العنوان أسباب تخلف أفريقيا: الاستعمار أم الحكومات؟
الكاتب أحمد جهاد
تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001
مشاهدات 428
نشر في العدد 1442
نشر في الصفحة 36
السبت 17-مارس-2001
هناك مجموعة واسعة ومتنوعة من الأسباب التي شكلت الوضع المأساوي في أفريقيا، وهي أسباب يتفق علماء الاقتصاد والسياسة على بعضها، ويختلفون حول بعضها الآخر.
ومن هذه الأسباب ما يراه البعض من أن المجتمعات الأفريقية بدائية بشكل لا تستطيع معه تكوين دولة عصرية قابلة للاستمرار والنمو، بل إن هناك تفسيرات عنصرية بغيضة للتخلف في أفريقيا تقوم على أن الجنس الأسود من مواطني أفريقيا أقل ذكاء ونشاطًا من الجنس الأوروبي الأبيض، وهي أفكار لا تزال مقبولة لدى البعض في أوروبا وأمريكا الشمالية، رغم أنه لا يوجد أساس علمي يؤكدها، ولا توجد قيمة حقيقية لها إلا عند أصحاب النزعة العنصرية في الغرب ومن هم على شاكلتهم.
وتتفق جمهرة العلماء على وجود مجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية مسؤولة عن تخلف القارة السمراء من أهمها: الانتماءات القبلية السائدة في أفريقيا التي تجعل الانتماء للقبيلة أهم من الانتماء للدولة، وبسببها تتحول إدارة المؤسسات الحكومية والتجارية أو المشروعات الكبيرة للدولة إلى إدارة عائلية، وكثيرًا ما تنهار مع وفاة مؤسسها كما هو الحال في كثير من الدول الأفريقية.
ومما لا شك فيه أن الاستعمار الأوروبي قد أسهم في صنع الأزمة الراهنة، إذ قامت الدول الأوروبية عبر قرون طويلة، بتحويل الدول الأفريقية إلى مجرد مورد للمواد الخام، وسوقًا رائجة لتصريف المنتجات الأوروبية، بل قد بلغ الأمر إلى درجة استعباد الأفارقة وتصديرهم للعمل في المستعمرات الجديدة كعبيد مثلما حدث لهم في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
وقد أحدث ذلك خللًا اجتماعيًا في أفريقيا، كما فقد الأفريقيون الثقة في أنفسهم، وأصبحوا يثقون في الأوروبيين أكثر من أنفسهم.
غير أن الاستعمار أو العوامل الخارجية بشكل عام، لا تكفي وحدها لتفسير التخلف والفقر الذي تعاني منه أفريقيا، والدليل على ذلك أن هناك دولًا في آسيا كانت خاضعة للاستعمار لسنوات طويلة، ثم استطاعت بعد الاستقلال - الذي لم يكن بعيدًا عن توقيت استقلال أكثر الدول الأفريقية - أن تتحول لمجتمعات ناجحة متقدمة، وأن تبني اقتصادًا حديثًا متطورًا.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الهند وماليزيا وكوريا وغيرها، حتى عندما يفشل بعض الدول الآسيوية في تجاربه الاقتصادية، فإنه لا يلقي باللوم على أكتاف مستعمريه السابقين - كما هو الحال في أفريقيا - بل يبحث عن الأسباب الداخلية للفشل..
العوامل السياسية
لعل العوامل السياسية من أهم أسباب الأزمة الطاحنة التي تدور فيها أفريقيا منذ استقلال دولها فأكثر الأنظمة السياسية في القارة السوداء هي أنظمة تقوم على الانتماءات القبلية والعشائرية، والنتيجة أن الزعيم الأفريقي يعمل دائمًا على إرضاء قبيلته وعشيرته.
وعلى عكس الحال في الدول المتقدمة التي يحاول فيها القائد أو الزعيم السياسي أن يثبت أنه قريب من اهتمامات رجل الشارع العادي، فإن السياسيين الأفارقة يحرصون على إظهار العكس، وهو أنهم يختلفون عن المواطن العادي، وأنهم متميزون ومتفردون في كل شيء.
إن السياسيين الأفارقة الطامحين للزعامة يحاولون إثبات أنهم رجال كبار وأغنياء وأقوياء. ومن ثم نستطيع القول إن القوى السياسية في أفريقيا تقوم على أفراد وليس على مؤسسات، بل إن القادة الأفارقة حرصوا - في الأعم الأغلب طبعًا - على إضعاف المؤسسات التي ورثتها بلادهم عن الاستعمار الأوروبي حتى يتفردوا تمامًا باتخاذ أي قرار، وأدى ذلك إلى أن تحولت الأنظمة السياسية الأفريقية إلى أنظمة دكتاتورية، إلا في حالات قليلة ومعدودة، مثلما حدث في جنوب أفريقيا أو في السنغال، وهي حالات استثنائية. والنتيجة هي أن مفهوم الدولة ومفهوم الرئيس قد أصبحا مفهومًا واحدًا، أو بعبارة أخرى لا يوجد فصل بين سلطات الرئيس أو الزعيم وكيانات الدولة، فالدولة هي الزعيم، والزعيم هو الدولة، وينطبق هذا بالتبعية على الأحزاب الحاكمة والحكومات، إذ تصبح الحكومة هي الحزب الحاكم، والحزب الحاكم هو الحكومة، ولا يوجد أي فارق بين الاثنين.
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع إلى اختفاء دور مؤسسات الدولة، وتصبح إدارة شؤون البلاد قائمة على قرارات فردية، ومن الطبيعي أيضًا أن يؤدي هذا إلى فساد واسع النطاق، وإلى استنزاف وسرقة منظمة لموارد وثروات البلاد، والأمثلة أكثر من أن تحصي لأنها ببساطة حالة أكثر الحكومات الأفريقية. والحقيقة أن أنظمة الحكم الدكتاتوري في أفريقيا، هي من أهم أسباب تخلف القارة السمراء، إذ تتحول الإدارة إلى عمليات الفساد المنظم واسع النطاق، ولا يهتم المسؤولون الحكوميون قليلًا أو كثيرًا بإصلاح وتطوير أي شيء في أوطانهم، لقد تجولت في معظم الأراضي الأثيوبية، ورأيت أنها لم يرصف فيها شارع، ولم تبنَ فيها مدرسة ولا مرفأ رئيس، منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن- ويتم عادة - كما قلنا آنفًا، إضعاف كل مؤسسات الدولة، حتى ينفرد المسؤولون تمامًا بالقرار دون معارضة من أعضاء البرلمان، أو من القضاة، أو من غيرهم من المؤسسات المشاركة في الحكم.
والنتيجة أن مفهوم التنمية لا يكون موجودًا من الأصل في عقول القائمين على الحكم في ظل مثل هذه الأنظمة، وتتحول مهمة الحكومة من تنمية المجتمع إلى استغلاله أقصى قدر ممكن، ولكن هل هناك مخرج من الأزمة؟ هل يمكن أن تتغير أفريقيا؟ وهل هناك مخرج من أزمتها الطاحنة؟
يرى بعض المراقبين أن هذا ممكن، ولكن بشروط كثيرة: منها حتمية التحول لأنظمة ديمقراطية تقوم ببناء مؤسسات الدولة لا إضعافها، وتأخذ على عاتقها مهمة تنمية مجتمعاتها لا مجرد استنزافها، ولابد من محاربة الفساد الذي يدمر أي جهود للتنمية، وينخر كالسوس في كل مؤسسات المجتمع، ولابد من تسخير كل طاقات المجتمع لتحقيق التنمية، ورفع مستوى التعليم والوعي لدى الجماهير لتتخلص المجتمعات الإفريقية من القيم السلبية التي تعوق التنمية، إن هذا هو الخيار للبقاء على قيد الحياة أمام الأفارقة وإلا ستستمر مأساتهم كما هي، وتحصدهم المجاعات من ناحية، وتقتلهم الحروب من ناحية أخرى، وتستنزفهم أنظمتهم السياسية من جهة ثالثة، حتى وباء الإيدز لم يجد أفضل من قارة أفريقيا لينتشر بها بمعدلات وصلت إلى ٦٠% أو 70% في بعض الدول، وهو يهدد بإفناء مجتمعات أفريقية بأكملها، هذا لو تبقى منها شيء بعدما تحصده المجاعات والحروب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل