العنوان أسام: ليست المذبحة الأولى ولا الأخيرة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1983
مشاهدات 54
نشر في العدد 621
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 17-مايو-1983
· عدد القتلى
في آسام يتجاوز عشرة آلاف نفس!
· المهاجرون ثلاثون
ألفًا والذين بلا مأوى يصلون لقرابة نصف مليون.
· الحرق للقرى
هو وسيلة السيخ الأولى ومن نجا حصدته البنادق.
الأنباء
تتوالى عن تجدد مذابح المسلمين في آسام والحقائق المنكشفة تشير إلى أن أرقام الضحايا
تتجاوز عشرة آلاف من الأنفس التي أزهقت، وقرابة نصف المليون من الناس ممن صاروا بلا
مأوى ولا سكن.
ولعله
لا يغني عن إخوتنا الذين أزهقت أرواحهم ذكر الصور الوحشية التي قتلوا بها، ولا كيف
أبيدت قرى بعضهم عن آخرها، أو كيف أحرقت بيوتهم وحوصروا بالنار المشتعلة من كل مكان
والتي إن نجا أحد وتجاوز نطاقها فلن يجد منفذًا من رصاص «السيخ» الذين قد عزموا أمرهم
على الاستئصال النهائي الذي لا يبقي ولا يذر، ووقفوا ببنادقهم يصطادون بها تلك القلة
التي تسللت عبر النيران.
كما
ولن يفيد فلذات الأكباد من الأطفال إناثًا وذكورًا من الذين هم بين رضيع ودارج على
الأرض في خطواته البريئة الأولى أن نذكر كيف أن المذابح لم تخطئهم وكيف بقرت بطونهم
أو أحرقت أجسادهم أو قطعت أشلاؤهم، وكأن ثأر السيخ معهم أكبر من ثأرهم مع آبائهم أو
غيرهم من المسلمين الراشدين.
وهل ترانا في
حاجة للتنويه مع هذا بالشرف الذي انتهك والحرمات التي أبيحت لذراري المسلمين هناك أبكارًا
أو ذوات أزواج وكيف فعل بهن و... و...
ما لنا؟
ترى
ما الذي أصابنا معشر المسلمين؟ وما هذا الداء الذي سرى في نفوسنا حتى عطل عواطفنا وأحاسيسنا
عن الاستجابة؟ لقد حاولنا أن نتتبع آثار هذه الفواجع في أوساط المجتمع الإسلامي في
شرائح متعددة منه، لاسيما من خلال صحفه ووسائل إعلامه، ورأينا أن هذا «الشعور» الإسلامي
كاد أن يتجمد أو يتبلد وتلك نقطة أكبر من المذابح فيما نرى لأن إنسانية الإنسان المسلم
إذا تعطلت أجهزة الاستجابة فيها وعلاها الصدأ فإن ذلك يعني أن هناك ردة إلى الحيوانية
إضافة إلى معالم الردة في الأفكار والقيم وصور السلوك المتعدد.
والحق
أن فقدان المسلم للشعور برسالته ودوره في الوجود، والذي أعقب هوانًا نفسيًا في الوسط
المحلي قبل الخارجي هو العلة الأساسية، وهذه العلة إنما أحدثت بالمثل والأهداف المزيفة
وصور الانتماء المفتراة التي اقتلعت المسلم من دينه وإيمانه -ومقتضيات ذلك بالتالي-
أيما اقتلاع واستأصلته أيما استئصال وسائل التوجهات الوطنية والإقليمية والقومية والعنصرية
واللسانية ومختلف الأهواء الأرضية التي قذف بها العالم إلينا وصادفت هوى بعض منا وتعدد
هذا البعض وكثر!
واقتسم
الولاء الأول والتوجه الأول والرسالة الحقيقة التي كان يحملها المسلم بين جنبيه، حتى
إذا تلفتت «صبرا وشاتيلا» أو «آسام» أو «الفلبين» وجدت أن رصيد الأخوة ومقتضياتها من
النجدة والنصرة قد ذوت في النفوس، بل أزهقت وتلاشت تحت سنابك الخيل المفاهيمي الذي
يطأ نفس المسلم كل يوم!
توضيح للأبعاد
إحدى
الصحف المحلية بدأت سخريتها وامتعاضها من بعض الأصوات التي تعالت بمجرد التذكير بمذابح
المسلمين في آسام، والتوجه الفكري اليساري في إحدى المجلات يأبى إلا أن ينتهز كل مناسبة
أو يبادر بالاختلاق للمناسبات -إن لم يكن تمت- ليغض من شأن المجاهدين الأفغان ولا عيب
لهم عند هذه المجلة إلا تمردهم على الشيوعية السوفييتية -والتي تدين لها- والأسماء
القائمة على هذه المجلة والصحيفة أسماء مسلمة، وقد يقسم المرء في هذا المقام يمينًا
غير حانث أن كراهية الإسلام والمسلمين في نفوس أمثال هؤلاء -وهم من المنتسبة للإسلام-
أضعاف كراهية أعداء المسلمين الحقيقيين.
إن
هذه النماذج -وإن قلت- تعكس صورًا من الواقع السائد اليوم في عالمنا الإسلامي ومجتمعنا
المسلم، وهذه النماذج منتشرة في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي، وهي لم تنبت من هواء
ولا هبطت من كوكب خارج الفضاء، وإنما هم أناس من لحمنا ودمنا وأرضنا ولكن فعلت فيهم
مناهج التربية والتعليم على المنهاج الغربي فعلها، وخرجتهم ليكونوا شوكة في جنبنا ومعوقًا
أمام كل إصلاح ونهضة، بل مثبطًا حتى عما تقتضيه مشاعر الأخوة الإنسانية المجردة.
وأمثال
هؤلاء قد يجدون مهوى قلوبهم مع «الرفاق» في روسيا والصين وكوبا وغيرها وتحركهم شجون
تلك المناطق وشؤونها وقد يألمون لوعكة تصيب أندرويوف أو كاسترو بأضعاف ما يعتريهم من
ذبح اثني عشر ألفًا من المسلمين وحرق جثث أطفالهم وبقر بطون حواملهم من النساء، بل
لعل هذه الأخيرة تثير فيهم هستيريا الضحك والاستمتاع فإن سعادتهم لتبلغ قمتها حين بروز
نكبة للمسلمين، وكلما كانت المصيبة أدهى كان فرحهم أكبر.
والوسط الإسلامي!
وإن
المجموعة السابقة لها عذرها ولا تثريب عليهم ولا لوم فهم قد صرحوا قولًا وعملًا بأنهم
ليسوا من الإٍسلام والمسلمين في شيء وأنه موكول بهم مهمة تقويض أركان المجتمع المسلم
من خلال ما يقومون عليه وما هو متوافر بين أيديهم، والشكر لهم على سفورهم عن وجوههم
وتنبيههم لنا بأنهم مازالوا مواظبين على القيام بالمهمة الموكلة إليهم.
وإنما
نتساءل في هذا المقام عن تلك الهيئات الإسلامية الرسمية والإعلامية منها على وجه الخصوص،
فإننا قد سمعنا بعدد من الأسماء الإسلامية التي تزعم التصدي للمهام الإعلامية، أين
هي بل ما مهمتها على وجه التحقيق؟
إن
الوسط الإسلامي -وما هو بالشيء الهين- لم تبدر منه أي خطوة إيجابية في التغطية الإعلامية
اللازمة لهذه المذبحة البشعة ولا لغيرها مما يحدث في أوساط المجموعات المسلمة كل يوم،
وقد كان الناس ينتظرون تقريرًا مصورًا عن هذه المذبحة وأمثالها، إلا أننا كالعادة -اتكأنا
على الصدقات الإعلامية التي يتفضل بها مندوبو وكالات الأنباء العالمية وهي وكالات معلومة
المشاعر تجاه المسلمين وقضاياهم، ولا نظن أن هناك صورة واحدة خرجت من تلك المذابح عن
مصور مسلم!
ولئن عجز الوسط
الإسلامي عن هذه فهو عما سواها أعجز!
وقفة عند أحوال المسلمين هناك
ذُكر
على صفحات هذه المجلة وغيرها أنه ليست هذه هي المذبحة الأولى في أوساط المسلمين في
الهند. وبالطبع ليست هي الأخيرة! لأن الأسباب التي أدت إلى هذه المذابح وسابقاتها مازالت
قائمة لم يتغير منها شيء.
فالضعف
الساري في أوساط المجموعات المسلمة هناك والهوان الذي طبعوا به، ووسائل القوة التي
جردوا منها من جانب وقصروا هم في الحصول عليها من جانب آخر والفقر والبؤس المخيم في
أوساطهم والجهل الساري ونواتج ذلك من ضعف في الشوكة وتدني في المكانة الاجتماعية والثقافية
والاقتصادية يظل محافظًا على عين العوامل التي يستغلها أعداؤهم هناك.
والصدق
مع النفس يلزمنا بأن نقف إزاء حقيقة ذكرت تبين مدى الضعف والهوان الذي وصل إليه المسلمون
هناك، فإن الوسائل التي استخدمت في هذه المذبحة وسائل بدائية كما ذكر، أعلاها بنادق
عتيقة الصنع، أما أغلب الأسلحة فقد كانت أسلحة يدوية من رماح ونبال وما إليه، ولكن
فيما بدا أن المسلمين هناك لا يملكون من وسائل الدفاع حتى ما يمكن توفره لإنسان العصر
الحجري!
وتلك
حقيقة تجعل الحسرات غير وافية في التعبير عن مدى ضياع المسلمين هناك، وهي منبئة على
المستوى الوضيع الذي يعيشون فيه والذي لا يؤهلهم لأن يكونوا أكثر من «كباش» انتخابات
تضحي بهم أنديرا وحزب المؤتمر أو غيره ساعة يشاءون!
وقد
عبرت إحدى الصحف الهندية عن ذلك (أخبار الهند) في رسم كاريكاتوري يظهر اثنين من المسؤولين
وهما يعلقان على قبور جديدة في آسام قائلين: المهم أنهم قد أدلوا بأصواتهم!
هذا الضياع
قال
الأستاذ أبوالحسن الندوي في بيان عن الأحداث هناك ساردًا ما مر على المسلمين في هذا
العام من نكبات: «إنه من المناسب أن نسمي هذا العام عام الحزن». وليس هو عام الحزن
-مع استماحة الشيخ الجليل- بل هو عصر الحزن المتطاول عبر عقود من الزمان يتقلب فيها
المسلمون في ألوان من الضياع والشقاء، ومن أسف فإنه لا توجد حتى الآن علائم تدل على
الحرص على التخلص من صور الضياع المسيطرة على عالم المسلمين هناك.
ويكفينا
ذكرًا أنه ومع الوجود الكثير للمسلمين هناك ومع وجود الرؤوس المفكرة الواعية إلا أن
الجهد المبذول لتخليص المسلمين مما عليه دون الشيء المنشود بكثير.
وننوه
في هذا المقام بوجوب هيئة ممثلة لجموع المسلمين الكثيرة في تلك البلاد- لتقوم على ترشيد
المسلمين والارتفاع بمستواهم ولو قليلًا.
ودون
النهضة بالمسلمين هناك وتنظيمهم في مواجهة أعدائهم فلن تتوالى عليهم المذابح فقط وإنما
سيستأصلون من الأرض استئصالًا!
ولا نقول هذا
الكلام تهويلًا، فإنه ومنذ استقلال باكستان عن الهند وأحوال المسلمين هناك تزداد سوءًا
على سوء، والتدابير المتوافرة لإضعافهم ومحو شخصيتهم قائمة في كل الوسائل والوسائط،
ووجودهم مهمل في مختلف الأجهزة الرسمية فلا وجود لهم يذكر في قوات الجيش أو الشرطة
ناهيك عن المناصب الحساسة والوظائف القيادية.
وغني
عن القول إن مكانتهم الاقتصادية أيضًا ليست بالحسنة أو المبشرة، ووجودهم الثقافي يكاد
يتأثر بحكم اضطهاد لغتهم المعلن وغير المعلن، بل إن عقائد أبنائهم مهددة بالتلاشي أو
التشويش على أقل تقدير بما تمليه مناهج التربية والتعليم الإلزامي والتي لا تراعي عقائد
المسلمين وإيمانهم.
وثانية
نقول إن المذابح ليست سببًا أو مقدمة لضعف المسلمين وإضعافهم في الهند بل هي نتيجة
لازمة لذلك الضعف ولعل هذا ثابت في كل مكان يحدث فيه أمثال تلك المذابح للمسلمين.
والعمل!
وكما نبهنا في صدر هذا المقال لن
تجدي الآهات والحسرات على من أزهقت روحه وذهبت إلى رحاب ربه ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
(الأعلى: 17). ولكن لابد من سبيل للخروج بالمسلمين الموجودين هناك من هذه الوهدة وهذا
الضياع ولعل أثر المؤسسات الإسلامية القائمة التي تدعي الاهتمام بأمر المسلمين غير
موجود أو هامشي جدًا، ونظن أن الواجب هو واجب الذين يشعرون بحقيقة الأمر ويحسون بالواجب
الحق إزاء إخوانهم في كل مكان ولعله من المناسب الآن التنادي بهيئة مستقلة تضم المهتمين
الصادقين بأمر المسلمين للتدبير للمجموعات والأقليات المسلمة في كل مكان؟
ولتُسمَّ
هذه الهيئة «لجنة حقوق الإنسان المسلم» أو أي اسم كان، المهم أن تخرج من مستنقع الشعارات
والأماني الفارغة وأن تتدبر حال الإسلام والنهضة بأحوال المسلمين الذين تبقوا من المذابح
الحاصدة، وليكن هذا قبل أن نلتفت فنجد الإسلام قد محي أثره ونبدأ البكاء على الأندلس
الجديدة.