; مذاكرات المستشار على جريشة.. شهادة قاض وسير رمز (13) أسفار ورحلات.. في دروب العلم والتربية | مجلة المجتمع

العنوان مذاكرات المستشار على جريشة.. شهادة قاض وسير رمز (13) أسفار ورحلات.. في دروب العلم والتربية

الكاتب مركز الإعلام العربي

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013

مشاهدات 61

نشر في العدد 2040

نشر في الصفحة 40

السبت 16-فبراير-2013

  • كنت حريصًا على عدم التصريح بانتمائي للإخوان ورغم ذلك ناشدني الطلاب في سنغافورة الحديث عن تاريخ الجماعة ومحنها
  • وصف السفير الأمريكي قادة انقلاب عام ١٩٥٢م بأنهم عيالي، ولو وصف حكام الثمانينيات والتسعينيات لقال: إنهم (my babies)
  • واجهت قادة العالم في قمة عالمية عن الإرهاب بأنهم هم الإرهابيون الحقيقيون وكل ما يصدر عن العرب والمسلمين رد فعل!
  • مرضت زوجتي فتفرغت للبقاء بجوارها ووفقني الله تعالى لإنجاز مهامي العلمية
  • حمدت الله تعالى على إنهاء عملي الجامعي وقررت العمل مع كتاب الله دراسة وتفسيرًا

تواصلت رحلة المستشار على جريشة (يرحمه الله) مع التعليم الجامعي، وتوالت أسفاره إلى دول الشرق والغرب؛ معلمًا ومربيًا لأجيال حفظت جميله، وكان أحدهم يلتقيه في مكان ما فيقول له: أنا بعض حسناتك. صدع بما يؤمن به، فانتقد موقف النظام من حادث «فتاة العتبة» في مصر، وقال لقادة العالم في قمة شرم الشيخ: «أنتم الإرهابيون الحقيقيون»، وتحدث مع طلابه عن الإخوان تاريخًا ومحنًا فأبكي الطالبات، وشجع الطلاب على الانخراط في الدعوة.

حلقة جديدة في مسيرة المستشار علي جريشة (يرحمه الله)، ارتحل فيها بين الجامعات العالمية والإسلامية، وانتهى إلى قرار حاسم بالتفرغ لكتاب الله الكريم.

كلفت مع زميلي (الشيخ محمد بدر الدين، د. أحمد المقري) من جانب رابطة العالم الإسلامي، بالتدريس لـ ٦٠ من شباب المسلمين في سنغافورة، يعدون لأن يكونوا دعاة، منهم ٣٠ شابًا و٣٠ فتاة، علما بأن تعداد المسلمين ١٢ من تعداد سكان هذه الدولة.

كان بين الشباب والفتيات سائر، والمحاضر يجلس أمامهم على المنصة، وكان فضيلة الشيخ محمد بدر الدين يدرّس لهم اللغة العربية وكان د. أحمد المقري يدرس لهم تفسيرًا، وأخذ الفقير إلى الله المواد الدعوية.. فكنت أقضي مع الطلاب وقتًا أكبر.

كان التدريس باللغة العربية، ويوجد مترجم، إلا أنه بعد فترة أدركت أنهم يتقنون اللغة الإنجليزية، فاستغنيت عن المترجم، فكان ذلك توفيرًا للوقت والجهد.

وبعد فترة (نحو عشرة أيام)، جاءني سؤال في ورقة مع بعض الأسئلة الأخرى يقول لي: أحسسنا من كلامك أنك تنتمي لجماعة، ونريد أن نعرف منك المزيد، رغم أني لم أصرح يومًا لا في سنغافورة ولا في غيرها بمثل هذا الانتماء.

فأشرت إلى السؤال دون إفصاح كامل، وطلبت من أصحابه انتظاري بعد المحاضرة.

وكانت المفاجأة أن أصحاب السؤال (۱۰ فتيات) طلبن اجتماعًا في غير وقت المحاضرة، وعرضت الأمر على صاحب الجمعية (أ. أبو بكر) وهو رجل فاضل ومتفهم.. فكانت المفاجأة؛ ترحيبًا منه!

ولكني اعترضت بأن هذا يسيء إلي في البلد الذي أعمل فيه؛ لأنه ممنوع الاجتماع مع الطالبات هناك، بل يتم التدريس لهن من خلال الدوائر التلفزيونية كي لا نراهن ويروننا! حتى كان أ. محمد قطب يقول لي تعليقًا: «إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم».

المهم تم الاجتماع في حجرة الاجتماعات بعد موعد المحاضرات (الخامسة بعد العصر) وظل نحو ساعة أو ساعة ونصف ساعة وسألتهن فيم تردن الحديث؟ فكانت المفاجأة!

في الإخوان المسلمين؟

وقلت: وما علمكن بالإخوان المسلمين؟

قلن: نعرف طرفًا عنهم!

قلت: في أي جانب تردن الحديث؟

قلن: في الجانب التاريخي.

قلت: أي جانب من جوانب التاريخ؟

قلن: محنة الإخوان المسلمين.

وبدأت الحديث عن بعض النماذج وكانت المفاجأة؛ بكاء شديد ثم حضر أثناء الحديث شاب طرق الباب فقلت له: من أنت؟

 قال: زوج واحدة من الجالسات. 

قلت: تفضل أنا أبحث عن محرم

ثم كانت المفاجأة أن قال لي: أنا تلميذ لك من المدينة المنورة!

قلت: لي فترة أردد قول الله: «فما وجدنا فيها غير بيت من المؤمنين».. وجلس وسمع!

 وكانت المفاجأة الأخيرة؛ أن سألت إحداهن: نحن نريد الالتزام، فقلت: أنا جئت للدروس فقط.

فقالت أخرى: هل هناك طريقة للالتزام غير الزواج؟ ولم أفهم العبارة إلا متأخرًا عندما عملت في اليمن!

في جنوب أفريقيا

كان معي ذات الزميلين، بيد أني تحولت مع د. المقري إلى آخر أفريقيا؛ «كيب تاون»، ووقفت على آخر صخرة فيها، وكان الغريب أن أجد المحيطين (الهندي، والأطلسي) يلتقيان عند الصخرة، ويقف موج كل محيط عند خط أبيض على امتداد البصر.

فلا الذي على اليمين يطفى على الذي على اليسار.. ولا الذي على اليسار يطغى على الذي على اليمين.. فأدركت سر قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَينِ يَلتَقِيَانِ(19)﴾ (الرحمن).

وفي وسط البلاد سألنا مرافقنا عن شباب المسلمين، فجمعوا لنا حول عشرين في منزل، فعرضت على زميلي د. أحمد المقري الحديث، فأحال إلي.. فسألتهم فيم تريدون الحديث؟ فكانت المفاجأة!.. عن الإخوان المسلمين فضرب زميلي فخذي.. فقلت له: إننا داخل بيت وليس في محاضرة عامة، قال لي: توكل على الله فحدثتهم ما استطعت وأجبت عن أسئلتهم وانصرفت.

أما في باقي البلاد، فكان الحديث دائمًا عامًا وفي محاضرات عامة أيضًا، حرصًا على عدم إحراج من تطوع بإرسالنا أو توجيه لوم له!

وفي الولايات المتحدة، طلب مني في الزيارة السادسة أن أخصص أسبوعًا لدراسة مركزة حول السياسة الشرعية، فألقيت نحو خمس محاضرات، كل محاضرة نحو ساعتين، جعلتها - بفضل الله تعالى - في عشر ساعات. 

وبعد أن انتهيت، طلب مني الطلاب وهم وافدون من بلاد إسلامية وأكثرهم من دول الخليج، محاضرة خفيفة؛ فجعلتها عن «حاضر العالم الإسلامي»، وجعلوا يسألون.. فكان من الطرف التي أجبت بها أن السفير الأمريكي في مصر أيام الانقلاب العسكري عام ١٩٥٢م واسمه «جيفرسون كافري» سئل عن ضباط الانقلاب؛ فكانت إجابته بالإنجليزية: They are my boys): أي أنهم «العيال بتوعي».

ثم عقبت: هذا يقال عن الزعيم الضخم «جمال عبد الناصر» ومن معه ترى لو سئل عن حكام اليوم ماذا يقول؟ وسئلت ثم قلت: يقول: (They are my Babies) أي أنهم أطفالي

مسجد العامودي في جدة

بغير سعي ومن غير طلب بل بإلحاح من الطرف الآخر - يعلم الله - طلب مني أن أكون مكان الداعية الإسلامي الفاضل الشيخ حسن أيوب - يرحمه الله تعالى - حيث تقرر إبعادها عن المسجد.

قلت في نفسي، بل وقلت لهم: إن الشيخ حسن أيوب أكثر مني لباقة، فضلًا عن علمه وفضله.. فكيف أحل محله؟

اسألوا «أهل الذكر».

فسألوا وقالوا: لا مانع.

 قلت: متأكدون.

قالوا: نعم.

قلت: لي شرط ألا أدخل المسجد إلا من باب حسن أيوب.

قالوا: هو الذي رشحك!

 قلت: ولو!

وفعلًا في أول جمعة، ذهبت أولًا إلى منزل حسن أيوب، ومنه إلى المسجد.

وحرصًا على مشاعر القوم، وبعدًا عن الأمور الخلافية اخترت أن أمسك بالقرآن من أوله، وكنت آخذ نهج المحاضرات في الإعداد، وفي الإلقاء، ووافق ذلك المستوى الرفيع للمسجد؛ فقد كان الأكثر من المتعلمين ثم انضم إليهم كثير من الملتزمين.

وسرت على هذا النحو الهادئ نحو سنة أو يزيد والأخ المشرف على المسجد (الأخ/ أ. ع. ر) مسرور من المنهج.

ولكن وقع ما لم أكن أتوقع!

فقد أبلغت أنه خلال شهر رمضان في العشر الأواخر، وفي ميدان العتبة الخضراء (القاهرة)، وهو من أكثر الميادين زحامًا، ويزداد زحامه في رمضان لوجود محال كثيرة، فيه وقربه من المحال الكبيرة المهمة التي يشتري منها الناس حاجاتهم في رمضان، وفي العشر الأواخر استعدادًا للعيد وأنه في أكثر نقاطه زحامًا (محطة الأتوبيس، حيث ترسو هناك حافلات ربما لجميع خطوط القاهرة):

أمسك أربعة شبان بفتاة محجبة من أطرافها الأربعة، وحاول أحدهم انتهاك عرضها، على مرأى ومسمع من مئات قد يبلغون الألف. 

وزاد الطين بلة، أن علق وزير الداخلية ورئيس الدولة على الحادث.

فقال أحدهما: ماذا تنتظرون في مدينة فيها ١٤ مليونًا؟ وقال الآخر: إن الحادث بسيط لا يستحق الضجة!

صعدت إلى المنبر، وذكرت الحادث دون ذكر البلد، وعلقت أن هذا الحادث لم يقع مثله على طول عهد الإسلام.

إنما وقع مثله في الجاهلية حين وضع أبو جهل حربته في موضع العفة من سمية أم عمار ابن ياسر (رضي الله عنهم)، لتكون أول شهيدة في الإسلام. ثم ذكرت تعليق المسؤولين الكبيرين ثم عقبت: أنا أتحدى هذا التافه أن يقبل ذلك على زوجته أو أخته أو ابنته!

ونزلت من على المنبر، وعدت إلى المدينة المنورة!

وقبل الجمعة التالية طلبني الأخ المشرف (أ. ع. ر). وقال: إن مدير الأوقاف طلب حضورك إليه ومعك الشريط.

قلت له: أنا لا أذهب إلى أحد، من أرادني فليحضر إلي.

قال: ولكن الشيخ حسن كان يذهب عندما يطلب.

قلت: الشيخ حسن أوسع مني صدرًا وأحسن مني خلقًا.. وهذه حدود صدري وحدود أخلاقي!

وفي الجمعة التالية، لاحظت وجود مندوب للأوقاف أسفل المنبر، فقلت ملخصًا لما قلت في الجمعة السابقة وزدت عليه.

وبعد أداء الصلاة تقدم إلي مندوب الأوقاف، فسلمت عليه، وتقدم مدير الجامعة فسلمت عليه، وأمسكت بكل يدي يد واحد منهما، وسرت في اتجاه الحجرة المخصصة لي، ولم يصبر المندوب، فسألني في الطريق: أنا جئت - طبعًا بالنيابة عن سعادة مدير الأوقاف - أسأل من تقصد بهذه الحكاية؟!..

فسكت فترة.

فسأل أكثر: هل تقصدنا بهذه القصة؟

 فقلت له: أنا لم أرد عليك، سأجعل مستوى رفيعًا من المستمعين يرد عليك، ثم وجهت الحديث لمدير الجامعة ومن دون ألقاب قلت له رد عليه يا...

فانبرى له مدير الجامعة ليقول ما نصه تقريبًا: «يا أخي، أنتم أخجلتمونا.. إيش الذكاء هذا، أنتم عندكم «عتبة خضراء» هنا.. أنتم عندكم بنت «فسخوها» هنا»؟

ولم أرد.. وانصرف مندوب الأوقاف، وكفى الله المؤمنين القتال!

القشة التي قصمت ظهر البعير 

عدت إلى التسلسل في الآيات حتى بلغت الآية ٤٢ من سورة البقرة: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (42)﴾ (البقرة)، وكان مخصصًا لها خطبة واحدة، إلا أن الله سبحانه وسع رزقي ورزق السامعين، فاستغرقت في الخطبة النصف الأول فقط «ولا تلبسوا الحق»، وبقي النصف الثاني «وتكتموا الحق» وأنتم تعلمون للجمعة التالية وبين الجمعتين وقع ما لم يكن في الحسبان.

 أقيم في شرم الشيخ قمة عالمية حضر فيها رئيس روسيا «يلتسين»، ورئيس أمريكا «كلينتون»، ورئيس دولة اليهود، ورئيس دولة مصر «محمد حسني مبارك»، ومثل المملكة الوزير «سعود بن فيصل»، وكان موضوع المؤتمر «إدانة الإرهاب الفلسطيني»، وتكلم الجميع عن إدانة الإرهاب الفلسطيني، ولم يتكلم أحد عن إرهاب اليهود إلا «سعود بن فيصل»، فقد استهل خطابه بذكر حادث اقتحام الحرم الإبراهيمي.

وصعدت المنبر، وتحدثت عن كتمان الحق حوالي عشرين دقيقة حتى بلغت أثرًا يقول: «إن هوام الأرض تدعو على كاتم الحق؛ لأنه يترتب على كتمان الحق منع القطر، فتموت هوام الأرض، فتدعو وهي تموت على كاتم الحق»!

وارتجفت فوق المنبر خشية أن أكون من الكاتمين! فإذا بي أقول: وقع خلال هذا الأسبوع حدث مهم لا أستطيع أن أكتم الحق فيه.

اجتمع مؤتمرون أو متآمرون؛ ليبرئوا اللص ويدينوا صاحب الدار! ثم قلت (مصطنعًا اللباقة بل قمة اللباقة): إنني أحيي مندوب هذا البلد، الذي وقف يذكر بحادث اقتحام الحرم الإبراهيمي، كأنه يريد أن يقول:

إن إرهابكم هو الذي ولد الإرهاب.

 إن إجرامكم هو الذي ولد رد الفعل. 

إن اغتصابكم الأرض والدار هو الذي أيقظ صاحب الدار، وأنا صاحب الدار!!

 وكررتها مرارًا بعد تحية مندوب هذا البلد.

وكأنه يريد أن يقول... ونظرت، فإذا المشرف على المسجد قد تغير وجهه؛ فأنهيت الخطبة، وأديت الصلاة وانصرفت مباشرة إلى المطار!

وصبروا علي أسبوعًا أو أسبوعين، وبعدها، أوفد لي المشرف على المسجد من حمل لي خطابًا رقيقًا، يقول فيه بعد ديباجة كلها أدب وذوق ومجاملة:

اجتمع في جدة هيئة كبار العلماء، وقرروا منع الشيخ د./ ... من الخطبة أو المحاضرة أو الدرس في أي مسجد من مساجد جدة، وكان الأسف باديًا على حامل الخطاب، كما نقل الأسف الشديد للأخ المشرف، كما نقل الأسف الشديد كذلك لرواد المسجد.

ووجدني أبتسم!

فعجب!

فقلت له والابتسامة لا تفارقني: إن هذا الخطاب جاء متأخرًا سنة أو سنة ونصفًا!

وقلت: بالعكس، أنا أشكرهم كثيرًا، لقد احتملتموني كثيرًا!

وانصرف الرجل، وانقطعت عن المسجد بضعة أشهر، ثم عدت أتردد عليه زيارة لمن فيه بين الحين والحين وليس شدًا للرحال إليه!

 الانتقال لجامعة الملك عبد العزيز - فرع المدينة المنورة:

الفضل لله وحده، ثم للأخ العزيز الصديق د. خالد كماخي، حيث قابلني قدرًا في الطائرة وعرف أني بين المدينة ومكة، وفي رجولة ونخوة وشجاعة لم أجدها إلا في أمثاله، قال لي: تنتقل إلى جامعة الملك عبد العزيز فرع المدينة؟ 

أنا سأذهب إلى مصر بعد أيام، هل ترافقني، أم تلحقني لأمضي العقد معك؟ 

وفعلت.. وكان عقدًا مباركًا دام عمره خمس سنوات، كانت من أحلى سنين العمر تدريسًا، وزمالة، وتقديرًا.

وتغير العميد.. وكنت أدرس مادة تسمى «ثقافة٤»، مع مادة أخرى تسمى «ثقافة3».. ومحتويات الأولى طرف من عهد الصحابة، ثم طرف آخر من التابعين، ثم طرف كبير عن الواقع الأليم.

ومحتويات الثانية: النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الإسلامي.

 ثم اقتصرت على الأولى.

وكتبت فيها مذكرة كبيرة (حوالي ٢٠٠ صفحة فولسكاب)؛ لأن المراجع فيها تصل إلى نحو عشرة مراجع: تيسيرًا على الطلاب. 

وبعد تداول دام ثلاث سنوات تقريبًا، صدر أمر بمنع المذكرات، علمت به شفهيا، ثم صدر أمر بمنع المذكرات، علمت به شفهيًا، ثم صدر أمر بمنع المذكرات وقعت عليه كتابيًا، وحدث معه واقعة أخرى، في ظل نظام «الساعات» المعمول به في هذه الجامعة، يتاح للطالب والطالبة اختيار الأستاذ.

وقد لاحظت إقبالًا أكبر علي من الفريقين، بيد أنه حدث بعد بدء الدراسة أن اتصلت بي بعض الطالبات على (هاتف الكلية)، وطلبن الانتقال إلى شعبتي، فطلبت إليهن أولًا استئذان الأستاذ الآخر، وثانيًا إعلام المشرفات

اللاتي يأخذن الغياب، وقابلت الأستاذ الآخر فأخبرته بطلب البنات، فرحب قائلًا: إن ذلك يخفف عني عبئًا إذ (الأستاذ يمتحن ويصحح ويرصد الدرجات، ويخرج النتائج)؛ فإذا زاد العدد زاد العبء، وإن خف العدد خف العبء.

وانتقلت خمسون طالبة إلى شعبتي لترتفع من ۱۳۰ إلى ۱۸۰، ونقصت الشعبة الأخرى من ٨٠ إلى ٣٠، وظننت الأمر عاديًا.

وليلة الاختبار اتصلت بعض الطالبات بي يصرخن ويقلن: إن أسماءهن كتبت في لوحة أمامهن: «ممنوعات من الاختبار للغياب وعدم الحضور». 

فأمرتهن أن يذهبن، وقلت: إني ذاهب كذلك، وسوف أقدم استقالتي على الفور إن منعن من الاختبار وفي الصباح ذهبت إلى لجنتي واعتذرت إلى زميلي في ذات اللجنة (د. عمر فلاتة) بعد أن أعلمته بالموضوع، وتوجهت إلى مكان الدائرة التلفزيونية، واتصلت بالأستاذة المشرفة على الاختبار، وكان قد مضى على بدء الاختبار ١٥ دقيقة، فأخبرتني أنهن منعن بعض الوقت، ثم سمح لهن بالدخول، وطلبت من «د. ر. زه» أن تحضر لي أوراق الطالبات؛ إذ كانت على صلة بأهلي.

وأحضرتها في المساء ووجدت الطالبات قد سجلن في أوراق الاختبار منعهن وتواترت شهادتهن على ذلك ما بين ١٥ دقيقة إلى 30 دقيقة، وقالت بعضهن: إنهن يكتبن والقلم يرتعد بين أصابعهن!

 وكتبت خطابًا رسميًا إلى وكيل الكلية سجلت فيه الواقعة، وأنهيت الخطاب بأني قررت منح كل طالبة روعت خمس درجات زائدة مقابل الترويع، وسجلت على أوراق الإجابة الدرجات المستحقة، وأضفت مع مجموع الدرجات خمس درجات مقابل الترويع.. فارتفعت درجات البعض إلى التسعين، أو جاوزت التسعين، أو المائة بعد ضم درجات الترويع!

وأرسل إلي العميد خطابا يسجل علي أني وضعت الكلية في حرج.

ورددت عليه أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ورفضت الخطاب، وقلت: إنه لا يصح توجيهه إلى من كان أكبر منك عمرًا وأكثر منك علمًا.. وتوقعت ما كان في نهاية العام.

في جامعات اليمن

كانت أكثرها إنتاجًا «جامعة الإيمان»، التي أنشأها الشيخ عبد المجيد الزنداني، وقد رحب بي كما رحب بي نائبه د. حيدر الصافح، ومدير الجامعة د. عبد الوهاب الديلمي، وزير العدل السابق، وأخذت جدولًا مع الطلاب وآخر مع الطالبات، أضاف إليه الشيخ عبد المجيد منهج التفسير، وحقًا كان فتحًا من الله سبحانه؛ فقد أتقنت - بفضل الله تعالى - الإعداد للتفسير، حتى كنت أرتجل مكتفيا بوجود المصحف أمامي؛ حتى لا أخطئ أو تتفلت مني بعض الآيات.

وشاعت السمعة الطيبة بين صفوف الطالبات، فكن يحضرن من الفصول الأخرى للاستماع وتحضر معهن المشرفات كذلك؛ مما أخجلني كثيرًا، وكنت أشرك الطالبات في التدبر في الآيات، خاصة الوصل بين معانيها، وكان ذلك أحيانًا يختفي من التفاسير المعتمدة، وكنت أفكر معهن.

ولم يدم الاستمتاع بهذا العمل طويلًا، فقد ظهرت لي بعض المنغصات، فآثرت الابتعاد عن جامعة الإيمان، وانتقلت إلى جامعة صنعاء، ونزلت في سكن الضيافة!

وكان وراء ذلك «د. أ»، وكان يدرس علي في المدينة، ووصل نائب مدير الجامعة، وكنت أستاذًا زائرًا أدرس مادة أصول الفقه لطلبة الدراسات العليا.

وفي نهاية العام الدراسي، حضر من «حضرموت» رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا، وتعاقد معي على درجة أستاذ، واستقبلني استقبالًا حارًا في الجنوب (الحار)، وقال: أسلمك الجامعة والجامع، إشارة إلى حريتي في ممارسة الدعوة إلى الله تعالى في المنطقة. 

وفعلا سرت في الخطين متوازيين.

 وكان يزورني في بيتي أسبوعيًا رئيس الجامعة «د. ع. هـ. ب»، كما كان نائبه «د. س. ر» يزورني كذلك بذات المعدل، بيد أن الأمور لا تسير كما يشتهي الناس، ولله في خلقه شؤون وله من كل أمر حكمة.

مرضت الزوجة أم هشام، وطلبت الحضور في موسم الحج إلى المدينة، وأحسست كأنها «تودع»، ورتبت الأمر مع نائب مدير الجامعة، حيث كان الرئيس غائبًا، ونزلت في إجازة عيد الأضحى على أساس إجازة حج (٢٠ يومًا).

 واستطعت - بفضل الله تعالى - الدخول دون تأشيرة، ووصلت إلى مكة، بفضل الله يوم عرفات، وكنت قد رتبت وصول الأهل قبلي إلى هناك مع ابنتي «شيماء»، وتوجهنا إلى عرفات وأكرمنا الله تعالى بالوقوف والدعاء.

وكان المضيف «ك. ف» كريمًا، هو وأهله، حيث خصص لنا غرفتين من بيته المبارك، وفاجأنا بالطعام والشراب والتكريم، وتعجلنا في يومين.

وعدنا إلى المدينة بحمد الله تعالى.

وساعدنا «د. ع. مع «د. ج» في الإعداد لعملية جراحية للزوجة العزيزة، واتصلت بمصر بالصديق المستشار محمود هريدي وأحس بنبرات صوتي.. فبكى، وكان رقيق القلب، وقال: «آجي لك يا أخويا علي»، قلت: لا.. ولكن ادع الله لي ودخلت أم هشام مستشفى «أحد»، ورافقتها الابنة العزيزة «شيماء»، وكنت أبيت وحدي وأعد الطعام، وأحمل لهم ما يمكنني حمله من الخيرات، وكان الله يكرمني بمن يحملني ذهابًا، وأعود من هناك فأجد من يقف بجواري ويحملني وهو يقول: «أنا حسنة من حسناتك.. أنا تلميذك (فلان)».

وانتهت الإجازة وبقيت بالمدينة، وكان لابد أن تعود الزوجة إلى مصر لموالاتها بالعلاج الكيماوي.

وأرسلت برقية باسم نائب رئيس الجامعة وأتبعتها ثانية، وفي الثالثة عرضت الاستقالة، وفي واحدة منهن قلت صراحة، «لن أتخلى عمن بشرني الله يوما بأنه يباهي بها ملائكته»، (إشارة إلى رؤيا صالحة سمعت فيها هاتفًا يقول: إن الله يباهي بها ملائكته).

وبدأ علاج الكيماوي تقوم به طبيبة امتياز (شقيقة زوج ابنتي الوسطى)، تحت إشراف أستاذة أورام (شقيقة زوج ابنتي الكبرى) كل ذلك بالمنزل.. تحدثًا بحمد الله وفضله؛ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ (يونس)

واستغرق التأخير شهرين، ووصلت إلى «المكلا»، وقد بقي على الاختبار أسبوعان وراجعت مع طلابي الأجزاء المهمة من المقرر (تفسير)، وركزت على ما درسته قبل سفري وما درسته بعد قدومي، ووضع الاختبار وصححت، ونجح كل طلابي وطالباتي، وحصل بعضهم على درجة كبيرة، ولم يكونوا متبرمين وزارني في بيتي نائب رئيس الجامعة.

 وزرت رئيس الجامعة، فقابلني مقابلة فائرة، وبدأت معارك في رئاسة الجامعة.. وقف إلى جواري نائبها - أكرمه الله تعالى - ورفض بشدة عدم تجديد عقدي، ورفضت بشدة رئيسة الشؤون القانونية طلب الرئيسي إليها أن تقترح إنهاء عقدي، وكتبت إلى كتابًا حمله نائب الرئيس إلي في منزلي تقول فيه: إني أحبك في الله.. منذ قرأت لك كتاب «في الزنزانة»!

ووجدته اجتهادًا خاطئًا في فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذلك يكون بين الجنس الواحد لا بين جنسين دفعًا للمضرة ومنعًا للشبهة.. ودفع الضرر مقدم على جلب المصلحة، ومنع الشبهة استبراء للدين والعرض وتحقيق للتقوى، والله أعلم.

 وعدت إلى مصر

وفي مصر، وصلني خطاب من رئيس الجامعة أثناء وجوده في العراق لإجراء بعض التعاقدات، أخبرني فيه بإنهاء العقد، وحمدت الله تعالى، وكتبت إليه أشكره.

 أولًا: لأنه أنهى عندي ترددًا كنت قد وقعت فيه نتيجة طلب أكثر من جهة، ورفضت هذه الطلبات لارتباطي بجامعته!

وثانيًا: لأنه أتاح لي فرصة تفرغ لعمل اشتقت إليه وتمنيته وهو إنهاء تفسير القرآن الكريم. 

 وثالثًا: لأن الله أتاح لي من الرزق – من طريق غير طريقه - ما هو أغنى وأقنى.

 ولم أتركه دون تهميش، فقد اعترفت له ببعض الأخطاء في مقدمتها أنني أخطأت في تقدير إخوته، وأني ظننت أن تركه للصف الإسلامي لن يؤثر في علاقة حرصت عليها ونميتها، وأيقظت فيها العمل الإسلامي، ولو بغير ارتباط تعاملا مع الله، لا مع الناس، وضربت له مثلًا بوزير مصري قابلني خارج مصر، وطلب مني العودة للعمل الإسلامي مرة «دكتور أ. ك. أ»، وانتهت قصتي.

وقررت العمل مع الله سبحانه في كتابه العزيز. 

الرابط المختصر :