الدرك الأثيوبية لا سيما في قطاع نقفة وافعيت والتي وصفت في حينها «باذل ديفيدسون الباحث البريطاني» بأنها أعظم ملحمة اجتياح تقوم بها مقاومة شعبية منذ معركة «ديان بيان فو» ومما ساعد على تنحية الإصرار الأثيوبي لخيار الحسم العسكري للقضية الأريترية هو تطورات الموقف الدولي بعد سريان سياسة الوفاق بين القوى العظمى زيادة على أن قيادة غورباتشوف غير متحمسة لمواصلة دعم أصدقاء الاتحاد السوفيتي من ماركسي العالم الثالث لا سيما وأن أوضاع أولئك الأصدقاء ليست على ما يرام حتى تأمل روسيا من ورائهم مواقف استراتيجية مستقبلية وقد ظهر ذلك الموقف من الاتحاد السوفيتي بعد الزيارة التي قام بها هيلا مريام لموسكو في الصيف الماضي وكان رد غورباتشوف حيال الطلبات العسكرية بأن على أثيوبيا حل مشاكلها القومية والإقليمية خاصة فيما يتعلق بالقضية الأريترية، ومن جهة أخرى فإن الوقت ما زال في صالح مبادرات تسيطر عليها المصالح الأثيوبية التوسعية إقليميًا ومحليًا ففي الإطار المحلي يجد نظام أديس أبابا بأن المنظمات الأريترية التي تطالب بالاستقلال وتناضل وتجاهد من أجله منظمات متنافرة متناحرة لا تصل بينها علائق تنسيقية ولا تربطها أطر قانونية في التعامل فيما بينها وهو ما يهيئ لأحداث البليلة في أوساطها من خلال المبادرات السلمية كما أن قبول أيًا من تلك الجهات تمكن النظام الأثيوبي من حصد نتائج الخلاف بين الأشقاء الأريتريين والذي غالبًا ما يدفع ببعض الجبهات المناوئة للمبادرة إلى تصفية الجبهة التي قبلت الدخول في المفاوضات وعلى النطاق الإقليمي فإن القضية الفلسطينية تشهد تحركًا واسعًا وقد تؤدي الجهود الدولية إلى إيجاد حل جزئي للقضية مما يفسح المجال أمام القضية الأريترية لتحتل مركز الصدارة في ملف القضايا العربية لا سيما وأن الحرب العراقية- الإيرانية قد جمعت ألسنتها وهي في طريقها إلى سلام دائم ولهذا فإن التسابق الزمني يجبر هيلا مريام من انتهاز الوضع القائم حتى يضمن بعض النجاح لمهامه السلمية في التوسع وأحكام السيطرة على أريتريا.
حديث المعركة
إن النظام الأثيوبي وهو يطرح مبادراته السلمية يعني تمامًا بأن المعركة لتصفية النضال الأريتري هي الأصل وأن المبادرات ما هي إلا حلول مؤقتة مهدت لها ظروف كانت وما زالت أكبر من أن تتجاوزها القوة العسكرية ومنذ العام الماضي كانت الاستعدادات لقوات الدرك الأثيوبي تأخذ كل الاهتمام الأثيوبي فقد رصدت مصادر المعلومات بأن النظام الأثيوبي قام وما زال يواصل سياسة التجنيد الإلزامي والخدمة العسكرية لأبناء أريتريا الذين يقعون تحت طائلة الاستعمار الأثيوبي وليت الأمر يقف عند مجرد التجنيد وإنما يقوم على خطف الصغار من أمهاتهم وضمهم إلى قوات الدرك كما أن إدارة الدرك أجبرت كثيرًا من المدن أن تمدهم بما لا يقل عن ۲۰ شابًا عن كل حي من أحيائها، إلى جانب الاستعداد الآلي للحرب فإن الأسلحة السوفيتية والغربية قد انهالت مؤخرًا على نظام أديس أبابا بعد أن بدأت دولة الكيان الصهيوني تحسن من صورته أمام الغرب الصليبي وذلك مقابل التفاهم الذي أبداه هيلا مريام لترحيل ما تبقى من يهود الفلاشا إلى الكيان الصهيوني ومريام في ذلك يقف موقف التاجر الذي يساوم على مواطني بلاده ومن نافلة القول أن نذكر هنا بالعلاقات المتصاعدة بين نظام هيلا مريام والكيان الصهيوني وهو يجني ثمار تلك العلائق المشبوهة عتادًا حربيًا ومساعدات اقتصادية كما أن المصالحة التي أجراها نظام أدیس أبابا مع الصومال كانت من أجل أن يوفر قوات في جبهة المواجهة مع الصومال ليصبحوا ظهيرًا لقوات الشمال التي منيت بهزائم نكراء أمام الهجوم الباسل لقوات جبهة التحرير الأريترية «الشعبية والتنظيم الموحد» وأثيوبيا لا تحارب في جبهة واحدة بل إن المعركة تتخذ أشكالًا متعددة وقد ركزت مؤخرًا على هدم الشباب الأريتري عن طريق نشر الموبقات في صفوفه فقد جاء في نشرة الجبهة الشعبية «ساقم» بأن السلطة الأثيوبية فتحت في مدينة ريفية صغيرة «تكلزان» ۲۰ بارًا كما أنها أنشأت مناطق عديدة لممارسة البغاء وفي مدينة أسمرا فتحت عددا كبيرًا من «علب الليل» والنوادي المشبوهة في إطار القانون وهي تعمل من خلالها لإفساد الشباب الأريتري وتوفر لهم الحكومة كثيرًا من الإغراءات حتى تشجع اهتماماتهم الدونية وبالتالي تحطمهم وفي ذلك تحطيم لمستقبل أريتريا وفي نفس الإطار تشجع حكومة أثيوبيا الحركات الشبابية الضالة في أوساط الشباب الأريتري حتى توسع من دائرة الضياع لا سيما وأن هذا الضياع يتم ضمن نطاق الشهوات والرغبات الحرام.
معركة المنظمات
جبهة التحرير الأريترية هي صفة التجمعات التي تسعى لمواجهة الاستعمار الأثيوبي لأريتريا وفي إطار المسمى يضاف الشعبية أو «التنظيم الموحد» وهكذا فإن الفصائل الأربعة التي تعمل في ساحة الكفاح تحمل قضية تحرر لوطن سلبت إرادة القرار فيه كما أن العدو لا يفرق بين «الشعبي» ولا فيه كما أن العدو لا يفرق بين «الشعبي» ولا «الموحد» ولا «الإسلامي» كلهم في نظر النظام الأثيوبي هم أعداء الوحدة الوطنية -كما يزعم- وأخطر ما يتصل بهذه المسميات هو حالة التنافر الغربية التي تجمع بينها فبدلًا من توحيد الجهود وتوثيق الصلات من أجل المعركة المشتركة والمصير المشترك نجد أن هذه المسميات أصبحت مناط خلاف لتحديد وطنية الأريتري من خيانتها، وهو ما يجعل تسعير أوار المعارك الجانبية يكاد لا ينطفئ ففي الفترة القريبة السابقة شهدت ميادين أريتريا القتالية صراعًا واسعًا بين الجبهات وهي اليوم تشنع على بعضها البعض من خلال حرب البيانات والمعلومات غير الدقيقة وفي بعض الأحيان تصل للاتهامات والصد ولعلنا في هذا الإطار نجد أن سلوك الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا قد تعرض لكثير من الهجوم من قبل الفصائل الأخرى خاصة في العمليات التي تمت في سبتمبر الماضي حيث قامت بعض كتائبها أخذ النساء «٥٠٠ امرأة» إلى معسكرات التجنيد دون موافقة ذويهن وقاتلت بعض المسلمين وقتلت منهم ١٨٠ شخصًا وهو ما يجعلنا نرفع صوت الاستنكار مصحوبًا بالدعوة للتعقل والاستفادة من التجارب السابقة.. خاصة فيما يتعلق بالقتال بين الفصائل.
الرائد القادم
شهدت الآونة الأخيرة بروز الاتجاه الإسلامي في منظمة الرواد أو «اللجنة الإسلامية الشعبية لنصرة المستضعفين في أريتريا» وهو سعي نبارك فيه همسة الجهاد والسعي لإعلاء صوت الإسلام المناصر لقضايا الشعوب دومًا، والتيار الإسلامي لم يكن غائبًا في يوم ما من الساحة الأريترية وهو موجود في صحبة الشهيد حامد عوادتي وفي الذين حملوا الراية من بعده ولم يكن بعيدًا عن المنظمات والجهات عمومًا فأريتريا هي أرض الصدق التي آوت مجاهدي الإسلام في مطلع عهده وهي هذا الشعب الذي أفرز كل المجاهدين الذين مزقتهم الأهواء حينًا والأطماع الأجنبية حينًا ففرقوا صوت الإسلام إلى جبهات وما أغنى القضية الأريترية اليوم عن هذه المسميات وما تحمل من أفكار أجنبية ولتكن الدعوة إلى تحرير شعب جهوره مسلمون وعرب وكلما كانت الصلة أوثق بجمهور الشعب كلما كانت أصدق وليكن الرائد القادم مفتاح خير لوحدة الفصائل تحت شعار «يعاون بعضنا بعضًا فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه» ولتكن رابطة الإسلام السمحة التي تسع المسلم والمسيحي في الأمان والمودة ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (سورة الأنفال: 39) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل