; أسبوع الغضب في اليمن.. الشعب يفاجئ الحكومة والمعارضة بالانفجار ضد رفع الأسعار | مجلة المجتمع

العنوان أسبوع الغضب في اليمن.. الشعب يفاجئ الحكومة والمعارضة بالانفجار ضد رفع الأسعار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 07-يوليو-1998

الكويت -وكالات -المجتمع: لم يكن أحد في الحكومة اليمنية أو المعارضة يتوقع أن تكون ردود الفعل الشعبية على قرارات رفع الأسعار الأخيرة بمثل هذا الحجم من الاتساع والعنف وربما كانت هذه المواقف الشعبية الغاضبة هي المفاجأة الكبرى في الأحداث التي شهدها اليمن مؤخرًا وجعلته يعيش أسبوعًا ساخنًا لم يخل من لون الدماء.

ومن نافلة القول إن برنامج الإصلاحات الاقتصادية في اليمن ظل أهم أسباب الاختلاف بين القوى السياسية اليمنية طوال السنوات الأربع الماضية.. وبخاصة بين حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس علي عبد الله صالح - وحزب الإصلاح - الذي يتزعمه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.

وطوال تلك السنوات كانت الانتقادات التي توجه للبرنامج - الذي يتبناه المؤتمر الشعبي - تتهمه بأنه تحول إلى برنامج لجباية الأموال من المواطنين وتحميلهم مزيدًا من الأعباء المعيشية، فيما كان الأصل أن يشعل البرنامج تحقيق إصلاحات إدارية حقيقية تحجم الفساد الخطير الذي يهيمن على الأجهزة الحكومية ويمنع ظهور أي تحسن المصلحة المواطنين.

ومنذ الانتخابات اليمنية عام ١٩٩٧م كان من المعروف أن هناك جرعة جديدة من قرارات رفع الأسعار قد جاء وقت استحقاقها، بعد أن تم تأجيلها بسبب موسم الانتخابات.

وبالفعل أصدرت الحكومة - التي كان يرأسها د فرج بن غانم- بعض القرارات بشأن رفع الأسعار ولكن بنسبة غير عالية لكن قرار رفع سعر الديزل أثار معارضة رجال القبائل الذين تعتمد حياتهم عليه بصورة أكبر من سكان المدن.

ومع حلول العام ١٩٩٨م حملت ميزانية الدولة مؤشرات على نية الحكومة إعلان جرعة قوية من هذه المدة، لكن د. فرج بن غانم -رئيس الوزراء السابق- رفض إعلان القرارات حتى تتحقق له جملة من المطالب أهمها: إجراء إصلاحات إدارية واسعة وجادة... ولما تعذر التفاهم بينه وبين الحزب الحاكم قدم استقالته ليتولى الإرياني رئاسة حكومة كان واضحًا للجميع أنها ستكون حكومة الجرعة الجديدة من قرارات رفع الأسعار التي طال ترقب اليمنيين وطال تحذير المعارضة من خطورتها على الأوضاع المعيشية لغالبية الشعب التي تعيش  -أصلًا - في حالة ضنك و تأزم واضحتين وهو ما تم التعبير عنه في مجلس النواب اليمني والصحافة اليمنية بقوة، بل حاول نواب المعارضة في البرلمان، وأغلبيتهم من الإسلاميين أن يفرضوا على حكومة د. الإرياني توصية بعدم رفع الأسعار لكن الحكومة رفضت ذلك بقوة وحصلت على الثقة من البرلمان اعتمادًا على الأغلبية الكبيرة التي تمتلكها. 

وليس سرًّا أن حكومة د. الإيراني كانت تعلم أن مهمتها الأولى في إصدار قرارات رفع الأسعار وظهر ذلك واضحًا في برنامجها المقدم لنيل الثقة من البرلمان، والذي ارتكز على أساس أن اليمن يمر بظروف سيئة للغاية بسبب عدم إصدار حكومة د. فرج بن غانم لقرارات رفع الأسعار!

ومن جهة أخرى فإن الشائع في الوسط السياسي اليمني أن الحكومة قد التزمت للجهات الدولية المشرفة على برنامج الإصلاح الاقتصادي برفع الدعم عن المواد الأساسية والمشتقات النفطية ابتداء من يناير ۱۹۹۸م، وبالتالي فإن تأخير ذلك قد عكس نفسه على العلاقة بين الطرفين، وبخاصة أن الاستمرار في برنامج الإصلاحات مرتبط بدعم الدول المانحة والهيئات الدولية الداعمة وأي إخلال به سيؤدي إلى تعثر الدعم الدولي وربما إيقافه!

ولأن الحكومة اليمنية تعلم أن قرارات رفع الأسعار ليس بالأمر المحبوب شعبيًّا، فقد تم تنفيذ الأمر بأسلوب أشبه بالانقلابات العسكرية! فقد تم أولًا الإعلان- في منتصف الليل -عن زيادة مرتبات موظفي الدولة «ما بين 4 إلى 7 دولارات» ثم فوجي اليمنيون في الصباح بأن زيادة أسعار المشتقات النفطية قد تم تنفيذها عبر منشورات تم توزيعها على البائعين بطريقة فردية ومع أن الحكومة حرصت على إعلان الزيادة الجديدة في الأسعار في يوم الإجازة الأسبوعية كسبًا للوقت، إلا أن اليوم الأول لم يخل من احتجاجات صغيرة ثم كان الانفجار الكبير يوم السبت 2/6 الماضي عندما اجتاحت العاصمة صنعاء مسيرات الاحتجاج الشعبية الغاضبة التي رافقتها أعمال شغب واسعة تبادل الطرفان الرسمي والشعبي إلقاء المسؤولية على الطرف الأخر كما شهدت مناطق أخرى احتجاجات مماثلة!

ولاحظ المراقبون أن حركة الاحتجاجات الغاضبة ضد قرارات رفع الأسعار قد انحصرت في المناطق الشمالية باستثناء محافظة «أبين» الجنوبية وفي المقابل فإن الهدوء الذي ساد «الحديِّدة» و«عدن» و«حضرموت» و«تعز» -إلى حد ما - قد خففت من قوة الرد الشعبي لكن الأحداث التي شهدتها عدد من المناطق القبلية قد أدى إلى تصاعد الموقف بصورة خطيرة، ولاسيما في محافظة مأرب التي شهدت صدامات مسلحة حقيقية

ولأن الحكومة -كما أسلفنا - لم تكن تتوقع أن يكون رد الفعل على قراراتها بهذه السرعة وهذا الحجم، فقد فشلت أجهزة الأمن في اليوم الأول في احتواء التحركات الشعبية، واضطرت في اليوم التالي إلى إنزال قوات إضافية في الشوارع والميادين بصورة مكثفة لم يسبق لها مثيل منذ سنوات طويلة فقد كان واضحًا أن الحزب الحاكم الذي ظل يتفاخر بالأغلبية الكبيرة جدًّا التي حصل عليها في الانتخابات غير قادر على ضبط الأمور واستخدام شعبيته المعلنة في إقناع المواطنين أن القرارات الأخيرة هي لصالحهم كما زعم إعلامه الرسمي والحزبي.

البحث عن مخارج:

وكالعادة في مثل هذه الأحداث التي شهدتها دول عدة في العالم الثالث كان لابد من البحث عن «كبش فداء» ليتحمل المسؤولية ويخفف من حالة الحرج السياسي الذي وجد الحزب الحاكم نفسه فيه.

وكالعادة -أيضًا -وقبل أن تأخذ التحقيقات  مداها الزمني المعقول لاستجلاء الحقائق كان سيف الاتهام مصلتا على أحزاب المعارضة تلميحًا وتصريحًا فقد بدا واضحًا أن حزب الأغلبية الشعبية يبحث عن سبب لتبرير غضبة  الشعب ضد سياساته وقراراته ويبرر خروج  الآلاف من المواطنين ينددون بسياسته ويتهجمون على أمينه العام ورئيس وزراء حكومة الحزب الحاكم بشعارات قاسية لكنها عكست قناعة المتظاهرين بأن د. الإرياني هو الذي يتحمل  مسؤولية الإصرار على إصدار قرار رفع  الأسعار الذي سبق لسلفه «د. فرج بن غانم» أن رفض إعلانه إلا بعد توافر ضمانات حقيقية لإحداث إصلاح إداري ومالي في أجهزة الدولة، لكي يكون ذلك سببًا مقنعًا لتتحمل الجماهير مزيدًا من الأعباء الجديدة. 

وفي السياق نفسه منعت الحكومة توزيع عدد من خطب الجمعة التي رفضت الإجراءات الأخيرة ولاسيما خطبة الجمعة للشيخ عبد المجيد الزنداني التي تعد فيها بالقرارات ودعا المواطنين إلى ممارسة حقوقهم الدستورية في التعبير السلمي بالمسيرات السلمية للضغط على الحكومة للتراجع عن قراراتها.

ومع أن الشيخ الزنداني حذر في خطبته من اندساس المشاغبين في المسيرات وطالب الحكومة بحماية المسيرات منهم، إلا أن هناك محاولة لم تتبلور رسميًّا حتى ساعة كتابة هذا التقرير للزج باسم الشيخ عبد المجيد الزنداني ضمن المحرضين على أعمال الشغب والعنف، واستدل على ذلك ببيان صدر عن وزارة الداخلية اليمنية أعلنت فيه -بصورة مفاجئة- عن استكمال تحقيقاتها وجمع الأدلة على المتورطين في الدعوة إلى أعمال الشغب بصورة مباشرة أو غير مباشرة تمهيدًا لإحالتهم إلى القضاء لكن هذا الإعلان المفاجئ ربما كان ردًّا على دعوات بعض أحزاب المعارضة إلى تنظيم مسيرات في المحافظات لتنديد بقرارات الحكومة وهو أمر إن حدث فإنه يعني أن حركة الاحتجاجات الشعبية سوف تستمر بأسلوب آخر فلا شيء يجمع اليمنيين حاليًا أكثر من رفض الإجراءات التي تمس معيشتهم وتهدد بمزيد من التأزم الاقتصادي حياة المواطنين!

وليس سرًّا أن الإسلاميين من جهة والاشتراكيين والناصريين وحلفاءهم من جهة أخرى، قادرون على تحريك مسيرات حاشدة سوف تسبب حرجًا إضافيًا للحكومة.. ولاسيما أن حركة الأحزاب سوف تتسم بالاستمرارية والتنظيم اللذين يفوتان على الحكومة اتخاذ أي إجراء بمنعها أو تفريقها بالقوة، ولا شك أن أحزاب المعارضة لو كانت هي التي بادرت بتسيير المسيرات منذ اليوم الأول لكان الوضع قد اختلف عما هو عليه فالمواطنون كانوا حينها أكثر استعداد للخروج للاحتجاج على قرارات الحكومة لكن حالة التشتت التي تعيشها المعارضة اليمنية في الداخل وعدم اتفاق طرفيها الرئيسين الإسلاميين والاشتراكيين حول صيغة مشتركة للمعارضة كل ذلك يؤخر اتخاذ قرارات قوية للمعارضة ويضعف حركتها في مواجهة الحكومة التي تعرف أن ضعف الثقة بين الطرفين يعمل لصالحها أكثر من أي شيء آخر.

وبين إصرار الحكومة على قراراتها ودفع المعارضة إلى إلغاء تلك القرارات يتابع المراقبون ما ستؤول إليه الأمور في اليمن، فالتراجع عن القرارات ليس بالأمر الهين فالإيرياني ورموز الحزب الحاكم أعلنوا قناعتهم بها وعدم استعدادهم للتراجع عنها وفي المقابل فإن الخسائر التي أحدثتها حركة الاحتجاجات والصدامات العسكرية غير المعهودة في المناطق القبلية قد رسمت إشارة إنذار حمراء للحكومة اليمنية لا يمكن تجاهلها بسهولة في بلد كاليمن له ظروفه وخصوصياته الاجتماعية والسياسية.

ومن المتوقع أن تعمل الدولة على استرضاء المناطق الغاضبة وتسوية مشكلة الدماء والقتلى الذين سقطوا من الطرفين وربما وجه الرئيس علي عبد الله صالح الحكومة نحو اتخاذ قرارات لتخفيف من الآثار السيئة لرفع الأسعار وربما تحدث مفاجأة أن تعلن الحكومة تخفيض الزيادة المعلنة بنسبة بسيطة لامتصاص الغضب الشعبي وإن كان هذا الاحتمال ما يزال ضئيلًا إلا إذا تجددت الاحتجاجات ولاسيما في المناطق القبلية.

ما هكذا يرد الجميل

في عام ١٩٨٩م وبعد عمليات «الأنفال»  سيئة الصيت التي قضت على حوالي ٢٠٠ ألف كردي، زار الرئيس العراقي مدينة أربيل وألقي خطابًا في أهالي المدينة الذين جمعوا عنده رغمًا عنهم قال فيه إنه قرر إصدار عفو عن الأكراد الذين وقفوا في وجه سلطته، وأن قرار عفوه، وقتذاك، يشمل حتى قادة التمرد الكردي مثل جلال الطالباني، ومسعود البارزاني وغيرهما، وهنا يسأل الرئيس العراقي عن أسباب هذا الإجراء، فيجيب نفسه قائلًا: عندما تعرض أجدادي لهجمة شنها والي بغداد في زمن العثمانيين وحرق قرانا أدى ذلك إلى إرغام أبناء عشيرتي على الهروب واللجوء إلى كردستان، ويضيف إن شعب كردستان أكرموا أجدادنا وأبناء عشيرتنا وقدموا لنا كل ما يمكن من المساعدة، وبقينا في كردستان لفترة طويلة، كما أن أهل کردستان توسطوا لنا لدى والي بغداد كي يعفو عنا وقد حصل ذلك بالفعل، وعدنا إلى مواقعنا في جنوب الضفة الأخرى لنهر دجلة. 

والحقيقة أن المناطق التي لجأ إليها آباء وأجداد الرئيس العراقي في مناطق كرميان وهي المناطق الممتدة من مرتفعات حمرين حتى جبال قره داغ والقسم الأكبر من المناطق الكرميانية يخضع حاليًا لسيطرة النظام العراقي ومن ضمنها محافظة كركوك المستباحة وعندما وصل صدام حسين إلى سدة الحكم عام ١٩٧٩م لم يرد الجميل لأحفاد أولئك الذين أكرموا أجداده، بل لم يتركهم وشأنهم، وإنما أقدم على طردهم من أراضيهم وهدم قراهم وأقام على أراضيهم الزراعية الخصبة المعسكرات والقلاع العسكرية الضخمة، وأقام على أنقاض القرى الكردية المهدمة البيوت العصرية للعشائر الموالية له الذين وفدوا من غرب العراق وجنوبه بعد أن زودهم بالمال الوفير والسلاح، وأوجد لهم فرص العمل، وقدم لهم كل التسهيلات اللازمة، ورغم ما وصل إليه الحال في العراق لا يزال هاجس تغيير التركيبة السكانية في مناطق کرمیان مثل كركوك، وخانقين، وطوزخورماتو، وآلتون كوبري، وقره هنجير وغيرها لا يزال ماثلًا في عقلية صدام حسين ونظامه والمهجرون الكرميانيون الذين طردوا من ديارهم بغير وجه حق وهم بالآلاف يعيشون في أوضاع صعبة للغاية لا يعلم مداها إلا الله  ونتوجه بالسؤال إلى الرئيس العراقي أهكذا يرد الجميل للمكرميانيين الكرد الذين أحسنوا إلى أجدادك؟!

خالد عبد الله- سنندج

الرابط المختصر :