; أزمة علم الاجتماع | مجلة المجتمع

العنوان أزمة علم الاجتماع

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988

مشاهدات 77

نشر في العدد 862

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 12-أبريل-1988

يغيب عن أذهاننا -نحن المسلمين- أننا نُلقّن طلابنا وطالباتنا في جامعاتنا دينًا جديدًا اسمه علم الاجتماع، يحصلون فيه على الدرجات العلمية بدءًا من الليسانس أو البكالوريوس وحتى الدكتوراه، وهو دين جديد يتلقونه وهم يدرسون أسس العلم ممثلًا في نظرياته التقليدية لسان سيمون وأوجست كونت ودوركايم، أو في نظرياته الحديثة لرايت ميلز وجولدنر وبوتومور وجون ركس وغيرهم.

ويسعد أساتذة الاجتماع -في بلادنا- باكتشافهم ما يسمى بحركة التجديد والنقد في علم الاجتماع التي قلبت نظرياته ومناهجه، أو كما يتوهمون أنه يُخبِر بثورة من الداخل تحاول أن تغير الأسس التي يقوم عليها بناؤه التقليدي أو يصحح مساره، بحيث يحدد من أساليب تناوله لمعطيات الواقع الاجتماعي ويتخلى عن أهدافه التقليدية فتصبح أكثر إنسانية، وهو ما يطلقون عليه «أزمة علم الاجتماع».

وواقع الحال أنه ليس هناك ما يسمى بأزمة علم الاجتماع، وإنما هي مرحلة انتقالية وصفها داينز بأنها مرحلة نحو خلق معتقدات جديدة، بدلًا من المعتقدات القديمة التي فشلت فشلًا ذريعًا بعد أن انهار المجتمع الأوروبي في القرن التاسع عشر بكل نظمه وأفكاره ومقدماته وانتماءاته الاجتماعية، ونمت فيه الفردية مصحوبة بإيمان يقضي بأسبقية الفرد على المجتمع والقيم والقوانين، وبعد رفضهم لدينهم كأسلوب لتنظيم حياتهم ومجتمعاتهم، ظهر علم الاجتماع كدين جديد بدلًا من الدين المقضي عليه، وعبرت عن ذلك مدام دي ستيل في فرنسا بقولها: "لقد بدأ المجتمع يتوق إلى كهانة جديدة تستطيع أن تفي بوظائف الكنيسة."

وقال سان سيمون -وهو الأصل الذي انبثقت منه مختلف الاتجاهات في علم الاجتماع-: «إن العالم الجديد سوف يحتاج إلى الدين كما يحتاج إلى العلم، والدين الجديد دين علماني مبني على الفلسفة الوضعية والعلم».

ويتطلب كل نظام عند أوجست كونت -مؤسس العلم عندهم- وجود دين وعقيدة، لهذا دعا كونت صراحة إلى دين جديد رسله هم علماء الاجتماع. وعلى هؤلاء العلماء أن يسهروا على أخلاقيات النظام الجديد المنشود، وعلى علم الاجتماع نفسه أن يخضع لهذه الأخلاقيات لأنها هي التي ستوجه مشاعر الناس وأحاسيسهم، وسوف تخضع تلك المشاعر والأحاسيس لنوع جديد من الطقوس يشعر الناس من خلالها أنهم مرتبطون بكل شيء خير، وسيصبح علماء الاجتماع كما قال كونت هم كهنة هذا الدين، ويقول إنهم سيلتزمون التزامًا صارمًا بالابتعاد عن توجيه الشؤون الدنيوية التي سيتركون أمرها لرجال الصناعة والبنوك، لكنهم سيقومون بالإشراف على الحياة الفكرية والأخلاقية، وسيصبح علم الاجتماع هو التربية الشاملة لكل أفراد المجتمع.

كان علماء الاجتماع في هذه المرحلة الأولى يعالجون الدين كمجال يحتاج إلى بيان عملي، ولهذا كرس سان سيمون وكونت جهودهما لوضع خطط تفصيلية لديانات إنسانية جديدة، ونظرًا إلى خططهما الدينية كمشروعات للدارسين ولأنفسهم في الوقت نفسه، فكان دين الإنسانية هو علم الاجتماع التطبيقي عندهم.

ولما فشل دين الإنسانية واختفى كبناء متميز في عمل علماء الاجتماع، ظهر ما يسمى بعلم الاجتماع الديني الذي حل محل دين الإنسانية، ومن ثم نجحت عملية خلق أديان جديدة عن طريق دراسة الأديان الموجودة أو التاريخية.

وإذا انتقلنا من أوروبا إلى الولايات المتحدة فستجد أن علم الاجتماع مر في تطوره بثلاث مراحل، يرى العلماء الأمريكيون أنها عايشت مختلف المشكلات التي ارتبطت بتنظيم أي دين، وأن علم الاجتماع كدين جديد قد حدثت له تغيرات في أبنيته ومعتقداته تبعًا لطبيعة المشكلات التي يواجهها، فمجموعة المعتقدات التي جذبت المؤمنين الأوائل تختلف بالطبع عن تلك التي تجذب المؤمنين الجدد، هكذا كان شأن هذا الدين الجديد -علم الاجتماع- كما كان الحال في اليهودية والنصرانية.

المرحلة الأولى (1883-1917)

كانت الأيديولوجية التي سيطرت على علم الاجتماع في هذه المرحلة أنه علم احتلامي، وحينما تخلى البروتستانت عن أفكارهم التقليدية في إنقاذ الإنسان دخل علم الاجتماع ليقدم بدائل أخلاقية، كان المؤمنون الأوائل يسعون إلى أن يجعلوا العالم كله مسيحيًا، لكن هذه الدوافع قد تحولت إلى أهداف علمانية طموحة تركزت حول التعليم العالي وخلق علم جديد للسلوك الإنساني، ومن ثم أوجد علم الاجتماع لنفسه موطئ قدم في الكليات ذات الأصل البروتستانتي، ولم يحن عام 1910 إلا وقد دخل علم الاجتماع معظم الكليات الأمريكية.

المرحلة الثانية: (1917-1945)

تميزت هذه المرحلة بسيادة دور علم الاجتماع كعلم أكاديمي داخل الجامعات. ولما كانت العلوم البيولوجية والطبيعية تحظى باحترام أكاديمي عالٍ، خشيت العلوم الإنسانية من منافستها فسيطر على المناخ السائد أسطورة علم الاجتماع -كعلم- وأصبحت فكرة علم اجتماع كعلم إصلاحي ورقة غير رابحة، وبذلت المحاولات لإيجاد المناهج التي تضمن لعلم الاجتماع مكانته كعلم، وأهمل الجيل الثاني ما سعى إليه الجيل الأول. ونظر إلى المرحلة الأولى على أنها مرحلة «قبل علمية» في تطور العلم؛ وذلك سعيًا لكسب الاحترام. ومن ثم تحولت الدوافع الإصلاحية إلى محاولة إعادة صياغة العالم عبر علم الاجتماع، ونظر الأكاديميون الآخرون إلى علماء الاجتماع على أنهم طائفة جديدة من الناس تلبس ثوب الدين، وكانوا يذكرونهم دائمًا بهويتهم الطائفية هذه.

المرحلة الثالثة 1946 إلى الآن:

تميزت هذه المرحلة بتنوع كبير في مدارس علم الاجتماع وفي توجيهاته النظرية والمنهجية، وصاحب هذه المرحلة توسعًا في فتح الجامعات وأقسام الاجتماع بالتالي وازداد أعضاء الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع، فوصل في عام 1968 إلى 12 ألف عضو، مما أدى إلى صعوبة الاتفاق بين الأعضاء في الميدان الواحد.

ويعلق العلماء الأمريكيون الذين يتابعون حركة علم الاجتماع كدين جديد في الولايات المتحدة قائلين: «لقد كان لعلماء الاجتماع كطائفة تلبس ثوب الدين نظرة منحرفة للعالم، كانوا يعتقدون أنها صحيحة وحاولوا إقناع الآخرين بصدقها. وواقع الأمر أنهم لم يحققوا أي نجاح في هذا الإقناع خارج قاعات المحاضرات، وكانوا يغطون فشلهم المستمر بمحاولات تنظيم أنفسهم وعرض المكتسبات التي حققتها جماعتهم في نشر عقيدتها. كما كتبوا العديد من المقالات عن مغامراتهم الناجحة في هداية الوثنيين. وبذلوا جهودهم في توثيق ما يقولون في صورة عقد محاضرات ومؤتمرات وندوات ولقاءات سنوية لإقناع أنفسهم بذلك. وصدق علماء الاجتماع مع بداية الستينيات الأساطير التي نسجوها حول أنفسهم، خاصة مع تزايد فرص العمل أمامهم ومع توافر ميزانيات للبحوث وفتح أقسام جديدة لعلم الاجتماع».

ولم يكن هذا النجاح الذي حققوه إلا انعكاسًا لفشل حقيقي، فكان لا بد لهم من البحث عن كبش فداء يلقون اللوم عليه، فمرة يجعلونه في فساد مؤسساتهم وجمعياتهم، ومرة يجعلونه في فساد التوجيه النظري للعلم، ومرة يجعلونه في فساد الجامعات نفسها، وصاغوا كل ذلك فيما أسموه بأزمة علم الاجتماع، التي لم تكن في حقيقة الأمر سوى مرحلة انتقالية نحو معتقدات جديدة بدلًا من المعتقدات القديمة الخاصة بهذا الدين الجديد.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 120

96

الثلاثاء 03-أكتوبر-1972

مسابقة المجتمع (4)

نشر في العدد 492

471

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

معنى العيد في علم الاجتماع

نشر في العدد 293

146

الثلاثاء 30-مارس-1976

حركية المسلم