; أزمة باراك تجسد سياسة التخبط والارتجال | مجلة المجتمع

العنوان أزمة باراك تجسد سياسة التخبط والارتجال

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

  • خبراء سياسيون صهاينة بعد عام ١٩٦٧ تردي التفكير الاستراتيجي في إسرائيل بصورة كبيرة.. خمسة عوامل تقف وراء ذلك

  • الكيان الصهيوني يعاني من غياب التخطيط الاستراتيجي 

عند الحديث عن التفكير والتخطيط الاستراتيجي، فإن المثال المفضل عند العرب للإشارة إلى أهمية هذا الموضوع هو المشروع الصهيوني الذي نجح بفعل امتلاكه رؤية استراتيجية، وهدفًا استراتيجيًا واضحًا لتحقيق تطلعاته وطموحاته وأهدافه، فهل كان القادة الصهاينة مفكرين استراتيجيين بالفعل؟ وهل أداروا الأمور طوال العقود السابقة وفق رؤى استراتيجية محكمة؟

وكيف يمكن التوفيق بين ذلك وبين التخبط السياسي الذي يسيطر على الحالة السياسية الصهيونية القائمة اليوم؟ وهل حسم القادة الصهاينة خياراتهم الاستراتيجية تجاه عملية التسوية؟ وهل يخططون استراتيجيًا للحرب أم للسلام في المرحلة القادمة؟ 

يرى الباحثون في تاريخ الحركة الصهيونية التي نشأت عمليًا عام ۱۸۹۷م في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا أنها انطلقت كحركة ثورية بهدف إحداث تغيير ثوري جذري في التاريخ اليهودي الحديث بإقامة دولة يهودية مستقلة في «أرض الميعاد» ويضيفون أن هذا الهدف الاستراتيجي الذي حددته الحركة الصهيونية وبدا كحلم قبل مائة عام، قد تحقق بالفعل عام ١٩٤٨م، وكان للتفكير والتخطيط الاستراتيجي الذي اتبعه القادة الصهاينة الأوائل دور مهم في تحقيق هذا النجاح.

ولكن هل كان هؤلاء القادة مؤهلين في علوم «الاستراتيجية» ويملكون قدرات مهنية في هذا المجال؟ وهل اتبعوا أسسًا علمية في وضع خططهم من خلال مراكز دراسات وأبحاث مختصة؟

الباحثون في تاريخ الصهيونية يقولون إن قادة الحركة الصهيونية لم يستخدموا مصطلح التخطيط الاستراتيجي في عملهم آنذاك، ولم يقوموا بإنشاء مراكز أبحاث تعد خططًا استراتيجية وتقوم بتأهيل متخصصين، كما أنهم لم يكونوا مهنيين في السياسة، أو مخططين استراتيجيين، بل كانوا مجرد مثقفين من مهن متنوعة، ولكن ما ميزهم أنهم دمجوا في أنفسهم بين الحلم البعيد والحس التكتيكي الجيد».

غير أن الدارسين لمسار التفكير الاستراتيجي الصهيوني يشيرون إلى نقطة مهمة ساعدت قادة الصهيونية الأوائل في العمل وفق رؤية استراتيجية، وهي محدودية القرارات الحرجة التي كانوا بحاجة لاتخاذ مواقف حازمة إزائها كشراء الأراضي وسياسة الاستيطان والموقف من مشاريع وقرارات التقسيم، حيث تمكن القادة من التعامل مع هذه القضايا واتخاذ قرارات تنسجم مع الهدف والمخطط الاستراتيجي.

ويعد بن جوريون رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأول من أبرز الذين عملوا على الصعيد الصهيوني وفق رؤية استراتيجية واضحة، كما أصر على المضي قدمًا وفق هذه الرؤية لتحقيق هدف إقامة الدولة اليهودية، وهو ما يعد دورًا مهمًا في تحقيق الهدف وعدم الانحراف أو التردد عن الوصول إلى الغاية.

نكسة استراتيجية بعد عام ١٩٦٧م

وكما يرى الدارسون الصهاينة، فإن ذلك النهج ظل قائمًا لدى الحركة الصهيونية منذ نشأتها وإلى ما بعد قيام الدولة، رغم النواقص التي اعترت هذا التفكير، ولكن الأمور تغيرت بعد عام ١٩٦٧م، وتدهورت على وجه السرعة كما يقول الباحث الصهيوني في مركز ارئيل للدراسات يحزكيل درور الذي تحدث عن تدهور وانعدام التفكير الاستراتيجي الأعلى الذي يتناسب والواقع الجديد بعد عام ١٩٦٧م، وهو ما أدى إلى عدم توفير الأسس التوجيهية اللازمة لاتخاذ قرارات حاسمة وسريعة عند المنعطفات الحرجة، وقد جاءت حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م لتحدث هزة عنيفة في الكيان الصهيوني أيقظته من سباته، وأظهرت خطورة غياب هذا التفكير الاستراتيجي الأعلى.

ولكن ما أسباب هذا التدهور في التفكير والتخطيط الاستراتيجي في وقت يفترض أن تكون الأدوات اللازمة لوجوده متوافرة بصورة أكبر من الماضي؟ يجيب عن هذا السؤال يحزكيل وباحثون آخرون ملخصين الأسباب فيما يلي:

أولًا: أن الانتصار الكبير الذي حققه الكيان الصهيوني عام ١٩٦٧م والذي حوله إلى قوة إقليمية كبيرة في المنطقة أشعر القادة السياسيين بقدر كبير من الغرور، فلم يعودوا يشعرون بضرورة تكليف أنفسهم عناء تطوير التفكير والتخطيط الاستراتيجي.

ثانيًا: بروز ظروف مستجدة معقدة تستدعي اتخاذ قرارات حاسمة دون توافر رؤية مستقبلية واضحة.

ثالثًا: احتدام الخلافات السياسية والتنافس بين الأحزاب والرموز، وهو ما أدى إلى شروحات أيديولوجية وسياسية جعلت من الصعب الاتفاق على رؤية استراتيجية واعدة.

رابعًا: عدم وجود هيئة أو منظمة تشرف على التعليم والتأهيل المتقدم في التفكير والتخطيط الاستراتيجي الأعلى.

خامسًا: نقص العلم الذي يتيح تفكيرًا استراتيجيًا نوعيًا في مسائل معقدة في ظل أوضاع متسارعة جدًا.

وبسبب هذه العوامل الخمسة تراجع التخطيط الاستراتيجي، وبات يجري على مستويات متردية ولا ينطوي على الكثير من الفائدة العملية، ونتيجة لذلك يرى الباحثون الصهاينة أن «عملية اتخاذ القرارات على المستويات العليا للحكم تجري أكثر فأكثر على نحو مناهض للتفكير الاستراتيجي بعيد المدى».

وقد حاول بعض المعارضين لهذه النظرة المتشائمة عن آلية اتخاذ القرار السياسي في الكيان الصهيوني تبرير هذا التراجع في التفكير الاستراتيجي بأنه لا يقتصر عليه وحده وأن ضعف هذا التفكير والتخطيط مشكلة يعاني منها معظم بلدان العالم بسبب التعقيد المتعاظم للمسائل السياسية والاستراتيجية ويقولون إن الولايات المتحدة نفسها تعاني إشكالية في هذا المجال، حيث غدا التفكير الاستراتيجي فيها متقطعًا.

ولكن هذا التبرير لم يكن مقنعًا لكثير من الباحثين الصهاينة الذين يعترفون بوجود إشكالات حقيقية تواجه التخطيط الاستراتيجي، ولكنهم يؤكدون خطورة غياب أو تراجع هذا التخطيط، وحاجة الصهاينة إلى نوع من الثورة في طرق التفكير الاستراتيجي.

اقتراحات وتوصيات: وفي ضوء المتغيرات المتسارعة في المنطقة يرى خبراء صهاينة أن المشكلة الاستراتيجية الأساسية التي تواجه الكيان الصهيوني في المرحلة القادمة وتقف أمامه هي: كيف يمكن ضمان بقاء الدولة واستمرارها على المستوى البعيد في سياق الشرق الأوسط ومحيطه؟ ويرى هؤلاء الخبراء أن الكيان الصهيوني أمام مراهنة مصيرية مع التاريخ، وأن عليه الحيلولة دون انفجار عنيف وجدي يوجه ضده في المستقل. 

ويطرحون في هذا السياق عددًا من الأسئلة منها: هل التنازل عن أراض مقابل السلام هو الذي يخدم المصلحة العليا على المدى البعيد؟ وهل يمكن الاعتماد على النظام الدولي والقوى العظمى في تقليص حجم العنف في المنطقة؟ وماذا يمكن عمله في ضوء الأخطار غير التقليدية من جانب دولة مجنونة؟ 

ويطرح هؤلاء الخبراء عددًا من الأسس المهمة للمباشرة في التخطيط الاستراتيجي للمرحلة القادمة من أهمها:

1-الأخذ بعين الاعتبار الدوافع التاريخية العميقة بدل التركيز العادي على الظواهر السطحية.

2-النظر في المسائل المختلفة من خلال نظرة نظامية شمولية تأخذ بعين الاعتبار العلاقات المتبادلة بين جملة واسعة من العناصر والمسائل في إطار دينامية عالمية شاملة.

3-التركيز على الواقع الجغرافي الاستراتيجي والجغرافي الثقافي في المنطقة ومحيطها القريب، وعدم المراهنة كثيراً على إمكان نشوء شرق أوسط جديد في المنطقة.

4-أن يعالج التفكير الاستراتيجي فترة زمنية طويلة المدى تصل إلى نحو ٥٠ سنة وفحص كل البدائل المتاحة التي تحقق احتياجات الكيان الصهيوني الأمنية.

5-إتاحة المجال للمخططين الاستراتيجيين للوصول إلى المعلومات المهمة التي بدونها يصعب إمكان الخروج بتفكير وتخطيط استراتيجي على مستوى مهني متقدم.

6-وفيما يتعلق بمواصفات المخططين الاستراتيجيين فأهمها أن يكونوا خبراء بتكنولوجيا الحرب، والمعرفة الجيدة بالتفكير في مجال القيادة، وأن يكونوا من الضالعين في الإمكانات الكامنة للأسلحة الأمنية في الدولة من زاوية فنية واقتصادية.

مراهنات غامضة

يعترف الباحثون الصهاينة بصعوبة التعامل مع أوضاع مستجدة في منطقة متحركة كمنطقة «الشرق الأوسط» وفق احتمالات بعيدة المدى، نتيجة حالة «عدم اليقين» تجاه المستقبل، ويعترفون كذلك بأن الكيان الصهيوني يقف هذه الأيام أمام قرارات حرجة للغاية سيكون لها آثار كبيرة على المستقبل ولن يكون من السهل إلغاؤها، بل ويدركون أنه يقف على مفترق طرق سيؤدي الخطأ فيه مهما كان صغيرًا إلى تداعيات خطيرة واسعة، ولكنهم يرون أن التفكير والتخطيط الاستراتيجي هو الذي يوفر القدرة على التصدي للاحتمالات غير المتوقعة مسبقًا ويرون أن كل رسم للسياسة ينطوي على مراهنات سياسية غامضة بسبب عدم يقين محتم وتقلب متسارع في المتغيرات. 

ويقدم الباحثون الصهاينة جملة توصيات تساعد على تجاوز حالة التدهور في التخطيط الاستراتيجي، وأهمها:

  1. إقامة طاقم قيادي للأمن القومي تحت مسؤولية رئيس الوزراء.

  2. إعادة تنظيم هيئات التخطيط السياسي في المؤسسة الأمنية والمؤسسات والمراكز المختلفة.

  3. تعزيز وزيادة دور مخازن التفكير التي تعني بالتفكير الاستراتيجي، وإقامة معهد وطني للبحث والتطوير مشكل من ٣٠ – ٥٠ مهنيًا متخصصًا.

  4. تأهيل متقدم لمختصين في التخطيط الاستراتيجي.

  5. تعميق التفكير الاستراتيجي وفي أوساط النخب السياسية، وبالذات في موقع السلطة.

  6. إنشاء مركز لإدارة الأزمات في رئاسة الوزراء.

ويخلص الخبراء إلى أن الأزمات هي القاعدة في الشرق الأوسط، وهي تشكل سياقًا مهمًا لاتخاذ القرارات السياسية الأمنية، وبدون تخطيط استراتيجي أعلى، فإن الارتجال هو الذي سيسود قرارات السياسيين كما يحصل الآن، حيث يعبر باراك بوضوح عن سياسة التخبط والارتجال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

248

الثلاثاء 14-أبريل-1970

لِمن تُدق الأجْراس في تل أبيْب؟!

نشر في العدد 17

123

الثلاثاء 07-يوليو-1970

اليهود في روسيا

نشر في العدد 35

88

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

يوميات المجتمع (35)