العنوان أسود "الشيشان" يواصلون سحق الدببة الروس في "جروزني"
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1995
مشاهدات 79
نشر في العدد 1134
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 17-يناير-1995
"الشيشان"
* الأداء القتالي والتكتيك العسكري والتحرك الاستخباراتي "للشيشان" يسد فجوة التفوق التكنولوجي الروسي
* الاستخبارات الروسية تكشف عن مخاوفها من استخدام مجموعات الثعالب السوداء الشيشانية
* استمرار الصراع بدون حسم يزيد من فرص اشتعال حرب العصابات في "القوقاز"
"إسطنبول":
أثبتت عملية الاقتحام الثانية للعاصمة الشيشانية "جروزني" والتي قامت بها القوات الروسية مساء يوم ٧ "يناير" الجاري بعد قصف كثيف بالمدفعية والطائرات أن الرئيس الروسي "بوريس يلتسين" لم يعِ الدرس السابق الذي لقنته القوات الشيشانية – المجاهدة للجيش الأحمر الروسي عندما اقتحم العاصمة للمرة الأولى في بداية الشهر الجاري مقدمًا عددًا كبيرًا من الضحايا علاوة على تدمير العشرات من – الدبابات، إذ إن العبرة ليست في الاقتحام ولكن في البقاء، خاصة وأن القوات الروسية تقدم المئات من الضحايا مقابل التقدم المسافة متر واحد، فالقتال في العاصمة الشيشانية يتم من منزل إلى منزل ومن شارع إلى شارع، وعموما فإن تقييم الرئيس الروسي للموقف يتسم دائمًا بالخطأ عكس تقييم الزعيم الشيشاني جوهر دوداييف الذي يعرف حقيقة الموقف إذ قال في نداء "ليلتسين" من قبل: إن اجتياح "جروزني" سيكون بمثابة كارثة للمهاجمين، ومأساة للمدافعين، وهو ما يحدث حاليًا بالفعل، وهذا طبيعي بالنسبة "ليلتسين" الذي نسى دروس حروب "القوقاز".
ومن خلال المتابعة لأحداث "الشيشان" فإن كل وقف لإطلاق النار من جانب "روسيا" والإعلان عن جولة من المفاوضات مثلما أعلن يوم 9/١ بوقف إطلاق النار ليوم واحد لبداية جولة جديدة من المفاوضات يوم 10/١ يعني هزيمة للقوات الروسية ومحاولة لالتقاط الأنفاس وتغيير التكتيك العسكري المتبع في القتال، ولذلك لا يجب أن يتم التعويل كثيرًا على ما يتم إعلانه من جانب "موسكو" إذ على الرغم من إعلان "يلتسين" عدة مرات وقف القصف الجوي تمهيدًا لوقف العملية العسكرية يزداد القصف أكثر وكأنها شفرة من "يلتسين" لقواته الذي قال أنه سيحاسبها فيما بعد لعدم تنفيذها أوامره.
المعلومات التي استقتها المجتمع من مصادرها تشير إلى أن القوات الغازية فقدت أكثر من ألفي قتيل حتى مساء يوم 9/1 في محاولتي اقتحام العاصمة، علاوة على تدمير حوالي ٥٠ دبابة بخلاف ما تم الاستيلاء عليه من قبل القوات الشيشانية وهو عدد كبير خلال 9 أيام فقط مقارنة بالخسائر الشيشانية والتي يأتي معظمها في صفوف المدنيين، كما أسر "الشيشان" مفرزة مظلات جنوب العاصمة يوم 8/1/1995م.
تقييم الأداء العسكري:
والتقييم الأولي للعمليات العسكرية الأخيرة يشير إلى تفوق القوات الشيشانية في الأداء القتالي والتكتيك العسكري والتحرك الاستخباراتي وهو ما سد فجوة التفوق التكنولوجي للقوات الروسية، وعملية اغتيال الجنرال "فيكتور فوروبيوف" يوم 7/1 وهو قائد القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية الروسية خير دليل على ذلك.
انتصار الروس لن يكون إلا على حساب إبادة شعب "الشيشان":
إذ نجح الشيشان في حل الشفرة الروسية مما أتاح لهم معرفة مكان وتحركات قائد القوات الخاصة الذي كان على بعد ١٥ كيلو مترًا شمال العاصمة "جروزني" بهدف تشکيل وإعادة تنظيم القوات الخاصة الروسية لاستخدامها بشكل أفضل في القتال الذي لا يحتاج لقوات نظامية، وتم تنظيم هجوم عليه من قبل المجاهدين "الشيشان" أدى إلى قتله وإصابة العديد من الضباط المرافقين له، وهو ما شكل صدمة للقوات الروسية التي كانت في حالة استعداد لغزو "جروزني" ثانية بعد عملية قصف مدفعي مركز بمساعدة من الطائرات.
وفي الوقت نفسه تقوم مجموعات من المجاهدين "الشيشان" بضرب مؤخرة القوات الغازية وهو ما يسبب حالة من الذعر والخوف ويضعف من حالتها المعنوية مثلما حدث في داغستان المجاورة "للشيشان"، إذ تهاجم قوات مسلحة تضم ۲۰ مسلحًا فقط القوات الروسية في "الداغستان"، ونجحت بالفعل في تحقيق أهدافها بإضعاف الروح المعنوية للغزاة الروس.
كما بدأ الرئيس الشيشاني في استخدام مجموعات «الثعالب السوداء»، وهي على حد وصف أجهزة الاستخبارات الروسية بأنها خطرة جدا، خاصة وأنه تم استخدامها في "ابخازيا" وكانت سببًا رئيسيًا في هزيمة القوات الجورجية وتستخدم أيضا في "قرة داغ" وتتشكل من حوالي ٦ إلى ١٢ رجلًا يتحركون بشكل دائم وفي لحظة واحدة ينقضون على الهدف بشكل مباغت يشل تفكير العدو للحظات يتم فيها تنفيذ الهجوم ثم يتبخرون دون أن يتركوا أثراً، وهو الأمر الذي تخشاه "موسكو" بشكل كبير في الصراع الدائر في "الشيشان".
وخطة الرئيس الشيشاني حاليا تعتمد على إجبار "موسكو" على قبول الاستقلال المعلن من قبل بلاده، أو إطالة الصراع الأطول فترة ممكنة لأنه يعرف أنه بقدر صموده خلال العام الحالي سيؤدي ذلك إلى انتشار حركات الانفصال في "القوقاز" واشتعال المزيد من الحروب فيها مما سيضعف موسكو ويعرضها الضغوط دولية فيما بعد.
وبالطبع فإن خطة "دوداييف" ليست من فراغ فالمؤرخ "كارين برويتسي" – خبير الصراعات العرقية – يقول: كلما طالت فترة التوصل لنوع من الحل السياسي كلما ازدادت فرص اشتعال حرب العصابات وانتقالها للجمهوريات المجاورة، إن لم يكن لباقي أجزاء "القوقاز".
وهو ما اتضح بالفعل في قول "روسلان أوستيف" – رئيس "الأنجوش" – الذي فضل الانفصال عن "الشيشان" والبقاء في "روسيا الاتحادية" إذ يقول: إنه لا يفضل الاتحادات التي تتم تسوية المشكلات فيها بالقوة. والأنجوش لم تعقد العزم على الانفصال فورا ولكن إذا بدأ كل شخص بالتحرك عندها لن يكون أمام الأنجوش شيء آخر تفعله.
كما أن رسلان "حسبولاتوف" – رئيس البرلمان الروسي السابق – وأحد معارضي "دودایيف" حاليا، أكد بأن استمرار الوضع كما هو عليه سيؤدي حتما لزعزعة الاستقرار ليس في شمال "القوقاز" فقط، بل في كل أنحاء الاتحاد الروسي وسيؤدي ذلك أيضًا إلى تعاطف الدول الإسلامية والدول الغربية مع "الشيشان".
وبدأت تظهر بوادر ذلك بشكل جدي في "تاتارستان" الغنية بالنفط، رغم ابتعادها عن "القوقاز"، إذ بدأت تنتقد علانية التدخل في "الشيشان" وتطالب موسكو بالعودة إلى مائدة المفاوضات وإحياء مباحثات السلام، وبالطبع لا يمكن إنكار رغبة "تاتارستان" في الحصول على حرية أكثر في اتخاذ قراراتها.
موقف منظمة المؤتمر الإسلامي لم يرتق لبعض المواقف الدولية:
ردود الفعل الدولية:
كما أن ردود الفعل الدولية بدأت تأخذ صورة أوضح – كلما استمر القتال – فها هو "هيلموت كول" – رئيس الوزراء الألماني – يصف عملية التدخل العسكري الروسي بالجنون ودعا فولكر روهه وزير الدفاع الألماني "روسيا" للالتزام بتعهداتها الدولية التي وقعتها "روسيا" مشيرًا إلى أن ما يحدث حالما يعتبر إخلالًا بمعاهدة فيينا.
وقال "نيلوس هلفيج" – وزير خارجية الدانمارك – أنه في حالة استمرار التدخل العسكري الروسي في "الشيشان" فإنه يمكن قطع المساعدات الاقتصادية عن "روسيا" وسيتم عرقلة دخولها لعضوية "المجلس الأوروبي".
كما تواصلت ضغوط النواب والشيوخ الجمهوريين في "الولايات المتحدة" وهم يشكلون حاليًا أغلبية الكونجرس على الرئيس "كلينتون" يطالبونه بالتحرك الفوري لقطع المساعدات الأمريكية عن "روسيا" واصفين يلتسين بالتطرف، ولذلك طلب "كلينتون" في خطاب بعث به "ليلتسين"، وفقًا لما ذكرته صحيفة حريت التركية يوم 8/١/ ١٩٩٥م، بضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة في "الشيشان" لما في استمرارها من تأثير سلبي على منظمة الأمن والتعاون الأوروبي على الرغم من أن ذلك الأمر مشكلة داخلية.
وهو ما ذهب إليه نائبه "آل جور" عندما قال في تصريح لمحطة (C.B.S) يوم 8/1/ ١٩٩٥م أنهم مستمرون في دعم "يلتسين" مع إيمانهم الكامل بإمكانية حل المشكلة عبر الطرق السياسية.
وطالبت منظمة المؤتمر الإسلامي في نداء وجهته "لموسكو" بوقف الهجوم العسكري وحل المشكلة عبر المفاوضات!! وهي في ذلك النداء لم ترتق الموقف "الدانمارك" مثلًا.
كما أن جماعة "حقوق الإنسان" في "هلسنكي" طالبت "كلينتون" إبلاغ يلتسين أن الصراع في "الشيشان" يعتبر اختبارًا لالتزام "روسيا" بالديمقراطية وأن سلوكها الحالي يظهر غيابًا حقيقيًا لاحترام حقوق الإنسان، وأن سلوكًا كهذا ليس شأنًا داخليًا – وهو وصف "كلينتون" للأحداث..
عمومًا فإن "روسيا" لا يمكنها ادعاء الانتصار حتى إذا نجحت – لا سمح الله – في احتلال العاصمة الشيشانية لأن الحرب ستنتقل بعد ذلك إلى الجبال وسيستخدم فيها تكتيك حرب العصابات فدروس القرنين ۱۸- ۱۹ تشيران إلى أنه ليس بكثرة العدد يمكن هزيمة العدد القليل، وأن حسم المعركة لن يكون إلا عندما لا يكون هناك شعب اسمه "الشيشان" - على حد قول "عبد الله دوداييف" – مستشار "جوهر دوداييف" – فإما هزيمة الروس أو إبادة "الشيشان".