العنوان أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة (١٢)- إحسان استخدام اللغة في الحياة اليومية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988
مشاهدات 107
نشر في العدد 870
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 14-يونيو-1988
لا بد للقائم من
الالتزام بمواصفات السمت الإيماني والأخذ بالعزائم وتمثل الخصال العالية ليكون
قدوة لمن معه.
في العدد
الماضي، ناقش فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين في الأسلوب الثامن: تهيئة المناخ
الوظيفي للعمل والعطاء، وفي الأسلوب التاسع: الاتصال بالقرآن والسنة.
وفي هذا العدد
يتابع فضيلته في الأسلوب العاشر والأخير: إحسان استخدام اللغة في الحياة اليومية.
الأسلوب العاشر
تعتبر اللغة
أضخم أداة اتصالية عرفها الإنسان، وهذه تكون لفظية مباشرة، وقد تكون غير مشافهة
وغير مباشرة.
وصاحب الدور
القيادي ينبغي أن يكتسب النوعين ويتعلمهما فبهما يستطيع الاتصال، وبهما يستطيع
الانتقال. ولهذا يشير القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ﴾ (إبراهيم:4)، وفي طلب موسى عليه السلام
خير دليل: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ
رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ (القصص:34).
ومن الأمور التي
تساعد على فصاحة اللسان ويغفل عنها الناس الإخلاص في القول كما قيل: "كن
صحيحًا تكن فصيحًا". والقائد كما يحرص على سلامة قوله يكون أشد حرصًا على
عمله، قال مالك بن دينار: «تلقى الرجل ولا يلحن حرفًا وعمله لحن كله». وهنا نعرج
على بعض الصفات التي من خلالها يُعرف مقدار الصفات القيادية عند الأفراد فيتم
اختيارهم بحسبها مع مراعاة الطاقة الاستيعابية لمراكز التوجيه والتكوين، وهذه
الصفات هي:
1. العلم على وجه العموم، وظهور المواهب على وجه
الخصوص.
2. قوة الجسم وكمال البنية «وزاده بسطة في الجسم
والعلم».
3. القدرة على تجميع الناس من حوله.
4. لين الجانب وعدم الغلظة في القول والفعل، مع
توفر الشجاعة والكرم، والنظر الثاقب.
قيل لكسرى ذي
الأكتاف، وكان ضابطًا لمملكته: "بمَ ضبطت ملكك؟" قال: "بثماني
خصال: لم أهزل في أمر ولا نهي، ولم أخلف وعدًا ولا وعيدًا، ووَليت للغنى لا للهوى،
وعاقبت للأدب لا للغضب، وأوطأت قلوب الرعية الهيبة من غير ضغينة، وملأتها محبة من
غير جرأة، وأعطيتها القوت، ومنعتها الفضول."
5. الحكمة والاتزان العاكسة لحسن التصرف في
المواقف.
6. اللباقة وحسن الأخذ والعطاء والطلب، وقد قيل
في ذلك أن سوار بن عبد الله بن سوار القاضي كتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر
قائلًا:
لنا حاجة والعذر
فيها مقدم *** خفيف ومعناها مضاعفة الأجر فإن تقضها فالحمد لله ربنا *** وإن تكن
الأخرى ففي أوسع العذر على أنه الرحمن معط ومانع *** وللرزق أسباب إلى قدر يجري
فأجابه محمد بن
عبد الله بن طاهر:
فسلها تجدني
موجبًا لقضائها *** سريعًا إليها لا يخالطني فكر شكور بإفضالي عليك بمثلها *** وإن
لم تكن فيما حوته يدي شكر
فهذا قليل للذي
قد رأيته *** لحقك لا منٌّ لدي ولا فخر
7. الرحمة والصبر والحلم والتروي، والحسم والحزم
وعدم التردد.
8. الالتزام بمواصفات السمت الإيماني والأخذ
بالعزائم، فتمثل القائد في نفسه بالخصال العالية يلبسه ثوب القدوة لمن معه. روى
سفيان بن عيينة عن مالك بن معن، قال: قال عيسى عليه السلام: "جالسوا من
تذكركم بالله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله."
9. عنده القدرة على رد الشبهات المثارة حول دينه
ومبادئه.
10. أن يكون واعيًا للواقع الذي يعيشه.
11. الصلابة في تحمل التكاليف، والقدرة على متابعة
الأفراد بالتوجيه.
12. القدرة على الإبداع وحب العمل، يقول ج. كورتوا:
"يؤدي عدم حب العمل إلى الروتين، ويحطم المزايا والاندفاع ويجعل الجهود
المبذولة عقيمة."
13. تمثل الجدية، فإنه ليس في الحياة شيء بدون ثمن
ولا ثمار بدون عناء، وتُقدّر قيمة الأشياء بمقدار الجهد المبذول للحصول عليها.
فالمسلم مطلوب منه أن يبذل السبب والنتائج يكرم الله بها عباده، روي عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث
لا يحتسبون».
14. القدرة على كسب قلوب من حوله والسعي في حوائجهم
قال الحارثي:
وما روضة علوية
أسدية *** منمنمة زهراء ذات ثرى جعد سقاها الندى في غفلة الدهر نوءها *** فنوارها
يهتز كالكوكب السعد
بأحسن من حر
تضمن حاجة *** لحر فأوفى بالنجاح والرفد
15. القدرة على معرفة نفسيات الأفراد واستيعابها،
يقول ج. كورتوا: "يتطلب عمل الرئيس تفهم الرجال. وهذا لا يتسنى إلا بالاحتكاك
المباشر الذي يرافقه انسجام متبادل بين الرئيس ومرؤوسيه."
16. العقلانية في حل المشاكل مع الاستشعار الكامل
بالمسؤولية والإحساس بمشاكل المسلمين.
17. عنده الإلمام الشرعي مع قدرته على الربط بين
الأمور وتنظيم الوقت والاستفادة منه.
18. يُحسن الحديث والاستماع.
19. لين من غير ضعف، حازم من غير بطش. قال محمد بن
جعفر: "الأدب رئاسة والحزم كياسة، والغضب نار، والصخب عار." وقال أبو
بكر الصديق رضي الله عنه: "لا يصلح هذا الأمر إلا شدة في غير عنف، ولين في
غير ضعف."
قال عبد الملك
بن عمير: "كان مكتوبًا في مجلس زياد الذي يجلس فيه للناس بالكوفة، في أربع
زوايا بقلم جليل: الوالي شديد في غير عنف لين في غير ضعف، العطية لأربابها
والأرزاق لأوقاتها، البعوث لا تُجمر، المحسن يجازى بإحسانه، والمسيء يؤخذ على
يديه." فكان كلما رفع رأسه قرأه.
20. تفقد الغائبين وتحسس مشاكلهم.
21. يُقلل من سلطة الأمر والنهي، وبهذا قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: "دلوني عن رجل أستعمله، فقد أعياني أمر المسلمين."
قالوا له: "عبد الرحمن بن عوف." قال لهم: "ضعيف." قالوا له:
"فلان." قال: "لا حاجة لي به." قالوا: "فمن تريد؟"
قال: "رجل إذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، وإذا لم يكن أميرهم كان كأنه
أميرهم." قالوا: "ما نعلمه إلا الربيع بن زياد الحارثي." قال:
"صدقتم."
22. معرفته لمفهوم النقد وأنه للإصلاح وليس للفتنة،
يقول ج. كورتوا: "ليس هنالك ما يفتت الوحدة ويحطم فعاليتها، مثل النقد
المستمر الذي يقوم به أشخاص لا يمكن إرضاؤهم. ويكون النقد مفيدًا رغم عنفه، إذا
صدر عن وجدان حي وسعى إلى البناء والإصلاح، ويصبح ضارًّا إذا صدر عن نفس مملوءة
بالمرارة والحقد، بغية التخريب والتهديم حتى لو كان لبقًا بألفاظ مختارة. والنقد
الممتاز هو ما كان لبقًا في لفظه بناءً في غايته."
23. معرفته ومراعاته لأسس تنمية القدرة على
القيادة، والتي منها: أ- إدراك البيانات التي يمكن أن تستفيد منها الجماعة،
ملاحظًا النقط التي استرعت الانتباه عنده. ب- من المرغوب فيه ذكر منجزات الجماعة
التي تمت إذا كان ذلك يساعد الجماعة على مواجهة الصعوبات بأمانة وبطريقة بناءة. ج-
عدم التركيز على المشكلات المتعلقة بشخصية الأفراد والاقتصار على ما يهم المؤسسة
بأكملها.
24. يُدرك ويطبق مع أفراد مؤسسته الأسس العلمية
للتعامل مع الآخرين والتي منها:
1- يُدرك الموجه أن هناك فروقًا فردية بين
القادة، وأن لكل أساليبه في إنجاز الأمور، فهو يشجع كل القادة على أن يكونوا
طبيعيين في تصرفاتهم ولا يحاول أن يفرض عليهم أي عادات شخصية- أو أجنبية- تتعلق
بالعمل أو بسرعة إنجاز الأمور والأسلوب المتبع في ذلك.
2- يُشيع الموجه جوًّا من الحب والاحترام وتبادل
المساعدة بعيدًا في كل ذلك عن التوتر الذي يفسد علاقاته بمن يوجههم.
3- يُشجع الموجه كل قائد على الوصول إلى الحلول
التي يراها للمشكلات، ويبتعد عن تقديم الحلول له، وله أن يرشد القائد إلى طريقة
تعريف المشكلة وتشخيص أسبابها وجمع الحقائق بشأنها مراعيًا في ذلك الضوابط الشرعية
والأعراف الجماعية.
4- يُساعد الموجه القائد على الإيمان بأنه من
الطبيعي وجود المشكلات في حياة الجماعة وأنها فرص للتعلم.
5- يُقدم الموجه ما عنده من المعلومات والفهم
لسلوك الأفراد والجماعات للإسهام في حل مشكلات القائد، كما يقترح مصادر أخرى
يقومان معًا بدراستها ليستزيدا من فهم الأمور.
6- يُساعد الموجه القائد على تحديد أهدافه
دوريًّا فيما يختص بخططه وأعماله ثم تقييم مدى تقدمه نحو تحقيق هذه الأهداف.
هذه بعض الصفات
التي نذكرها على سبيل المثال لعلها تكون عونًا للسائرين في طريق الخير والنماء.
والحمد لله رب العالمين.
الخاتمة
قال المبرد:
"الاستماع بالعين، فإذا رأيت عين من تحدثه ناظرة إليك فاعلم أنه يحسن
الاستماع." فنظرات إخواننا التي نحسن الظن بها، ونشعر بحبها لما نكتب وما
نقول، هي الدافعة لأن يمسك أحدنا قلمه ويبدأ بالتفكير بما ينفع السائرين إلى الله
سبحانه في تحركهم لخدمة الإسلام راجيًا بذلك المثوبة من الله. وما قد ذكرناه في
الصفحات السابقة، هو نتيجة إحساسنا باحتياج العاملين في حقل الدعوة إليه حيث إن
المسلم مطلوب منه أن يكون قائدًا في ميدانه الذي أعد نفسه له، وهذا الأمر ليس
بالتمني، بل هو عوامل متضافرة يُطلب فيها الجهد البشري ليخرج بعدها المسلم حائزًا
لقدر كبير من الصفات القيادية. فكما أن القيادة موهبة وفن تعتمد على المواهب
الفطرية، فهي كذلك علم وقواعد رُسمت من خلال تاريخ طويل من تجارب القادة، فمعرفة
هذا العلم وممارسة القيادة العملية لا يؤديان فقط إلى تحسين الأهلية القيادية لأصحاب
المواهب الفطرية والوصول بهذه الأهلية إلى مستويات ممتازة، ولكنهما يؤديان أيضًا
إلى تنمية الأهلية القيادية لقادة المستويات المتوسطة والصغرى حتى لو لم يكن هؤلاء
القادة يملكون في الأساس قسطًا عاليًا من موهبة القيادة الفطرية. وهذه الورقات هي
مساهمة في عملية البناء القيادي يؤخذ منها ما يتبين صوابه، ويُرد ما يظهر خطؤه فهي
اجتهادات بشرية مدعمة بمواقف بشرية كذلك، يطرأ عليها الخطأ كما يُرجى فيها الصواب،
فما كان فيها صوابًا فمن الله، أما الخطأ فمن نفسي وأستغفر الله منه، كما لا
يفوتني أن أذكر أن ما ورد يبقى لا قيمة له إن لم يجد الاعتناء الكافي من المقتنعين
به، في مجال تطبيقاتهم العملية اليومية. والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه رفعة
هذا الدين.