العنوان أزمة أوبك: أين المخرج؟
الكاتب عبد الله موسى
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988
مشاهدات 61
نشر في العدد 893
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 29-نوفمبر-1988
على الغرب أن يوقف كافة صور التهديد والابتزاز الرخيص الذي يمارسه ضد العالم الثالث وفي مقدمته العالم الإسلامي.
أوبك في أزمة حادة... ليست الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، ولكن أهمية هذه الأزمة تأتي في وقت تزداد فيه الهجمات الغربية المستترة والمسعورة؛ كي تسلب شعوب الأوبك مكتسباتها ومنجزاتها بكافة الصور الممكنة؛ فكيف تخرج أوبك من محنتها وكيف تتجاوز العقبات؟
تتلخص أزمة أوبك في مشكلتين رئيسيتين:
الأولى: تدهور قيمة برميل النفط، مما يهدد مداخيلها الاقتصادية، وبالتالي اقتصاد كل دولة من دول الأوبك على حدة. مما يهدد نماءها الاقتصادي ومشاريع النهضة فيها، إضافة إلى تدهور مستوى معيشتها، وتدني قيمة عملاتها.. والفراغ الاقتصادي لا بد أن يولد بالضرورة فراغًا سياسيًّا.
الثانية: وجود فائض نفطي في الأسواق العالمية يمنعها من فرض السعر الذي تريده، إما لكثرة المنتجين من خارج أوبك، أو نتيجة لسياسة تخزين النفط طويل الأمد، والذي أخذت تتبعه الدول المستهلكة بغرض خلق بلبلة في سوق النفط، وبالتالي مشاكل داخل معسكر الأوبك قبل رغبتها في تأمين حاجاتها النفطية!
المشكلات وتعقيداتها
ويبدو أن عدم رغبة بعض الدول الأعضاء بالالتزام بحصصها المقررة هي أهون مشاكل الأوبك. فجملة الوضع في هاتين المشكلتين تنذر بمزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية مستقبلًا... والوضع لا يبدو مشجعًا بالنسبة لعقد التسعينات برغم نبرة التفاؤل التي يتحدث بها وزراء النفط في الكارتل النفطي.
فأين المخرج من هذه الأزمة؟ إن الحل لا يبدو سهلًا على الإطلاق.
فلو فكرت مجموعة أوبك في زيادة عدد أعضائها، فإن هذا سيفرض عليها قبول عدد كبير من المنتجين الجدد أو صغار المنتجين، وربما دول أخرى غير مرغوب فيها؛ لتضارب مصالحها مع مصالح أوبك الأساسية، مثل بريطانيا التي تملك حصة كبيرة من نفط بحر الشمال. المشكلة أن زيادة عدد الأعضاء واختلاف المصالح سيزيد من حدة مشكلة اتخاذ القرارات الموحدة، وتوزيع الحصص، ومراعاة الظروف الخاصة بكل دولة وأوضاعها الاقتصادية ومشاريع التنمية فيها وخططها المستقبلية.
ولو فكرت أوبك برفع سعرها عاليًا فإنها ستواجه حملة صدود وأعراض من الدول المستهلكة وبالأخص السبع الكبار، واللجوء إلى مصادر بديلة وهي الآن كثيرة.
ولو فكرت في زيادة الإنتاج فإن سعر البرميل سيزداد تدهورًا، وبالتالي يزداد تدهور أوضاع الدول النفطية؛ نتيجةً لزيادة العرض أكثر من الطلب.
وبرغم أن اشتعال الحرب العراقية - الإيرانية قرابة ثماني سنوات قد هدد وحدة الأوبك فترة من الزمن بسبب توزيع حصص الإنتاج، لحاجة كل منهما إلى دعم اقتصاد الحرب، فإن المشكلة الآن تزداد تعقيدًا بانتهائها، وحاجة كل من الدولتين إلى إعادة الأعمار لبناء اقتصاد السلام، وسداد الديون.
الغرب جزء أساسي من المشكلة
والدول الغربية التي حاربت كارتل الأوبك النفطي كثيرًا في محاولتها لمنع دول العالم الثالث من حماية نفسها من الاستغلال الغربي البشع في خاماتها، تحارب اليوم هذه الدول في استثماراتها الخارجية التي تعتبر مصدرًا بديلًا ومهمًّا لدعم اقتصادها وحماية مستقبلها.
عندما كانت شركات الغرب تستخرج برميل النفط بأربع سنتات أمريكية، ثم تبيعه بدولار كامل في الخمسينات والستينات، لم يكن الغرب يحتج؛ لأن مصالح شركاتها جزء من المصلحة الغربية اقتصاديًّا وسياسيًّا، أما عندما تؤمم دول العالم مصادر ثرواتها في أراضيها، وهي صاحبة السيادة والاستقلال فيها، يشن الغرب عليها حملات جائرة لا تتوقف، تارة بالتلاعب بأسعار الذهب، ثم أسعار العملات، ينخفض الدولار ثم يرتفع الإسترليني ثم العكس، ثم بموجات التضخم وارتفاع أسعار سلع وخدمات الغرب بطريقة غير خاضعة للمنطق أو التبرير، ثم تارة أخرى بحرب المخابرات القذرة، أو بذر الخلافات وافتعال الحروب، ثم بالمؤتمرات الاقتصادية العالمية والمقررات السرية التي تستحل أموال ودماء شعوب الأرض الأخرى، ثم آخر ما في جعبة الغرب من أسلحة، وهو مهاجمة الاستثمارات الخارجية لدول الأوبك، كأنه حكر على الغرب وحشده وحرام على بقية الأمم أن تتصرف بحرية وذكاء في أموالها.
عدالة الغرب العمياء
كانت شركات الغرب تمتص خيرات بلادنا، ولم يكن يصلنا منه إلا القليل، وكنا نحترم اتفاقنا معها، أما الغرب أو العالم الذي زعموه حرًّا، فلا يرى نفسه ملزمًا بأي قيد أخلاقي تجاه اتفاقياته مع دول العالم الثالث، وقد تجددت هذه النظرة الاستعمارية البغيضة برجال مثل «هنري كيسنجر»، وطبقها أمثال «ريغان» الذي امتدحت خصاله وأفكاره المطابقة لأفكارها امرأة مثل «مارجريت تاتشر».
واليوم بعد أن صارت ثرواتنا بأيدينا يريد الغرب فرض الضرائب على أموالنا في بنوكه، كما دعت إلى ذلك صحيفة «ذي صنداي تايمز»، ويفكرون بتأميم أموالنا في بلادهم علنًا.. ويحدون من استثماراتنا حسب حاجتهم إليها لا حسب ما يرضي كافة الأطراف، كما هو متعارف عليه حسب مبادئ وقوانين التجارة الدولية. فأين خلق الغرب؟ وأين مبادئ العالم الحر التي هي أشبه بالعدالة الأثينية المقصورة على أهل أثينا وحدهم؟ أهو ميراث آخر من مواريث الحضارة الإغريقية؟ أم بقية من بقايا عهود الاستعمار لا زال في نفوس القوم منها بقايا وآثار؟
ولقد كشفت الأيام الخوالي فضيحة البنوك الغربية التي كانت تعالج أموال دول العالم الثالث بطريقة لا أخلاقية، تجعلها تفقد فائدة يوم في السنة، وهكذا تسرق هذه البنوك كل عام مبلغ لا يقل عن 600 مليون دولار أمريكي من أموال شعوب العالم الثالث؛ لكي تعيد تدويره لتقدمه على شكل قروض بفوائد مرتفعة لهذه الدول المنكوبة والمغلوبة على أمرها. لماذا سكتت «ذي صنداي تايمز» عن فضيحة البنوك البريطانية وغضت الطرف عنها؟
حلول مقترحة
إن دول الأوبك مطالبة بالرد على الحرب الموجهة ضدها بحزم؛ لتحفظ حقوقها في مستقبل الأيام، خاصة أنه لن يمضي أحد عشر عامًا حتى يحل العام 2000م، وتدخل البشرية كلها القرن الحادي والعشرين بكل ما يحمله من تحديات وصعاب لكل أمم العالم بما فيها دول الأوبك.
ورغم أن الغرب حاول الإيحاء بأنه على وشك الاستغناء عن النفط بإحدى بدائل الطاقة، كالطاقة الشمسية والنووية الانشطارية، ثم النووية الاندماجية، إلا أن هذه البدائل لم تزل عاجزة عن أن تحل محل النفط في شتى مجالات الحياة والحضارة، فالطاقة النووية خطرة، أما الاندماجية لم تزل غير قابلة للاستئناس والسيطرة حتى الآن، وأما الشمسية وطاقة الرياح فلم تتعد مراحل التجارب دون تحقيق طرق عملية ذات جدوى اقتصادية لاستغلالها على نطاق واسع، وبالأخص في مسألة التخزين طويل المدى لهذه الأنواع من الطاقة.
وسيظل النفط الطاقة المرغوبة والأكثر اقتصاديةً لأكثر من ثلاثة عقود قادمة على أسوأ الفروض. إن الورقة بيد الأوبك إذا أحسنت استغلالها، وعليها أن تفكر باستراتيجية تكتيكية لعقدين قادمين على الأقل لا بنظرة سطحية لا تتعدى الشهرين والثلاثة أو عام واحد.
إن التضحية الوقتية ببعض الأمور التي قد تكون أساسية الآن تصير فريضة مطلوبة وليس مجرد ناقلة مرغوبة، إذا ما كان وجود الذات مهددًا بالفناء في المستقبل.
وهكذا فإن على أوبك أن تنزل بإنتاجها إلى أدنى حد ممكن، مع تحديد سعر برميل النفط بحوالي 22 دولارًا، والالتزام بهذا لمدة 6 شهور قابلة للتجديد، في مقابل أن يوقف الغرب استغلاله لدول وشعوب العالم، وكافة صور التهديد والابتزاز الرخيص الذي تمارسه المجموعات الاقتصادية الرأسمالية ضد العالم كله، وفي مقدمته العالم الإسلامي.
قد يكون هناك مسؤولية أخلاقية على دول الأوبك في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الدولي ونمائه، ولكن إذا لم تلتزم دول الغرب نفسها بمبادئ هذا الاقتصاد وأسسه المتعارف عليها دوليًّا، فما قيمة الحفاظ عليها من طرف واحد، وخاصة إذا كان هذا الطرف هو الأضعف والأشد تضررًا؟
كما لا يلزم أوبك أن تكون مهذبة في تعاملها الدولي، إذا كان الآخرون غير مهذبين في تعاملهم معها، أو يمارسون النفاق والدجل السياسي علانيةً وخفيةً!
أوبك وحماية الوجود
إن مشكلة الأوبك في المرحلة القادمة لن تكون في مجرد تحديد الأسعار والحصص، بل ربما كانت مشكلة أن تكون أو لا تكون، وأننا لنرجو أن يكون أعضاء هذه المجموعة كافةً على درجة عالية من الحكمة والحنكة، تجعلهم يخرجون من مرحلة الضعف واختلاف الآراء أكثر قوةً واتحادًا وصلابةً في مواجهة شراسة الحرب الغربية على اقتصاد بلادهم الذي يمثل جزءًا من وجودهم واستقلال دولهم وسيادتهم.
وأن عددًا كبيرًا من أعضاء الأوبك ينتمي لدول المجموعة الإسلامية التي نرجو لها التوفيق والسداد، ولنرجو أن تكون على وعي بمخططات الغرب وأهدافه من حملاته المسعورة على خيراتنا ورخائنا واستقلالنا الاقتصادي الذي هو من أهم ركائز استقلالنا السياسي، وعنصر مهم من عناصر وضوح رؤيتنا المستقبلية وعامل أساسي في قدرتنا على تحديد المصير.
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140).
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104)
اللهم وفقنا إلى تجاوز الأزمة، وتخطي الصعاب، ورد كيد الكائد إلى نحره، واجعل حقد الحاقد وبالًا عليه، اللهم آمين...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل