; فتاوى (833) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوى (833)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

مشاهدات 53

نشر في العدد 833

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 08-سبتمبر-1987

أسئلة القراء واستفساراتهم حول قضايا: الجن والسحر وما شابهها، لا تكاد تتوقف.. وفي هذا العدد نتيح الفرصة لأهم الأسئلة التي ترد في هذا المجال، حيث يجيب عليها فضيلة الشيخ عمر سليمان الأشقر، الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الكويت.

العرافون والمنجمون

* والدتي دائمة التردد على العرافين والمنجمين.. وكثيرًا ما نصحتها بعدم الذهاب إليهم، إلا أنها تقول: إن تجاربها الكثيرة أثبتت صحة ما يقولوه!... فما هو تفسيركم لصحة تنبؤاتهم؟... وما الحكم الشرعي في إتيانهم وتصديقهم؟

الإجابة:

قد يزعم قائل إن العرافين والكهنة والمنجمين يصدقون أحيانًا، والجواب: إن صدقهم في كثير من الأحيان يكون من باب التلبيس على الناس، فإنهم يقولون للناس كلامًا عامًا يحتمل وجوهًا من التفسير، فإذا حدث الأمر فإنه يفسر لهم تفسيرًا يوافق ما قال.

وصدقهم في الأمور الجزئية إما إنه يرجع إلى الفراسة والتنبؤ، وإما أن تكون هذه الكلمة الصادقة مما خطفه الجن من خير السماء.. ففي الصحيحين ومسند أحمد عن عائشة، قالت: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكهان؟ فقال «ليسوا بشيء». فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة». وإذا كانت القضية التي صدق فيها من الأمور التي حدثت كمعرفته بالسارق، أو معرفته باسم الشخص الذي يقدم عليه لأول مرة وأسماء أبنائه وأسرته، فهذا قد يكون بحيلة ما، كالذي يضع شخصًا ليسأل الناس وتكون عنده وسيلة لاستماع أقوالهم قبل أن يمثلوا بين يديه، أو يكون هذا من فعل الشياطين، وعلم الشياطين بالأمور التي حدثت ووقعت ليس بالأمر المستغرب.

ويرى ابن تيمية أن سؤال الكهنة بقصد امتحان حالهم، واختبار باطنهم، ليميز صدقهم من كذبهم، جائز، واستدل بحديث الصحيحين: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل ابن صياد، فقال: ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب. قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء، قال: فإني قد خبأت لك خبيئًا، قال: الدخ، الدخ.. قال: اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان» فأنت ترى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سأل هذا الدعي ليكشف أمره ويبين للناس حاله.

وأما إذا تعدى الأمر إلى استفتاء أدعياء الغيب، فإن الجريمة تصبح من العظم بمكان، ففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». وتصديق هؤلاء كفر كما في المسند عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد».

وبذلك يعلم عظم الخطأ الذي يقع فيه عوام الناس باعتقادهم أن بعض البشر كالعرافين والكهان يعلمون الغيب، فتراهم يذهبون إليهم يسألونهم عن أمور حدثت من سرقات وجنايات، وأمور لم تحدث مما سيكون لهم ولأبنائهم، ولقد خاب السائل والمسؤول، فالغيب علمه عند الله لا يظهر الله عليه إلا من شاء من عباده الصالحين: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجن: 26-28).

هل سحر «اليهود» الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

* هل سحر «اليهود» الرسول صلى الله عليه وسلم؟!... وما تفسيركم -في حالة صحة الرواية- لهذه الحادثة من حيث خدشها بالنبوة؟!

الإجابة:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق، يقال له لبيد ابن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله.. حتى إذا كان ذات يوم، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا- أي دعا ربه مرات- ثم قال:

يا عائشة أشعرت أن الله أفناني فيما استفتيته فيه؟ «أي أجابني فيما طلبت» جاءني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي... فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي:

- ما وجع الرجل؟

- قال: مطبوب «أي مسحور».

- قال: من طبه؟

- قال: لبيد بن الأعصم.

- قال: في أي شيء؟

- قال: في مشط ومشاطة -أي شعر عند التسريح- وجف طلعة ذكر «أي غشاء الطلع».

- قال: فأين هو؟

- قال: في بئر ذي اروان.

- قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم قال: يا عائشة، والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين.

- فقلت: يا رسول الله، أفلا حرقته؟

- قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا، فأمرت به «فدفنت» انتهى الحديث.

ولا يقال: إن السحر فيه صلى الله عليه وسلم يوجب لبسًا في النبوة والرسالة، لأن أثر السحر لم يتجاوز ظاهر الجسم الشريف، فلم يصل إلى القلب والعقل. فهو كسائر الأمراض التي قد تعرض له، والتشريع محفوظ بحفظ الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

زواج الأنس من الجن!

* نسمع -أحيانا- عن زواج الأنس من الجن أو العكس.. فما مدى صحة ذلك؟.. وهل يعد جائزًا شرعًا؟

الإجابة:

يقول ابن تيمية «المجموع 19/39»: «وقد يتناكح الأنس والجن ويولد بينهما ولد. وهذا كثير معروف» ... وعلى فرض إمكان وقوعه، فقد كرهه جمع العلماء كالحسن وقتادة وإسحاق، والإمام مالك -رحمه الله- لا يجد دليلًا ينهي عن مناكحة الجن، غير إنه لم يستحبه، وعلل ذلك بقوله:

«ولكني أكره إذا وجدت امرأة حاملة، فقيل: من زوجك؟ قالت: من الجن.. فيكثر الفساد».. وذهب قوم إلى المنع من ذلك، واستدلوا على مذهبهم بأن الله امتن على عباده من الأنس بأنه جعل لهم أزواجًا من جنسهم: 

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) ... ولو وقع الزواج من الجن، فلا يمكن أن يحدث التآلف والانسجام بين الزوجين لاختلاف الجنس، ولا يتحقق السكن والمودة المشار إليهما في الآية الكريمة، وتصبح الحكمة من الزواج لاغية.

وعلى كل، فهذه مسألة يزعم بعض الناس وقوعها في الماضي والحاضر، فإذا حدثت فهي شذوذ -قلما- يسأل فاعلها عن حكم الشرع فيها.. وقد يكون فاعلها مغلوبًا على أمره لا يمكنه أن يتخلص من ذلك... ومما يدل على إمكان وقع التناكح بين الأنس والجن أن حور الجنة قال الله فيهن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (الرحمن: 56)-، فدلت الآية على صلاحيتهن للأنس والجن على حد سواء.

الحيات والجن

* فوجئت ذات يوم بوجود «حية» في البيت وأردت أن أقتلها، ولكن شخصًا أعرفه نهائي عن ذلك، وقال لي: إنها من الجن!؟.. فهل من توضيح حول هذه المسألة؟

الإجابة:

تتشكل الجان بشكل الحيات وتظهر للناس، ولذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل جان البيوت، خشية أن يكون هذا المقتول جنيًا قد أسلم، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان» ... وهناك بعض التنبيهات بخصوص هذه القضية:

1- هذا الحكم، وهو النهي عن قتل هذه الحيوانات خاص بالحيات دون غيرها.

2- وليس كل الحيات، بل الحيات التي نراها في البيوت دون غيرها، أما التي تشاهد خارج البيوت فنحن مأمورون شرعًا بقتلها.

3- إذا رأيت حيات البيوت فنؤذنها -أي نأمرها بالخروج-، كأن نقول: أقسمت عليك بالله أن تخرجي من هذا المنزل، وأن تبعدي عنا شرك وإلا قتلناك، فإن رؤيت بعد ثلاثة أيام قتلت.

4- والسبب في قتلها بعد ثلاثة أيام أننا نكون قد تأكدنا أنها ليست جنًا مسلمًا، لأنها لو كانت كذلك لغادرت المنزل، فإن كانت أفعى حقيقية فهي تستحق القتل، وإن كانت جنًا كافرًا متمردًا فهو يستحق القتل، لأذاه وإخافته أهل المنزل.

5- يستثنى من جان البيوت نوع يقتل بدون استئذان، ففي صحيح البخاري عن أبي لبابة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقتلوا الجنان، إلا كل أبتر ذي طفيليتين، فإنه يسقط الولد، ويذهب البصر، فاقتلوه».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1710

86

السبت 15-يوليو-2006

فتاوى المجتمع- العدد(1710)