; المخدرات والسياسة وموسم الانتخابات.. أزمة «الحشيش» في مصر.. والهروب من البطالة إلى الإدمان !! | مجلة المجتمع

العنوان المخدرات والسياسة وموسم الانتخابات.. أزمة «الحشيش» في مصر.. والهروب من البطالة إلى الإدمان !!

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010

مشاهدات 69

نشر في العدد 1902

نشر في الصفحة 18

السبت 15-مايو-2010

بعد أزمات نقص الخبز، ونقص أنابيب غاز الطبخ، والسيول، وارتفاع أسعار اللحوم، وغيرها .. فوجئ قرابة مليوني مد من يتعاطون مخدر «الحشيش» - وفق تقدير « د. أحمد عكاشة» أستاذ الطب النفسي – بأزمة جديدة تتمثل في نقص حاد في المخدر الذي يكشف «محمد عبد العزيز» المنسق الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات أن ٢٠ من سكان الوطن العربي (٤,٥% من سكان العالم) يتعاطونه وليس مصر وحدها بسبب «تحول الوطن العربي بأكمله إلى محطة لتجارة المخدرات، ونقلها إلى أوروبا عبر عصابات الجريمة المنظمة».. على حد قوله!

• محلل سياسي : اختفاء « الحشيش» من تدبير مسؤولين فاسدين يسعون إلى رفع أسعاره فيما بعد !

• رابطة محبي «الكيف » يسألون الحكومة على «فيس بوك»: هل لاختفائه علاقة بالانتخابات المقبلة؟!

• دراسة: ٥% من طلاب الجامعات الحكومية يتعاطون المخدرات التقليدية و ١٠% منهم يحتسون الكحوليات و ٧٠% يتعاطون أدوية تخليقية مدرجة في جداول المخدرات

• خبراء: الحكومة صادرت ٢٥ طن مخدرات العام الماضي ولم تحدث أزمة وعندما صادرت ١٢ طنًا هذا العام حدثت الأزمة.. فهل اختفى لاستغلاله في الانتخابات أم لأسباب تتعلق بالفساد وجشع التجار ؟!

• المركز القومي للبحوث: حجم تجارة المخدرات في مصر يتراوح بين ٤ و ٦ مليارات دولار سنويَا

• الأمم المتحدة: خسائر مصر بسبب المخدرات تعادل دخلها من السياحة أو نحو نصف رواتب الموظفين الحكوميين بها !

• البرلمان المصري: إنفاق المواطنين على المخدرات وصل إلى ١٨ مليار جنيه.. بنسبة تبلغ ١٠% من الدخل القومي !

الأزمة الجديدة – الطريفة من نوعها – قيل: إن سببها هو قيام وزارة الداخلية بشن حملات ضخمة على تجار المخدرات جرى خلالها ضبط ۱۲ طن حشيش؛ ما أدى إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار للضعف مما أزعج المدمنين الذين يعيشون بعيدًا عن المجتمع، ولا يريدون شيئًا من الحكومة سوى أن توفر لهم مخدر «الكيف»، حتى إن بعضهم حذر الحكومة ساخرًا من أن هؤلاء التائهين في المخدر من الطلاب والعاطلين والفقراء وغيرهم قد يسببون مشكلات لها لو أفاقوا من حالة الضياع التي هم فيها بسبب المخدر!

ويستبعد عدد من المراقبين والخبراء الأمنيين أن يكون اختفاء مخدر الحشيش بفعل عمليات التطهير الأمنية ويقولون إنه تم ضبط ۲۵ طن مخدرات العام الماضي ولم تحدث أزمة، فلماذا عندما صادرت الحكومة ۱۲ طنًا في الشهور الأولى من هذا العام حدثت هذه الأزمة واختفى الحشيش (!)، مرجحين أسبابًا أخرى قد تكون سياسية مثل اقتراب موسم الانتخابات التي يستغلها بعض مرشحي السوء في حشد أنصار لهم بتوزيع المخدرات عليهم، أو اقتصادية مثل جشع التجار ورغبتهم في «تعطيش» الأسواق لرفع أسعاره، أو لأعمال فساد وانحراف غير مفهومة .

ويقول محلل سياسي – طلب عدم ذكر اسمه حتى لا يربط اسمه بموضوع المخدرات في تفسيره للظاهرة: «إن بعض الناس يعتقدون أن اختفاء الحشيش هو من تدبير مسؤولين فاسدين يسعون إلى رفع أسعاره فيما بعد»، ويضيف: «إن الناس يعتقدون عمومًا أن الفساد مستشر في الحكومة والشرطة، فهناك انعدام ثقة كبير بين الطرفين»، ويقول آخر: إن الأمر ربما له علاقة بالانتخابات المقبلة في مصر والتي ستبدأ في شهر يوليو بانتخابات مجلس الشورى، ثم انتخابات مجلس الشعب في أكتوبر المقبل.

ويقول محللون سياسيون: إنه منذ قضاء قوات الأمن المصرية على نفوذ الجماعات الإسلامية في صعيد مصر (جنوبًا)، نما نشاط تجار المخدرات والبلطجية بشكل كبير، حيث كانت الجماعات تتصدى لهم ولأنشطتهم بالقوة الأمر الذي تحول تدريجيًا إلى ظاهرة خطيرة في قرية «النخيلة» التي جرت فيها مواجهات عنيفة بين تجار المخدرات والشرطة مع انحسار نفوذ الجماعات الإسلامية.

ولكن مصدرًا أمنيًا يُرجع مع هذا اختفاء الحشيش إلى قيام بعض التجار بتخزينه لتعطيش السوق تمهيدًا لرفع أسعاره، فيما تقول إحصاءات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات: إن خسائر دولة مثل مصر بسبب المخدرات قدرت في إحدى السنوات بما يعادل دخلها من السياحة (قرابة سبعة مليارات دولار ) أو نحو نصف رواتب الموظفين الحكوميين بها !

تقارير واحصاءات

ولبيان خطورة هذه الظاهرة، نشير إلى أن تقرير وزارة الداخلية السنوي الأخير لعام ٢٠٠٩م والخاص بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، أكد أن الحشيش مازال يمثل أكثر أنواع المخدرات انتشارًا وطلبًا من قبل المتعاطين بينما تراجع مخدر «البانجو» وانحسر بصورة واضحة ومعه مخدر الهيروين وأن عدد القضايا التي تم ضبطها العام الماضي بلغ ٤٢٦٤٢ قضية تم من خلالها ضبط ٤٥١٥٨ تاجرًا للمخدرات وحوالي ۱۰۷۵٨ كيلو حشيش و ٧٦٧٢١٣٨٢ قرص مخدر و ١٤٩ كيلو هيروين و ٦١٧٣٢ كيلو بانجو، بخلاف ٢٠٤ أفدنة مزروعة بالقلب، و ۲۳۲ فدانًا مزروعة بالخشخاش.

وتقول مصادر رسمية مصرية: إن حملة قادتها وزارة الداخلية خلال الأشهر الأولى من العام الحالي ۲۰۱۰م نجحت في ضبط أكثر من ٦ أطنان من مخدر الحشيش وأكثر من 8 أطنان من نبات البانجو المخدر، و ٥٦ كيلو جرامًا من مسحوق الهيروين، و ٣١ كيلو جرامًا من مخدر الأفيون، وتدمير زراعات مخدرة مساحتها ۳۸ فدانًا من القنب و ۵۱۷ فدانًا من الخشخاش وكشفت دراسة رسمية أعدت في عام ۲۰۰۷ م أن ٨٪ من ٨٠ مليونًا مصريًا يتعاطون المخدرات، خاصة نبات البانجو، وهو نوع من الماريجوانا، وكشف تقرير للمجلس القومي لمكافحة المخدرات أن نسبة المدمنين من المصريين وصلت إلى أكثر من 4 وتوضح أرقام سابقة أعلنها د. أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي أن الإحصاءات الرسمية أكدت أن أعداد متعاطي المخدرات في تزايد رهيب ومخيف، وأن هناك أكثر من مليوني حشّاش، و ١٢ ألفا يتعاطون الهيروين، ومليون يتعاطون مخدرات أخرى مثل «البانجو» و«الصليبة»، وخاصة في المرحلة العمرية من ١٢ إلى ١٩ سنة.

وأشارت دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر إلى تزايد إقبال شباب الأثرياء في مصر على المخدرات خصوصًا مخدرات الحشيش والماريجوانا والطوابع، وأن سن تعاطي هذه المخدرات يبدأ أحيانًا من ١٢ عامًا، وعللت ذلك بأنه نتيجة حالة الفراغ التي يعانون منها، وارتفاع مصروف الجيب الذي يحصلون عليه من أسرهم الغنية والذي يعادل راتب موظف كبير!

كارثة كبرى

وفي تقرير آخر للجنة الصحة بمجلس الشعب جاء أن ما ينفقه المصريون على المخدرات وصل إلى ۱۸ مليار جنيه بما يشكل %۱۰ من الدخل القومي لمصر .. وخلال ندوة علاج السموم والإدمان التي نظمها مركز البحوث بالتعاون مع الجمعية المصرية لعلاج السموم وأمراض البيئة قبل أربعة أعوام أعلن د. هاني الناظر الرئيس السابق للمركز القومي للبحوث أن حجم تجارة المخدرات في مصر يتراوح بين ٤ مليارات و ٦ مليارات دولار سنويًا، طبقا لإحصاءات المركز!

وحذر «الناظر» من زيادة حجم هذه التجارة، مشيرًا إلى أنها تهدد صحة وحياة ومستقبل الشباب المصري، وتسبب أضرارًا رهيبة للاقتصاد الوطني، وأشار إلى أن الإحصاءات كشفت عن وجود أكثر من ٢١ ألف طالب ثانوي يدمنون المخدرات وهناك دراسة أخرى أجراها صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي بمجلس الوزراء، بالتعاون مع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على عينة شملت ۱۹ ألف طالب وطالبة في الجامعات الحكومية كشفت أن 5% من طلاب الجامعات الحكومية يتعاطون المخدرات التقليدية، وأكثر من ١٠ منهم يحتسون الكحوليات، و ١٠ يدخنون السجائر.. أما الكارثة الكبرى فهي أن ٧٠ من الطلاب يتعاطون الأدوية التخليقية المدرجة في جداول المخدرات، وثلث هذه النسبة يتعاطونها بشكل منتظم.

تداعيات اجتماعية خطيرة

ورغم أن الأزمة تبدو طريفة في نظر العديد من أبناء الشعب المصري الذي يدمن السخرية والنكات السياسية ويربطها عادة بالكيف والمخدرات والمساطيل، فقد أبدى العديد من خبراء الإعلام وعلم الاجتماع قلقهم من حجم التعليقات والمناقشات للأزمة خصوصًا على المواقع الاجتماعية مثل موقع «فيس بوك».

وقالوا: إنه رغم أن جانبًا كبيرًا منها يدور في فلك الطرائف والسخرية العادية إلا أنه يعكس من ناحية أخرى التداعيات الاجتماعية الخطيرة التي تنتج عن هذه الظاهرة، وكيف أن هناك قرابة مليونين أو أكثر من الشباب المصري في خطر بسبب هروبهم من الواقع الأليم المتمثل في البطالة والفقر وعدم القدرة على بناء أسرة إلى الوقوع في أسر الإدمان وانتحارهم بتدمير أنفسهم، وتضاؤل مطالبهم من طلب العمل والزواج والبحث عن المستقبل إلى مجرد مطالبة الحكومة بتوفير المخدر لهم ولا يريدون منها شيئا غير ذلك!

وأنشأ العديد من المدمنين للحشيش مجموعات على فيس بوك ومنتديات الإنترنت يطالبون الحكومة المصرية والحكومات العربية بتوفير الحشيش ودعا بعضهم الحكومة إلى الإشراف على توزيعه لمنع ارتفاع أسعاره في السوق السوداء وطالبوا بسرعة تحرك المسؤولين لحل الأزمة، مؤكدين أنهم في حالهم وليس لهم مطالب من الحكومة سوى توفير الحشيش لأن الدماغ في «خطر» بحسب تعبير إحدى مجموعات «فيس بوك» (!)، ونافست هذه المجموعات مجموعات أخرى قديمة كانت تنادي بوقفة ضد الحشيش والإدمان.

وقد نشطت عدة مجموعات على فيس بوك للمطالبة بحل أزمة اختفاء الحشيش وارتفاع أسعار الموجود منه في الأسواق مثل: «مجموعة رابطة محبي الكيف في مصر» التي تتساءل: هل يستمر اختفاء الحشيش أم أنها «شدة ستزول؟» ومجموعة «الحشيش اختفى من القاهرة الكبرى وضواحيها» التي تردد شائعة أن الانتخابات المقبلة وراء اختفائه .

وتحت عنوان «الحملة الشعبية لتوفير الحشيش في مصر» انتقدت مجموعة أخرى ما أسمته الكساد في سوق المخدرات المصرية مما تسبب في رفع أسعار الكيف!...

فيما طالب أصحاب مجموعة «أين اختفى الحشيش؟» بوقفة احتجاجية – أمام مديريات الأمن «لتوزيع الموجود من الحشيش بأسعار مدعمة، على أن تكون هناك رقابة على  التوزيع حتى لا يتسرب إلى السوق السوداء وعصابات استغلال المواطنين»!

هروب من المشكلات!

ويقول خبراء: إن أزمة اختفاء الحشيش وما واكبها من تعليقات بعضها يبدو ساخرًا تكشف مع هذا عن حالة من الخلل  الاجتماعي والسياسي و الخطيرة، وعن هروب هؤلاء المدمنين من الطلاب والعمال وبعض صفوة المجتمع من مشكلاتهم المعيشية المتمثلة في البطالة وعدم القدرة على الزواج أو التعثر في مشکلات خاصة، إلى الإدمان والبعد عن المجتمع.

ويؤكد د. صفوت العالم أستاذ العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة القاهرة ل«المجتمع»: أن «مجموعة الشباب التي تطالب الحكومة بتوفير بعض أنواع المخدرات تسعى للهروب من مواجهة مشكلات الحياة اليومية التي تنوعت وزادت في الفترة الأخيرة.

ويطالب وسائل الإعلام بعدم الاهتمام بهذه المجموعات غير المعنية بقضايا المجتمع وعدم الترويج لها، خصوصًا أنها مجموعات سلبية تضر المجتمع، موضحًا أن اهتمام الإعلام بهذه المجموعات وعرض آرائهم تجعلهم في عرض مستمر لهذه المطالب.

ويقول د. صابر أحمد عبد الباقي الأستاذ بكلية الآداب جامعة المنيا: «إن للظاهرة جوانب متعددة اجتماعية واقتصادية وسياسية، ولحلها لا بد من العمل بشكل جاد على حل المعضلات متعددة الجوانب التي يعاني منها المواطن من سكن وتوفير العمل المناسب والحريات الديمقراطية وغيرها لتنقية الأجواء وتخليصها من الشوائب التي تشجع على الكثير من الظواهر والأمراض الأخلاقية والسلوكية السيئة ومن ضمنها ظاهرة تعاطي المخدرات».

ويوضح أن من الآثار الاجتماعية للإدمان على الأسرة نقل عادة التعاطي الأفراد الأسرة، وعدم توافر الأمان في محيط الأسرة، والتقتير في الإنفاق، والإسراف في شراء المخدر، وتزايد انحراف الأطفال وفقدان الأبناء للحب والحنان داخل الأسرة والتأخر الدراسي ويدعو د. عبد الباقي، إلى تشكيل لجنة متخصصة من كافة الجهات الرسمية والشعبية (صحية اجتماعية اقتصادية حقوقيين مفكرين مؤسسات شعبية من اندية وجمعيات مهنية ونسائية ... إلخ) تشارك في الكشف عن الأسباب الحقيقية للمشكلة ووضع الحلول بشكل جماعي، بحيث تتناول مختلف جوانب المشكلة مع توفير حرية البحث العلمي ووضع الدراسات العلمية التي تتناول المشكلة من جوانبها الاجتماعية والنفسية .

القاهرة : محمد جمال عرفة

الرابط المختصر :