العنوان أسباب الخلل الحضاري
الكاتب حامد أحمد الرفاعى
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 57
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
• إن الحضارة بمعناها الصحيح هي
ثمرة التفاعل الدقيق المتزن مع منهج الاستخلاف
• إن الدول تنفق ملايين الجنيهات
على وقاية نفسها من آلة فتاكة؛ ولكنها لا تنفق شيئًا على ضبطها
في العدد الماضي كتب د. حامد
الرفاعي مقدمة بحثه هذا تحت عنوان «الأمة الإسلامية وأزمة الاستئناف
الحضاري»، وفي هذا العدد يتحدث عن أهم أسباب الخلل الحضاري كما يراها من وجهة
نظره، وذلك كما يلي:
أحسب أن من الأسباب الرئيسية التي
أدت إلى انحدار حضارة الأمة الإسلامية، وتعطلت معها خيراتها، وأفل بها نجمها عن
ثناء حركة الإبداع الحضاري الإنساني، تتمثل بما يلي:
1-
اضطراب العلاقة مع منهج الاستخلاف الرباني في الأرض.
2-
اضطراب البناء الثقافي لأجيال الأمة بعامة وللنخبة بخاصة.
3-
استرخاء وجمود حركة الإبداع الاجتهادي عند علماء الأمة
ومفكريها.
هذه الأسباب وغيرها جعلت فعاليات
الأمة السلطانية والإصلاحية عاجزة أمام مسؤوليات واسعة ومتعددة الجوانب،
تعددت معها المفاهيم والتصورات، وتاهت الاجتهادات واضطربت، أمام ضخامة المواقف
الاجتماعية والسياسية والثقافية، مما جعل القرار السياسي والسلطاني
بعامة يصاب باضطراب، اهتزت معه ثقة الرعية بقيادتها، واهتزت هيبة السيادة الإسلامية أمام
الخصوم في الداخل والخارج.
وهكذا تمكن الضعف العام بالأمة، مما
لم يعد معه فرصة لإمكانية التصحيح العام والجذري لمسيرة الأمة؛ لأن الضعف والخلل
قد أصابها في أساسياتها وثوابتها.. إنه خلل أصاب الأمة في جدية علاقتها مع منهج
الاستخلاف في الأرض، بعد أن أصاب بنيتها الثقافية، نتيجة لاسترخاء حركتها
الإبداعية.
منهج الاستخلاف
أما عن قضية اضطراب العلاقة مع منهج
الاستخلاف الرباني، فنعني بها اختلال التوازنية في عملية تفاعل الأجيال مع هذه
المنهج، حيث إن الحضارة بمعناها الصحيح الإيجابي، هي ثمرة التفاعل الدقيق المتزن
مع منهج الاستخلاف، وأي خلل يصيب هذه المفاعلة الجادة المتزنة، إنما هو خلل في صحة
وسلامة العطاء الحضاري، ومسخ لثمرات الجهد البشري في هذا الميدان، ولمزيد من
التوضيح لهذه لا بد من التذكر بأن منهج الاستخلاف الذي ارتضاه الله تعالى
لعباده في الأرض يقوم على مرتكزين اثنين أساسيين أولاهما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:19).
وثانيهما في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك:
15) أي إن منهج الاستخلاف الرباني يقوم على التكامل الدقيق التام بين عالم
الغيب وعالم الشهادة. وبعبارة أخرى، فإن منهج الاستخلاف لعمارة الأرض يقوم
على التكامل الدقيق التام بين عالم القيم والأخلاقيات وعالم الكفاءات والمهارات،
وأي خلل يصيب هذه التوازنية الدقيقة بين عالم القيم وعالم المهارات، من شأنه أن
يخرج هذا المنهج عن مساره الصحيح في حركة البناء الحضاري لعمارة الأرض، كما أن أي
تعطيل أو تخلف في عملية التفاعل مع أحد هذين المرتكزين، إنما هو خلل يعطل معه أو
يمسخ العطاء لأي جهد بشري في حركة البناء الإيجابي للأرض ونظم الحياة عليها، وهنا
لابد من التأكيد على أن المرتكز الأول «فاعلم...» إنما هو الأساس، الذي
في إطاره وحسب معاييره ومقاييسه وأولوياته، تضبط حركة التفاعل
والتعامل مع المرتكز الثاني، مرتكز «فامشوا...»، وهذا يعني أن أي تخلف أو
تعطيل لمرتكز «فاعلم...» في إطار التعامل والتفاعل مع مرتكز «فامشوا...»
يخل بنتائج هذا التفاعل والتعامل، مما لا يحقق في النهاية الغاية الإيجابية
والحميدة المرجوة، مهما حقق من درجات الإبداع والتفوق في عالم المهارات
والوسائل. وهذا أمر يكاد يجمع عليه العقلاء في الأرض، ونذكر هنا أقوال بعضهم.
العلم والحياة
يقول جود «JOAD» في كتابه «GUIDE To MODERN
WICKEDNESS» و«جود» هو رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس
في جامعة لندن؛ حيث يؤكد قائلًا: «إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة
بالآلهة، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش». كما يقول في موضع آخر من نفس
الكتاب: «إن هذا التفاوت بين فتوحاتنا العلمية المدهشة، وطفولتنا الاجتماعية
المخجلة، نواجهه على كل منعطف ومتعرج».
ويقول ألكسي حارل «ALEXIS CARREL» في كتابه الإنسان ذلك المجهول «IHE UNKNOWN MAN»: «إن علمنا بالحياة وكيف يجب أن يعيش الإنسان، متأخر جدًّا عن علمنا
بالماديات، وهذا التأخر هو الذي جنى علينا».
ويقول المستر أيدن -رئيس وزراء
بريطانيا المشهور- في خطاب له عام 1928م: «ومن الغريب المضحك أن البلاد
والدول تنفق ملايين من الجنيهات على وقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها؛ ولكنها
لا تنفق شيئًا على ضبطها...».
ولقد أجمل هذه المعاني أحد الفلاسفة
اليهود وهو يرد على التفاخر الأوربي بالتفوق الصناعي والتكنولوجي، فيقول مخاطبهم:
«نعم، إنكم تقدرون
أن تطيروا في الهواء كالطيور، وتسبحون في الماء كالسمك؛ ولكنكم إلى الآن لا تعرفون
كيف تمشون على الأرض».
وخلاصة القول: إن أي تخلف في
عالم القيم عن عالم الوسائل في التعامل مع منهج الاستخلاف في الأرض من شأنه أن
ينحرف بثمرات الاتباع المادي عن كونها وسائل بناء وإعمار لحضارة إنسانية مستقرة
وآمنة، إلى وسائل دمار وفناء ورعب، وفي هذا الصدد يقول المستر لويس استراوس.. يقول رئيس
لجنة القوة الذرية في أمريكا: «قنبلة هيدروجينية واحدة تستطيع أن تبيد مساحة
مدينة نيويورك الواسعة». ويقول العالم الطبيعي الشهير ونائب رئيس مجلس الأمن في
وهلي الجديدة اللواء صاحب شيخ: «إن أربع قنابل هيدروجينية، وزن الواحدة منها
مائة طن، تستطيع أن تقتل كل نسمة على وجه الأرض».
وللعلم فإن هذه الأقوال
والتصريحات صدرت عن أهلها، يوم لم يكن بعد قد تم اكتشاف القنبلة النتروجينية
التي تفوق قدراتها التدميرية أضعاف القنبلة الهيدروجينية، بل قبل أن تتحكم
التكنولوجيا بأشعة الليزر وقدراتها التي تفوق الوصف والخيال.. وسبحان الله
تعالى الذي أوجز هذه المعاني كلها بقوله الكريم جل شأنه: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (الأعراف:
58). وبالمقابل فإن أي تخلف أو تعطيل لمرتكز «فامشوا..» في إطار
التعامل والتفاعل مع مرتكز «فاعلم...» إنما هو تخلف أو تعطيل أو تمرد
على مهمة التكليف الرباني لعمارة الأرض وتثوير مسخراتها
ومكوناتها، كما أنه تعطيل للغائية العبادية لهذه المسخرات المرتبطة والمعتمدة في
مهمتها على تفاعل وتعامل العباد مع مرتكز «فامشوا...» وما يلزم ذلك من
مهارات ووسائل. والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة.. وما أبلغها من
قوله تلك التي أطلقها رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه: «لقد ذهب المفطرون
بالأجر كله».
أهمية التوازن
وفي ختام القول في هذه القضية المهمة
نؤكد على أهمية التوازنية في إطار التعامل والتفاعل مع منهج الاستخلاف الرباني،
التوازنية التي تتكامل بها العبودية لله تعالى، العبودية التي تتكامل معها محاريب
الطاعات في أطرها المادية مع محاريب الطاعات في أطرها الروحية.
وأما عن القضية الثانية في أزمة
الاستئناف الحضاري، قضية اضطراب البناء الثقافي لأجيال الأمة الإسلامية، فأحسب
أنها جاءت نتيجة الاقتسام المخل لميراث النبوة اقتسامًا منقوصًا، تولد عنه مدارس
إصلاحية منقوصة المنهج، أخذ كل منها يقيم نفسه ومنهجه الإصلاحي في تحقيق الأهداف
الكبيرة على ما استقر عليه قسمه من الميراث، وعلى ما تحدد به اقتناعه في إطار
معطيات الجزء الثقافي الذي اكتفى به عن كل الميراث الثقافي
للنبوة.. ويا ليتها وقفت عند هذا الحد، لهان الأمر وسهل العلاج، بل أخذ
منها يسفه وينتقد رافضًا لما عليه الفريق الآخر؛ مما جعل الأمة تنقسم هذه
المرة إلى قبائل ثقافية متصارعة بعد أن طهرها الإسلام من صراعها القبلي
الجاهلي، وأحسب أنه صراع أعتى وأشد خطرًا على الأمة من ذاك الصراع القبلي الساذج؛
لأنها قبلية تقوم على الاعتزاز والاعتداد الثقافي من جهة والاستعلاء والاطمئنان
الإيماني من جهة أخرى، مما ولد عند الفرقاء الشعور بالارتياح الإيماني لما هو
عليه من منهج ولما هو عليه من مواقف يخالف بها الآخرين ويصارعهم، من أجل الحق الذي
يراه وتمتلأ نفسه اقتناعًا به. مع التصور بأن خير الإسلام ومصلحة المسلمين لا
تتحقق إلا بما هو عليه من حق ومنهجية، بل إن قضايا الإسلام ومصالح المسلمين في خطر
ما دامت الأمور تعالج ويتعامل معها من خارج أطر مفاهيمه وتصوراته؛ حيث إنه
الأجود كفاءة والأكثر ائتمانًا على مصالح الإسلام والمسلمين. وبهذه المعاني
وفي إطار هذه التصورات، تتولد مبررات الخلاف والاختلاف، بل تتولد المبررات الشرعية
لكل حالات الانقسام والتشرذم ولكل حالات الصراع المؤلم ولحالات الاقتتال المفجع،
على أكثر من ساحة من ساحات العمل الإسلامي للأسف، مع أن كل جهة من الجهات
المتصارعة تقول بالأهمية الشرعية لوحدة الصف، وتؤكد مخاطر الانقسام والتمزق، والكل
يتحدث عن العدو المشترك والكل يقول بالإخلاص والتجرد ونكران الذات، والكل يقرع
مسمع الآخر بأن المسلمين من شأنهم أن يكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، ولا
ينسى الجميع بحشد الأمثلة والعبر من التاريخ البعيد والقريب، بل يسوق كل الأدلة
الشرعية من الكتاب والسنة، على صحة ما يقول وخطورة ما يذكر به مما يجعل المرء
يحار لما يسمع من قول يناقضه كل التناقض ما يراه من واقع، فمن المسئول يا ترى
عن هذا الواقع المرير؟ ومن الذي يؤجج نيران حرائقه؟
وللجواب أرجو ألا نذهب بعيدًا.. إنه
الإحساس لدى كل فريق بأنه المبرأ من ذلك كله وأن غيره المتهم، وهكذا فالجميع بريء
والجميع متهم، بلسان حال الجميع.. أجل إنها حالة فريدة من حالات الخطر، يوم تضطرب
معايير الأمة وتشتبه ضوابط ومقاييس النخبة من أبنائها.. إنه الاضطراب الثقافي،
واضطراب المفاهيم والتصورات.. إنها الغثائية التي يكون معها الهوى والغرض والوهن،
حيث تتفاقم أزمة الاستئناف الحضاري للأمة.
وعن ثالث القضايا الرئيسية في أزمة
الاستئناف الحضاري قضية استرخاء وجمود حركة الإبداع الاجتهادي، عند علماء الأمة
ومفكريها.. أحسبها ما كانت إلا نتيجة لضعف الإحساس بمسئولية متابعة وإثراء
ميادين التدافع الذي من شأنه أن يولد عند المعنيين من أبناء الأمة حوافز البحث
والاستنباط والإبداع.. إنه الضعف الذي يجعل غالب علماء الأمة ومفكريها، يسخرون
تدريجيًّا عن ساحات المفاعلة مع متطلبات التدافع الإبداعي لحركة التدافع الحياتي،
والاكتفاء برغد العيش في ظلال الرصيد التاريخي، لتراثنا الفقهي العظيم، يتنافسون
في استنساخ صوره وتكرار بدائعه بسيل من المجلدات الأنيقة والتي تكون أحيانًا
بعناوين مختلفة لموضوع واحد للأسف، مع غياب المحاولات الفردية أو الجماعية على
الغالب لمفاعلات جادة وموضوعية بين صور وموضوعات هذا التراث الفقهي الرائع
وصور وموضوعات الحياة الإنسانية المعاصرة المفاعلة التي تعطي لمادة الفقه
الإسلامي فرصة تقديم روائع مفاعلاتها مع ميادين الحاضر، مثلما كانت روائعها
مع ميادين الماضي.
أجل إن غياب الشعور الجاد لدى غالبية النخبة من أبناء الأمة بمسئولية المفاعلة والتفاعل مع ميادين التدافع الحضاري المعاصر محليًّا وعالميًّا هو الذي ولد هذا الاسترخاء ونتج عنه حالة الجمود في ميادين الإبداع الاجتهادي لدى فعاليات الأمة العلمية والفكرية.