; أسود أفغانستان.. هل تموت جوعًا أيها المسلمون؟! | مجلة المجتمع

العنوان أسود أفغانستان.. هل تموت جوعًا أيها المسلمون؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990

مشاهدات 60

نشر في العدد 960

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 27-مارس-1990




جاءني مع بعض المجاهدين فاستأذن عليَّ، رجل تبدو عليه مهابة الرجال، ووقار القيادة، وشدة الهم، فنظر إليَّ ثم قال: سمعنا أنك تكتب في بعض المجلات التي تصدر في ديار المسلمين؛ فجئنا إليك بعد ما ضاقت بنا السبل، وأوصدت في وجوهنا الأبواب، آملين أن تساعدنا قدر ما تستطيع في تفريج كربتنا وزوال همنا، فقلت له: من أنت؟ وما الخبر؟

قال: أنا أحد قادة المجاهدين في جوزجان، ورسول أمير المجاهدين هناك مولوي محمد ظريف، وهؤلاء بعض المجاهدين وقادة المجموعات، جئنا من هناك إلى هنا حتى نناشد المسلمين أن يساعدونا في رفع الغمة التي لحقت بنا، والخراب الذي حلَّ بديارنا، والجوع الذي قضى على أكثر من 100 طفل من أطفالنا، والبرد الذي مزق عظام أمهاتنا ونسائنا وعجائزنا، والدمار الذي حلَّ ببيوتنا؛ فهجرناها إلى الجبال والشعاب والوديان، حفاظًا على ديننا وعقيدتنا، وأكثر من كل هذا تلك الفتنة اللعينة التي بدأت تساور بعض المجاهدين في أن يتركوا سلاحهم، ويعلنوا انضمامهم إلى الحكومة الشيوعية، لعلهم يتمكنون من الحصول على بعض القمح والشعير الذي يُقيم أودهم، بعد ما رأى بعضهم ولده الصغير يموت بين يديه جوعًا وبردًا؛ ولا يملك له من أمره شيئًا.

قلت للرجل وأنا أهدئ من روعه: على رسلك، وما هي القصة من بدايتها؟

قال الرجل: لقد بدأنا الجهاد من بدايته متوكلين على الله وحده؛ حيث سخر الله لنا أحد الرجال المخلصين من ولايتنا، واسمه سيف الدين- رحمه الله- فجمعنا ووحد صفوفنا، ثم وجهنا إلى الجهاد، وكان مما قاله لنا: لا تنتظروا شيئًا يأتيكم من باكستان؛ فإن بيننا وبينها مفاوز كبيرة، وأسفارًا طويلة، ولكن علينا أن نُطعم أنفسنا وأهلينا مما تحت أيدينا من إمكانيات، أما السلاح والذخيرة فعلينا أن نسعى لأن يكون ما في أيدي أعدائنا ملكًا لنا، نأخذه منهم ونقاومهم، وكان هذا طريقنا معظم سنوات جهادنا، ومع هجمات الطيران الوحشية التي تعرضت لها قرانا؛ فقد هجرنا أولادنا وأسرنا إلى شعاب الجبال، يذوقون ما نذوق، ويتحملون ما نتحمل، ولكنهم صابرون محتسبون، وقد كنا نعتمد على محصول العنب، حيث إنه زراعتنا الأساسية، فكنا نجففه ثم نبيعه إلى سكان الولايات المجاورة، ونشتري من عندهم القمح ومتطلبات الحياة الأخرى، حتى ابتلانا الله في الشتاء الماضي بموسم جفاف شديد البرودة، نزلت فيه الثلوج بكثرة لم نعهدها، فأحرقت جذور كثير من الأشجار فأهلكتها، وتسببت لنا في قلة المحصول، كما أن الجراد جاء في أسراب من قبل الحدود الروسية؛ فقضى على البقية الباقية من المحصول، وبالتالي بدأت تضيق بنا السبل، ويضيق بنا العيش، ولم نعد نجد ما نُقيم به أودنا وأود عائلاتنا في كثير من المناطق، وتحملنا الأيام على مرارتها، وأرسلنا أكثر من وفد من المجاهدين إلى بيشاور؛ لعلهم يستطيعون تحصيل بعض المساعدات لنا، لكن لم يُستجب لهم أحد، وتكرر الجفاف الذي حدث في العام الماضي مرة أخرى في هذا العام، فقضى على البقية الباقية من أشجار العنب، وأرسلنا عشرات الرسائل والوفود إلى بيشاور؛ لتشرح الموقف وصعوبته، فوجدنا أن ما حدث عندنا قد تكرر في معظم الولايات الشمالية، ولم نجد استجابة لطلباتنا، إلا أن الأمور كانت تتأزم وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم، حتى إن كثيرًا من الأطفال قد ماتوا في الثلوج أثناء انتقال أسرهم من مكان إلى آخر هربًا من المجاعة، وبحثًا عن الطعام والدفء، ولم نجد بدًّا من أن نتحرك في وفد جديد إلى هنا؛ لعلنا نستطيع أن نجد من المسلمين من ينقذ جهادنا وأسرنا من الانهيار، بعد ما فكر بعض الناس في أن يستسلموا لنظام كابل؛ لعلهم يجدون هناك ما يسد جوعتهم وجوعة أبنائهم، وقد وصل الحال بنا في بعض المناطق إلى أننا بعنا السلاح الذي كنا نجاهد به بثمن بخس، واشترينا بثمنه بعض الأطعمة لنؤوي بها بعض الأسر، وقد وصلتني أمس رسالة من بعض مجموعات المجاهدين يطلبون فيها مني أن أنتظرهم على الحدود؛ حتى يسلموني ما تحت أيديهم من سلاح، وينطلقوا بحثًا عما يسد جوعة أبنائهم وذراريهم، بعد ما عجزنا عن تدبير الطعام لهم، وقد أصابتني هذه الرسالة في مقتل، لأن هؤلاء ممن يقيمون في خنادق مواجهة لخنادق العدو، وقد أرسلت إليهم من يطلب منهم أن يصبروا حتى يقضي الله أمرًا.

صمت الرجل برهة، ثم فوجئت به يخلع عمامته، ويضعها أمامي وهذه في عُرف الأفغان لها ما لها، ولا يصنعها الرجل إلا إذا ضاقت به السبل، واستسلم تمام الاستسلام لمن أعانه، وحمله مسؤولية أمره كلها، ثم قال لي وهو يضغط على مشاعره: لقد بسطت الأمر كله أمامك، وبالتالي فإني أحملك الأمانة كلها حتى تجد لنا مخرجًا، فقلت للرجل: رُدَّ عليك عمامتك؛ فإني لا أملك من الأمر شيئًا إلا ما ترى من القلم والأوراق، وأعدك أن يكون موضوعكم هو أول ما يخط قلمي، فقال الرجل وهو يمسح دمعة فرت من عينه: لا أردها حتى أؤكد لك أني قد ألقيت عليك عبء نقل هذه الأمانة، وإبلاغها للمسلمين، وسوف أسألك أمام الله يوم القيامة هل بلغتها أم لا... طأطأت رأسي، ولم أستطع أن أرفعها، أو أرد على الرجل، فقد ألجمتني الأمانة التي ألقاها على عاتقي؛ حتى إني خفت أن يدركني الموت قبل كتابة هذه السطور...

ألا هل بلغت... اللهم فاشهد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

399

الثلاثاء 24-مارس-1970

أطفالنا من هم وإلى أين؟

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!