; المجتمع الثقافي.. 1826 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. 1826

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2008

مشاهدات 48

نشر في العدد 1826

نشر في الصفحة 46

السبت 08-نوفمبر-2008

أستاذ أمي.

قصة قصيرة:

منى العمد.


أزمة سير خانقة لا يدري ما سببها، إنه يأتي هذا الطريق يوميًا ويجتازه بلا مشكلات، فما الحكاية اليوم؟ إذا بقي يمشي بهذه السرعة فلن يصل إلى طلابه في موعده، وهو أستاذ جامعي اعتاد أن يكون دقيقًا في مواعيده، وكان ينعى دائما على الذين يتأخرون من زملائه أن يبرروا تأخرهم بأزمات المرور، وما كان يقبل هذا العذر من طلابه أبدًا، فكيف يعتذر به إليهم؟

لا يدري لماذا يتذكر اليوم أزمة تشبه هذه الأزمة حدثت منذ بضع سنوات، أخذت الصور الكئيبة تتلاحق في ذهنه ذلك اليوم، توقفت السيارات تمامًا وتقاربت جدًا، بادره السائق إلى جانبه بالتحية فرد تحيته، ثم تساءل: ترى ما سبب الأزمة؟ هل هناك حادث سير؟ قال له صاحبه بأسلوب لا يخلو من إثارة: حادث وأي حادث، لكنه ليس حادث سير. 

كم يكره هذا الأسلوب في الحديث من رجل ينتمي فيما يبدو لفئة أنصاف المثقفين، ولكن لا يليق بأستاذ فلسفة مثله أن يفلت منه زمام نفسه.

حاول مجاراة صاحبه متسائلًا: فحادث ماذا إذن؟

قال له صاحبه: إنهم يقيمون الحد اليوم على أحد اللصوص، يقطعون يده في الميدان العام. 

وقعت الكلمات منه موقعًا أثار استياءه، بل واشمئزازه، قال مستهجنًا وكأنه لم يسبق له أن سمع بالحدود يفعلون ماذا؟ يقطعون يده؟

قال الآخر: وماذا يقطعون غير يده التي امتدت إلى ما لا تملك واستحلت ما ليس لها بحق؟

قال متضجرًا مستنكرًا: كأنك سعيد بقطع يد ذلك المسكين.

قال السائق: لا، أبدًا، لا يسعدني أن تقطع يده، ولكني لا يسعدني كذلك أن يسرق مالي. قال: وهل سرق منك؟

رد: وماذا كان سيمنعه أن يسرق مني مادام سرق من غيري، اليد الخائنة لا يهمها على أي حق تمتد. 

هز الأستاذ رأسه يمنة ويسرة وقال: هذه همجية، هذا ليس أسلوبًا متحضرًا في معاملة الناس، حتى لو أخطئوا واعتدوا هو أمر غير مقبول، غير مقبول إطلاقًا.

عض السائق على شفته وهو يقول: اتق الله يا رجل، هذا حكم الله، صمت الرجل، انفرجت الأزمة قليلًا، تحركت السيارات شيئًا ما ثم عادت فتوقفت، توازت سيارته مع سيارة صاحبه مجددًا.

قال له: ولكن لماذا لا يسامحه صاحب المال المسروق؟ هذه يد إنسان مقابل حفنة ريالات مهما كثرت.

رد قائلًا: ألا تقرأ يا رجل، حد السرقة لا يملك أن يسامح فيه أحد، إنه حق الله، قال الأستاذ: حتى صاحب المال؟

قال: حتى صاحب المال.

قال متعجبًا: لكن حتى في القتل يستطيع ولي المقتول أن يسامح ويتنازل عن حقه في القصاص، أليست الروح أغلى من المال؟

قال السائق: اسأل أهل العلم، يبدو أنك لا تقرأ.

أخذ يتفرس فيه وهو يقول: ولكني لا أظنك أميًا، هل أنت أمي؟

انفرجت الأزمة قليلًا، فأشار لصاحبه مودعًا ومضى في طريقه وهو يرثي لحال صاحب اليد العقيرة، ويتألم له.

لكن سؤال رفيقه آنفًا: هل أنت أمي أزعجه كثيرًا، ربما كان أميًا في الفقه، وإن كان أستاذًا في الفلسفة، لا يدري لماذا يتذكر الحادث الأليم هذا اليوم مستنكرًا ويملأ الحنق قلبه. 

عاد ينظر إلى الشارع مستطلعًا، يبدو أن هناك تحويلًا لخط السير يتسبب في الانسداد المروري، أوقف سيارته قرب مكتبة ونزل ليأخذ بعض الأدوات استغلالًا للوقت، لفتت نظره عناوين كتب جديدة، أخذ يطالع اختار كتابًا أو اثنين، أراد أن يدفع ثمن مشترياته، تذكر أنه وضع محفظته في حقيبته، عاد بسرعة إلى السيارة، وهناك فوجئ بأن حقيبته ليست موجودة يا للهول حقيبته فيها أوراقه وأبحاثه المهمة، وفيها ماله يا الله وحاسوبه الشخصيً وفيه كل مستنداته حتى بحثه الجديد الذي قضى وقتًا غير قصير في إعداده وتنسيقه، غير ممكن، يا لحظه العاثر، كيف يتعرض للسرقة هذا اليوم بالذات؟!

 أسرع إلى مركز الشرطة وقدم بلاغًا بالحادث الأليم الذي تعرض له، إنه يوم كئيب من أوله، يوم مشؤوم.

هناك أعطى بيانًا بمواصفات حقيبته ومحتوياتها وحاسوبه، كان دقيقًا جدًا لم ينس شيئًا، لم ينس أيضًا أن يصف اللص الذي امتدت يده الآثمة إلى سيارته في غفلة منه، وتناولت بكل بساطة أغلى ممتلكاته وأعزها عليه بأقذع الصفات وأشنعها.

قبل أن يخرج قال للضابط: هل ستقطعون يده؟

ابتسم الضابط وقال: دعنا نجده أولًا وأضاف قائلًا: ثم إن هذا ليس عملنا يا أستاذ، مسؤوليتنا تنتهي بالقبض على اللص وتسليمه للعدالة، وتسير الأمور بعد ذلك عبر قنواتها حتى تصل إلى القضاة، فإن رأوا أن يقطعوها بعد المحاكمة فالأمر إليهم، ولكن دعني أسألك هل كانت سيارتك مفتوحة أم مقفلة؟ قال: مفتوحة، لا شك أني تركتها مفتوحة، قال الضابط لن يقطعوا يده على الأرجح. 

قال أستاذ الفلسفة محتدًا وينجو من العقوبة لأني نسيت سيارتي مفتوحة؟ رد الضابط مستغربًا من قال ذلك؟ إن نجا من الحد فلن ينجو من التعزير، وكرر قوله في محاولة لإنهاء الحوار: قلت لك: هذا عمل القضاء.

سلم وخرج وهو يتساءل: التعزير؟ ترى ماذا يكون هذا التعزير أيضًا؟ تذكر سؤال صاحبه: "ألا تقرأ يا رجل؟ وسؤاله الآخر: "هل أنت أمي؟". 

ما هي إلا أيام حتى استدعي إلى مركز الشرطة، وما أن دخل حتى رأى حقيبته هي هي مفتوحة على الطاولة أمام الضابط، اندفع قائلًا: حقيبتي وحاسوبي الحبيب، نعم إنها هي نسي وقاره وأخذ يقلب أوراقه، الحمد لله، نعم هذا البحث كاملًا كما هو، وهذه، أخذ مبلغ المال وعده، وقال: نقص منه كذا وكذا، شغله تفقد محتويات حقيبته عن رجل يقف بين أفراد الشرطة منكسًا رأسه، وقد شدت يداه خلف ظهره بقيد. 

عندما رآه قال: أهذا هو اللص الذي سرق حقيبتي؟ أسرع يهجم عليه، يريد أن يبطش به لولا أن منعه رجال الشرطة، فأخذ في شتمه وهو يقول: حضرة الضابط، هذا الرجل يجب أن يقتل، يجب أن يقتل.

 

واحة الشعر:

شعر مأمون الرشيد نايل.

ومضى عهد الصبا:

أيا نفس مالك لا تجزعين
 
وقد غاب عهد الصبا الناضر
  
وأبقى المشيب على المفرقين
 
       كتائب من جيشه الظافر
  
فأين الصحاب وقد أصبحت
 
         لياليك تخلو من السامر
  
غدوت وحيدًا بدرب الحياة        
 
    كسيف هوى من يد الخاسر
  
تحن إلى عالم تشتهيه
 
              وقسرًا تجر إلى آخر
  
أتذكر أيام كنت صبيًا
 
          سعيدًا ببرد الصبا الباكر
  
أيام تأسر ود الحسان
 
      بسحر حديث الهوى الساحر
  
وطورًا يصدنك صيد القطاة
 
            برشق من الفاتك الفاتر
  
فالآن تهدأ حرب العيون                  
 
              فما من أسير ولا آسر
  
وينفر منك رسول الغرام
 
            وما كان من قبل بالنافر
  
فما لك غير الأسى من سمير
 
           وغير الوساوس من زائر
  
حولك تحبو ملامح جيل
 
                 لكل أصيل سما ناكر
  
تنكب عزم القوي طريقًا
 
                 وأدبر عن همة القادر
  
فبئس شباب إذا ما دعت
 
                بلاد إلى نصرة الناصر
  
رون خلف متاع دنيء
 
                 وكل هوى فاسق فاجر
  
تمر السنون ولا يستبينون
 
         نصحًا من المشفق الآن الأمر
  
إذا ما ذكرت الأوائل قالوا
 
                عجوز يحدث عن غابر
  
يرجون لو غيبتني المنون
 
          وغودر تحت الثرى سائري
  
أما علموا أن فيما مضى
 
                    عماد لمستقبل زاهر
  
تدثرت بالليل أحدو الركاب
 
                 بعيدًا عن الزمن الجائر
  
وطافت بعيني سنة أباحت
 
                وداع سنا نجمي الساهر
  
حلمت بأني حول العتيق
 
ألبي مع الموكب الهادر
  
ويسبح فوق القباب فؤادي
 
ويسري مع الفلك الدائر
  
مع من بمكة من راكع
 
    ومن بالمدينة من ذاكر
  
ونور النبوة ملء الدروب
 
سلام على القلب والخاطر
  
فعدت كيوم ولدت نقيًا
 
    أدل بثوب التقى الطاهر
  
وحين صحوت تبخر حلم
 
   وأفلت من قبضة الحاضر
  
فشاهدت موت المنى في
 
المسافة بين المؤمل والصائر
  
فاذا أرجيه غير الخضوع
 
     لجسم ضعيف القوى خائر
  
وعمر يسير إلى أرذل
 
     وداء سرى في الحشا غادر
  
وهذي العصا بيميني بها
 
       أهش على خطوي العاثر
  
وتلك الذنوب على كتفي
 
        كبحر من الكامل الوافر
  
فمن منقذي من هموم ثقال
 
   ومن في خطايا خلت عاذري
  
وأين السبيل وقد جفَ نبع
 
      وغاض معين الحجا العامر
  
مددت يدي تحت جنح الظلام
 
      أداري سدى دمعة الحائر
  
وبت أرتل ذكرًا حكيمًا
 
       وأغرف من باطن ظاهر
  
وأسأل حسن الختام غفورًا
 
    وهل غير ربك من غافر؟
  

 

الكتاب المسموع والمعرفة الجديدة:

 أنهيت للتو قراءة كتاب "أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والخيال" للدكتور عبد الصبور شاهين، وكنت قد قرأته منذ عشر سنوات، عندما صدر عن دار الروافد الثقافية في القاهرة، وهذا الكتاب الذي لا تزيد صفحاته عن المائتين، يقوم على ركيزتي الآيات المنزلة والأحاديث الصحيحة، وهو يهدف من وراء تأليفه إلى انتزاع العقل المسلم من براثن النقول الإسرائيلية الدينية، المحشوّة بالخرافات المنافية لكل ما هو عقل وعلم ونور.

عبد الله زنجير:

 لقد بُحتُ حناجرنا ونحن نبحث عن "رغيف" فكرة، في عالم متكبر متجدد لا يعترف بغير المعرفة من أجل التعارف، وتعميم الأفكار والأصوات (عكس تكميمها) وهي السبيل السنني للتغيير الحضاري المرجو.

ويأتي الكتاب المسموع نسخة معاصرة لما نأمله من ثقافة متفاعلة. وأمثال هذا البحث الجاد الذي استغرقت كتابته (ربع قرن) فقط، يجدر تحويله إلى مادة مسموعة بمؤثرات إذاعية راقية ترتشفه القلوب الظامئة للقلم والقراءة.

ومن هذا المنبر نتواصى فنذكر ونتدبر وندبر ولا نكتفي بقول: "الصلاة خير من النوم"، بل نخطو إلى الفعل والفاعلية ريثما يصبح هذا المشروع ملء السمع والبصر والأرفف.

إن محاولات قامت في هذا المجال، لكنها تعثرت لأسباب ما، يأتي طليعتها عدم التشجيع، فقد أصدر المجمع الثقافي في أبو ظبي نخبة من الكتب والمختصرات المتنوعة، وكذلك ما أنتجته بعض المؤسسات، مثل: "الفجر" و"النور" و"حرف" و"قرطبة" و"عرب ميديا" و"السلام" و"العالمية"، لبعض العناوين المختارة، وتوجد تجربة لشركة "سنا" في جدة التي أخرجت سلسلة كتب مسموعة، منها: "رياض الصالحين، وإحياء علوم الدين، والوقت، والنجاح للدكتور البراء الأميري"، وبعضها بلغت كلفته أكثر من مائة ألف دولار، ورغم ذلك يمكن الاستمرار في هذه المحاولات من حيث انتهت، وببرمجة تسويقية واستثمارية حقيقية، قد تعتمد نظام الوقت أو القرض الحسن أو الدعم الجزئي، أو غيرها من تجليات المجتمع المدني، ريثما يصبح هذا النوع من النشر المتطور والإلكتروني متاحًا لكل أذن عربية.

المعرفة الجديدة تنتظر الوسائط الجديدة، ولا يكفي أن نحصر كل عالم الإنترنت والكاسيت بغرائزنا السفلى، وكثير من الروايات الرائعة والكتب العظمى ما تزال بانتظار العبور.

إعادة صياغة العالم:

عبد الرحمن عبد الوهاب:

نعم هناك قوى تعبث بمصير العالم، تفتعل حروبًا، وتقوم بالإبادة، وتتعامل مع الأمة الإسلامية بمنطق السطو المسلح، وتصدر تصريحاتها من آن لآخر لتعلن أنها تعيد صياغة العالم، ويقول الغرب لنا بصراحة إنه لا فكاك من تسليم العراق وأفغانستان، وأن نترك فلسطين تحت الإجرام والقتل اليومي بلا قتال؛ لأن المقاومة من منظورهم غير مشروعة، ففي أي منطق وفي أي شريعة هذا الكلام؟ إنها شريعة الغاب والزرائب.

إنه منطق الغرب كما جاء في فيلم "ريسرفوار دوجز" Reservoir Dogs حيث يقول "مستر وايت" إلى "مستر بلوند"Mr. White to Mr. Blonde إذا حلمت أنك تطلق عليَّ الرصاص فمن الأفضل أن تستيقظ وتعتذر.

دعونا الآن نقف على تصريحاتهم بشأن إعادة صياغة العالم:

جاء في الخريطة الجديدة للبنتاجون. (خريطة هندسة المستقبل).

The Pentagon,s New Map. Chapter 1 - New Rule Sets. Section - «A Future Worth Creating» Pg 50.

نحن البلد الوحيد في العالم الذي له القدرة على بناء القيم حولنا والتي بدورها تحرك العولمة، التقدم في خيار الحرية، وحرية الحركة، حرية التعبير، وحرية المرأة، والملكية، والتعليم.

 تعريف العولمة هو عدم الاستقلالية المتبادل، وأن تعولم الاقتصاد والمجتمع، وعليك أن تقبل أن العالم سيغير مستقبلك أكثر مما تغير أنت العالم، في المقابل استمرار الماضي حيث يتبع الولد منهج آبائه في الاحتلال.

الحب بين العقل والقلب

ماجد بن عبد الله الغامدي

لطالما عرفنا أن القلب هو رمز المشاعر الإنسانية نبيلها وقبيحها، وطالما عددناه منبعا لإرادة الإنسان، وإقدامه وعلو همته، وجاء العلم ليثبت أنه مجرد عضلة خاصة تضخ الدم في أنحاء الجسم لا أكثر، ولم يكن ربطنا للمشاعر بالقلب إلا تفسيرًا لما يعتري القلب من اضطراب أو ارتياح؛ ففي دراسة للدكتور أسامة الغنام أستاذ المخ والأعصاب بجامعة الأزهر، قال: إن هناك بعض الأجزاء في المخ هي التي يقع فيها الجزء الذي يتحكم في الكثير من التصرفات؛ حيث إن الفص الوجدي من المخ هو لاختزان الذكريات جميعها، وكذلك الانفعالات، سواء بالحب أو الكره.

وترتبط دائمًا بالذكريات والمعرفة القديمة، أما الفص الأمامي من المخ فهو المسؤول عن التفكير والتصرفات والعقل والرصانة، ويستقبل المخ عن طريق العين التي منها توزع الصور وكل ما نراه إلى فصوص المخ، خاصة الفص الوجدي والفص الأمامي بعد أن تمر قبل ذلك على الفص الخلفي المسؤول عن إدراك وفهم هذه الصور.

إشارات المخ:

وعندما ينفعل المخ بما رآه يبعث إشارات مختلفة إلى جميع أجزاء الجسم، ولكن بدرجات متفاوتة فيرسل إشارات إلى العضلات أو إلى اليد لتحية من يحب، وإلى القلب ليزداد نبضه بقوة، وإلى الأوعية الدموية بالوجه ليقول لها: إن هذا هو المحبوب، وكذلك يرسل إلى القلب فيستجيب فورًا بسرعة نبضه واضطرابه؛ لذا كان الاعتدال والوسطية في الحب والتصرفات هو أسمى معاني الوجود؛ ولذلك يُقال: إن المرأة تفكر بقلبها بينما الرجل بعقله (ربما هو نقص العقل الذي أشار إليه الحديث)، ولكن ابن الفارض يؤكد على أن الحب والهوى نقيضان للعقل: 

هو الحب فأسلم بالحشا ما الهوى سهل سهل

 

                                   فما اختارَهُ مُضْني به وله عقلُ

  

وعش خاليًا فالحبّ راحتُهُ عَنًا

 

                                وأَوّلُهُ سُقمٌ وآخرُهُ قَتْلُ

  

ولكن لدي الموتُ فيه صبابة

 

                                  حياة لمن أهوى عليّ بها الفضل

  

نصحتك علمًا بالهَوَى والذي أرى

 

                               مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو

  

فإن شئتَ أن تحيا سعيدا فمُتُ به

 

                            شهيدًا وإلا فالغرامُ لَهُ أهل

  

القلب في القرآن:

وقد ذُكرت كلمة القلب (قلبك، وقلبها، وقلبين، وقلوب، وغيرها) (١٣٣) مرّة في القرآن الكريم، تناولت القلب من جانبه المعنوي والمادي أيضًا، كقوله -تعالى- عن القلب المعنوي: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة الأنفال: 24)، وقوله -تعالى-: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ومن الإشارة إلى القلب العضلي المادي قوله -تعالى-: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لرَجُل من قلبين في جَوْفِهِ ﴾ (سورة الأحزاب:٤)، وقوله: -صلى الله عليه وسلم- «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»، ويجمع بين القلبين المعنوي والمادي قوله -تعالى-: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (سورة الحج: 46)، وتبقى الرابطة قوية بين القلب المعنوي والقلب المادي، فكلنا قلوب تخفق فرحًا لرؤية حبيب أو انزعاجًا وأسىً لنبأ موجع، وقد نشعر وكأن قلوبنا تخرج من بين أضلعنا في مواضع الألم والحسرة أو السعادة الغامرة؛ لذلك يُقال: إن الذي يكتم حبه في قلبه يموت مختنقًا، يقول أحدهم:

تمنّيتُ أَنَّ القلبَ شُقَّ بِمُديةٍ

 

                                وأُدخلت فيه ثمَّ أُطبق في صدري

  

تعيشين فيه ما حييت فإن أمت

 

                     سكنت شغاف القلب في ظلم القبرِ

  

تحلّينَ فَيه لا تحلين غيرَهُ

 

                            إلى مقتضى يوم القيامة والحشر

  

بواعث الحب:

وقد أجاد الشاعر البغدادي حين ربط مواضع الحب وبواعثه بقوله: 

يقول قلبي لطرفي إذ بكى جزعًا

 

                               تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا

  

فقال طرفي له فيما يُعاتبه

 

                          بل أنت حملتني الآمال والطمعا

  

حتى إذا ما خلا كل بصاحبه

 

                         كلاهما بطويل السقم قد قنعا

  

نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد

 

                               قطعتماني بما لاقيتما قطعا

  

مثل ذلك، ما ذكره ابن القيم في روضة المحبين:

يقول قلبي لطرفي هجتَ لي سقمًا

 

                                         والعين تزعم أن القلب أنكاها

  

والجسم يشهد أن العين كاذبة

 

                                وهي التي هيجت للقلب بلواها

  

لولا العيون وما يجنين من سَقم

 

                                  ما كنتُ مُطرحًا من بعض قتلاها

   

فقالت الكبد المظلومة اتئدا

 

                                قطعتماني وما راقبتما الله

  

ولا أجمل من قول ابن ميادة: 

أعلل قلبي بالأماني لعلها

 

                                        سَقَتنا بها ليلى على ظمأ بردا

  

منى إن تكن حقًا تكن أحسن المنى

 

                                     وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

 

الرابط المختصر :