; أستاذ الدراسات الإسلامية المغربي د. محمد الحساني لـ«المجتمع» (2 - 2): الانخراط الكامل في السياسة وترك المساجد طامة كبرى | مجلة المجتمع

العنوان أستاذ الدراسات الإسلامية المغربي د. محمد الحساني لـ«المجتمع» (2 - 2): الانخراط الكامل في السياسة وترك المساجد طامة كبرى

الكاتب سامح أبو الحسن

تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2018

مشاهدات 90

نشر في العدد 2123

نشر في الصفحة 40

السبت 01-سبتمبر-2018

أستاذ الدراسات الإسلامية المغربي د. محمد الحساني لـ«المجتمع» (2 - 2):

الانخراط الكامل في السياسة وترك المساجد طامة كبرى

 

ظاهرة الغلو تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل الموضوعي وهناك مبالغة في تقديرها

من كان قلبه غافلاً وإن كثرت صلاته وصيامه كيف يذكّر الناس بالله ويدعو إليه؟

رغم ما وقع من تخريب لـ«الربيع العربي» سيظل الفكر الوسطي الملاذ الذي تحتمي به الأمة

صناديق الاقتراع في كل بلدان «الربيع العربي» أثبتت أن «الإسلام السياسي» هو الخيار الشعبي

 

حوار - سامح أبوالحسن:

في الجزء الثاني من حواره مع «المجتمع»، ذكر د. محمد الحساني، أستاذ الدراسات الإسلامية وخبير الاستشارات والتدريب بالمغرب، أن ظاهرة الغلو لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل الدقيق والموضوعي، إلا أنها آخذة في الاعتدال، لكن هناك مبالغة ممن يرون في كل ملتحٍ إرهابياً، وفي كل متحجبة رمزاً للتطرف، مشيراً إلى أن الحديث عن الإسلام الوسطي هو حديث عن فهم ترسخ في كيان الأمة بكاملها، وكل ما خالف ذلك يبقى شذوذاً بعيداً كل البعد عن هذا المنهج الأصيل الذي تربت عليه الأمة بحفظ الله له.

• لماذا لم يستطع الفكر الوسطي استيعاب الناس؟

- بداية لا بد أن نشير إلى أنه من العلل الغثائية الدائية الغلو في الدين، الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» (رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح)، غير أن لي رأياً آخر، قد يكون الفكر المتطرف إلى وقت قريب له قابلية وبريق بالنسبة للكثير من الشباب، وهذا له حيثياته وأسبابه لا يتسع المقام هنا لتناولها وتفصيلها.

فظاهرة الغلو كانت ولا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل الدقيق والموضوعي، إلا أنها آخذة في الاعتدال بحمد الله كاشف البلاء، ولعل البعض غالى في تقييمها ويبالغ، خاصة الذين يرون في كل ملتحٍ إرهابياً، وفي كل متحجبة رمزاً للتطرف، في عالم مضطرب يستحيل فيه التوازن العادل ويتعذر فيه العدل الاجتماعي، وتتبخر فيه أوهام ديمقراطية ليبرالية واعدة ضمان حقوق الإنسان، وازدهار الاقتصاد وتشغيل العاطل واحترام هويات الشعوب وإرادتها، بذكر كل هذا نكون قد وضعنا الإصبع على جملة من العوامل التي أسهمت وما تزال تسهم في إفراز هذا الكابوس، كابوس التطرف.     

• كيف نستطيع تقديم نموذج يحتذي به الشباب من الفكر الوسطي؟

- نريد من شباب الصحوة أن يلتمس البرء لنفسه قبل كل كلام، من كانت وجهته وموضوع عنايته ومراقبته أفعال الناس وأخطاء المجتمع وهو عن ذات خطيئته وموبقات أخطائه غائب فكيف يصلح؟

ومن كانت الغفلة على قلبه وإن كثرت صلاته وصيامه ونفله كيف يذكر الناس بالله ويزعم أنه داع إليه؟

فبالتربية ثم التربية والتربية فقط على هذا المنوال نكون قد صنعنا وخرجنا إلى الأمة من يهتدى ويقتدى به.          

• هل واقع ما بعد الثورات العربية أثر على الفكر الوسطي؟

- لا أظن ذلك، بل بالعكس، رغم كل ما وقع من تشويش وتخريب لـ «الربيع العربي»، سيظل الفكر الوسطي هو الملاذ الذي ستحتمي به الأمة، وسيبقى هو السياج الذي يحمي كيانها، فيقولون: «الضربة التي لا تكسر ظهرك تقويك»، هذا إن استطاع من استطاع أن يقضي أو يكسر الفكر الوسطي، فالحديث عن الإسلام الوسطي هو حديث عن فهم ترسخ في كيان الأمة بكاملها، وكل ما خالف ذلك يبقى شذوذاً بعيداً كل البعد عن هذا المنهج الأصيل الذي تربت عليه الأمة بحفظ الله له.   

• ما مدى تأثير «الربيع العربي» على «الإسلام السياسي»؟

- يظن للأسف الشديد الكثير ممن جانبهم الصواب في الرؤية أو التحليل أن ما يسمى بـ«الإسلام السياسي» أصبح يعيش في أزمة بعد «الربيع العربي»، خاصة إذا وضعنا بعين الاعتبار أن صناديق الاقتراع في كل بلدان الثورات العربية أثبتت أن «الإسلام السياسي» كما يحلو للبعض أن يسميه هو الخيار الشعبي، وأن ما وقع من انقلاب على هذا الخيار الشعبي إنما هو دليل على أزمة «الإسلام السياسي»، وهذا تحليل ينقصه الكثير من الحصافة، هدفه بالأساس تشويه صورة الحركة الإسلامية خصوصاً وتقديمها في صورة ذلك البعبع الذي ينبغي الحذر منه.

فلا يمكن أن ننكر بطبيعة الحال أن هناك أخطاء، وهذا أمر طبيعي في كل حركة، ولا يمكن أن ندعي أن حركات «الإسلام السياسي» لم تدرك بعضاً من أخطائها، وأنها استوعبت الكثير من الدروس وفهمت البون الشاسع بين أن تكون معارضة وأن تصبح في الحكم مسؤولاً وشريكاً، ومن هنا فإنه يمكنني أن أقول: إن «الربيع العربي» بكل منعطفاته كان تجربة أثرت وأنضجت تجربة «الإسلام السياسي» بشكل كبير جداً، وليس كما يظن الكثيرون، خاصة المتحاملين والمتربصين والمرجفين.   

• هل يمكن أن تكون الأحزاب السياسية الملاذ الحقيقي للشعوب الإسلامية؟ ولماذا؟

- إذا كانت الأحزاب صادقة في عهدها وفية لأمتها حافظة لدينها حاملة له، تجهر بالحق ولا تجامل الباطل، تعمل بإخلاص لعزة شعوبها وبناء دولة العدل والكرامة؛ فهي ملاذ للأمة دون أدنى شك، فإن فقدت ذلك فالصلة بينها وبين الأمة منقطعة مبتورة، فعندما ترشح الأحزاب السياسية أو عندما يكون طموح هذه الأخيرة أن تصبح ملاذاً للأمة لا بد لها أن تدرك أن الأمر ليس شعارات حتى ولو كانت إسلامية، فإن لم تقدم هذه الأحزاب براهين الصدق وإن لم تكن النية في العمل محكها الإخلاص لله تعالى، وإن لم تكن الوجهة صادقة، وإن لم يكن الذود عن الشعب عبادة وتقرباً إلى الله تعالى، فلا يمكن لمن يتاجر بالشعب ويوالي الظلم أن يكون أو أن يتصور أنه يمكن أن يكون ملاذاً للشعب.

• هناك من يقول: إن هذه الأحزاب لم تنجح في التأثير بالمجتمع، وبالتالي يتحدث البعض عن فشل تجربة الحكم لتلك الأحزاب، ما رأيك؟

- بداية لا بد أن نحدد جيداً نوعية الأحزاب التي نريد الحديث عنها، فإن كان المقصود الأحزاب الإسلامية أو بلغة أوضح أحزاب «الإسلام السياسي» فالأمر فيه إجحاف، الواقع يشهد أن كل الظروف التي كانت محيطة بتجربة هذه الأحزاب كانت تعمل ليل نهار على أن تفشل تجربة هذه الأخيرة بكل الطرق، ولعل أقرب نموذج لدينا هو الحملة المسعورة التي شنتها كبريات المجلات والصحف العالمية ضد حزب العدالة والتنمية في تركيا عموماً و«أردوغان» خصوصاً، وعلى مثل هذه الحملات قس ما يتعرض وما تعرضت له كل الأحزاب الإسلامية.

عندما يتم توفير كل الضمانات التي من خلالها تمارس هذه الأحزاب دورها في الحكم، وعندما يكون هناك احترام وإيمان بالتداول على السلطة واحترام إرادة الشعب، عند ذلك يحق لكل متتبع ومحلل سياسي أن يقدم وجهة نظره ويقيم الأداء.

• ما الأخطاء التي يجب أن يتجاوزها الإسلاميون في المغرب خصوصاً والدول العربية عموماً؟

- لن أحاول أن أفرق في جوابي بين ما ينبغي على إسلاميي المغرب وباقي الدول العربية؛ لأن مساحة المشترك بينها كبير جداً، طبعاً هناك خصوصيات معينة، لكن طبيعة الأرضية التي تتحرك فيها الحركة الإسلامية في طول ربوع الوطن العربي كلها أرضية ملغومة موسومة بالتوجس والحذر وربما انعدام الثقة في الحركة الإسلامية.

«الحل الإسلامي» طامة كبرى على الدعوة إن انخرط الدعاة بكامل عدَدهم وتحولوا مديرين ووزراء ومستشارين وتركوا المسجد، وتركوا صحبة الشعب، وتركوا تربية الأجيال، وتركوا مجالسة المسلمين، فمتى ترك الدعاة المسجد وعَمَروا دواوين الحكومة واندمجوا وهم قلة في النوع والعـدد مع الطبقة الطَّموح سرقتهم الطبيعة الحركية، وأعجبهم نشاط المساعدين الخبراء، فلا يستفيقون -إن استفاقوا يوماً- إلا وقد أصبح «الحل الإسلامي» مركبة للطموح الاقتصادي الاجتماعي، وأصبح مِلاطاً ولحاماً لأشتات الراغبين بالبداية في خير، اطلعوا على ما هناك من مغانم فانجروا لا تضبطهم الدعـوة بعد أن انعزلت عن المسجد وعن جماهير المسلمين، أو يصبح شعار «الحل الإسلامي» صرخة المحرومين المكبوتةِ، وجدَتْ أداة تعبير عن لواعجها ويأسها وبؤسها، صرخةَ أولئك الذين خلَّفهم قطار التنمية المعوجة وأثَرَةُ الطبقة المستعلية من قبل.

يجب أن يكون القرآن كلمتَنا العالية مهما تقاصرتْ خُطانا على مسـرح الأحداث، يجب أن يبسط الشـرع سيادته على الواقع رويداً رويداً، ولا يصح شيء من ذلك إلا أن نبقى مع القرآن، ومع الشرع، وفي المسجـد، رجالاً لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، هذا وقد يعتبر الكثير من رواد الحركة الإسلامية أن هذه بديهيات ومسلمات، ونحن نقول من هنا يؤتى الفطن عندما تصبح هذه البديهيات كما نزعم متجاوزة فتصبح الحركة الإسلامية لا تحمل من مضمونها إلى الاسم.

الرابط المختصر :