; أصابع الصهيونية تدمر لبنان | مجلة المجتمع

العنوان أصابع الصهيونية تدمر لبنان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 928

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 15-أغسطس-1989

لقد التقت الأحقاد والمطامع والمؤامرات الاستعمارية والصهيونية لتدمير الدولة الإسلامية وتمزيقها إلى أشلاء، ولضمان ذلك التمزيق وبقائه غرزت خنجرًا مسمومًا في قلبها بإنشاء دولة صهيونية في فلسطين وعملت على تأمينه وإحاطته بكافة ضمانات السلامة والثبات ليبقى العالم العربي والإسلامي مستنزفًا متخلفًا.

لبنان: وضع خاص ينقلب:

وكان شمال فلسطين حين قيام دولة اليهود سنة ١٩٤٨ يبدو أكثر المناطق أمنًا بالنسبة لها حيث أن لبنان لم يشارك في المعارك آنذاك.. فقد تركت فيه فرنسا وضعًا خاصًا وحكمت فيه الأقلية المارونية في رقاب الأكثرية المسلمة... وجعلته ميناء مفتوحًا لكل الشرور من تنصير وتجسس وتهريب وإفساد وغير ذلك، ولذلك ظل الوضع في لبنان لا يقبل السيطرة المحكمة كما يحصل في الدول التقليدية.. وربما أرادوا أن يقولوا أو أن يقال إنه ديمقراطي لأنه «مسيحي»!

 ولكن الوضع اختلف وانقلب... بعد نحو عقدين من السنين... فقد احتل اليهود بقية فلسطين وزيادة واستيقظ اللاجئون الفلسطينيون على واقعهم المرِّ وعلى خذلان القريب والبعيد لهم... أو عجزهم عن مساعدتهم الفعلية... فبدأت الحركات الفدائية... ولوحقت ومنعت من تحقيق أهدافها في ضرب المحتلين الصهاينة... وإقلاق راحتهم.. فلم يجد الفدائيون أنسب لهم من جنوب لبنان حيث توجد بعض مخيمات اللاجئين هناك وكان يوجد جو متعاطف معهم... قبل يقظة النعرات الطائفية، وبالفعل فقد أصبح العمل الفدائي هناك هاجسًا يقلق اليهود ويقض مضاجعهم... فحاولوا ضرب الفدائيين بالجيش اللبناني.. فلم يستطع هذا شيئًا.

 ثم جيشوا المارون وغيرهم من الطوائف وأشعلوا الحرب الأهلية في لبنان بدءًا من شرارة عين الرمانة سنة ١٩٧٥ وصعدوها... وخربوا لبنان.... وسلطوا أكثر من فئة على الفلسطينيين ومخيماتهم وقواعدهم ولما لم يجد كل ذلك قاموا بغزو لبنان سنة ۱۹۸۲ واحتلال معظم بيروت الغربية والجنوبية، ومحاولة القضاء على قواعد الفدائيين وكان خروج الفدائيين من لبنان وذبح كثير ممن لم يقبلوا الخروج في مجزرة صبرا وشاتيلا ثم الحرب المستمرة على المخيمات في الشمال والجنوب.

خطف وقتل:

وقد أورثت كل هذه الأحداث وغيرها من عوامل ومؤثرات داخلية وخارجية أوضاعًا معقدة.... ووجدت فئات متعددة تعمل على الساحة.... ونشطت حركة خطف الأجانب كرهائن وخصوصًا الجواسيس منهم.. ولم يكن أولهم ولا آخرهم كولونيل المارينز الأمريكي «وليام هيفنز» الذي كان يعمل تحت لافتة الأمم المتحدة... والذي أعلن خاطفوه مؤخرًا عن إعدامه كرد فعل لاختطاف دولة اليهود لأحد زعمائهم وهو الشيخ عبد الكريم عبيد ورفيقيه من بلدتهم في جنوب لبنان

ولقد أثار مقتل هذا الأمريكي دولة أمريكا فحركت أساطيلها وهددت ونتج عنه ردود فعل متباينة في العالم أجمع الكثير منها على إدانة الخطوة اليهودية الجبانة بخطف الشيخ عبيد، مما اعتبر إرهاب دولة لا يبرره إرهاب أفراد أو منظمات لا مسؤولة.

أسباب الجريمة الصهيونية:

وقد اختلف في سبب لجوء دولة اليهود إلى هذه الجريمة... وتوقيتها... فمن قائل إنها كانت بسبب فشل مباحثات سرية بين اليهود وبعض الجهات التي لها علاقة بالخاطفين، لإطلاق سراح ثلاثة جنود يهود محتجزين لديهم... فأراد اليهود مبادلتهم بهم؟ وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك، فربط الأمر بنجاح رفسنجاني رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية وتوسيع سلطاته.

ولأنه لديه اتجاهات مرنة واستعدادًا لترميم الجسور حتى مع الشياطين الكبار «روسيا وأمريكا» وقد أعاد توثیق علاقات إیران بروسیا - فعلًا وبسرعة وسهولة... ولعل الدولة الصهيونية في فلسطين... خشيت أن يرمم جسوره مع أمريكا.... فيميل الميزان لغير صالحها... فأرادت استثارة إيران وأنصارها لتصعِّد مواجهاتها مع أمريكا.... ولذا فحين أعلن خاطفو «هيغنز» عن إعدامه أمر شامير اليهودي وزراءه بالصمت وعدم التعليق.... وحين انقلب السحر على الساحر... وأصبحت الكرة في المرمى اليهودي وأدان الكثيرون في أمريكا والغرب وغيرهما تلك الحماقة اليهودية التي اعتبروها سببًا غير مباشر في مقتل الكولونيل الأمريكي... حينما حاول اليهود التبرير وأدعوا أن «هيغنز» كان قد قتل منذ مدة... وقالوا إنه ليس أول رهينة يقتل وحاولوا هم وأنصارهم الدفاع عن هذه الجريمة... حتى كيسنجر وأمثاله من صهاينة أمريكا أبدوا استياءهم الشديد من الانتقادات الشديدة التي وجهها بعض الأمريكان البارزين لدولة الصهاينة المعتدية... مثل روبرت رول عضو مجلس الشيوخ الذي تزعم مجموعة منهم أدانت الجريمة الصهيونية.. وكذلك عضو الكونغرس الديمقراطي البارز لي هملتون.. وغيرهم.

 أصوات أمريكية تعلو ضد الابتزاز الصهيوني:

ولم تكن هذه هي المناسبة الوحيدة التي يوجه فيها الانتقاد العلني للدولة الصهيونية وسياساتها الإجرامية الرعناء... ولكن أصواتًا كثيرة ارتفعت في أوروبا والولايات المتحدة مؤخرًا لا ترضي اليهود... وقد كان انتقاد دولتهم من قبل من «الكفر المستحيل» ولا زلنا نذكر خطاب وزیر الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في اجتماع يهودي أمريكي منذ مدة «مجموعة «أيباك» أقوى مجموعات الضغط الأمريكية الموالية للدولة الصهيونية» حيث قال بيكر بكل جرأة وصراحة و بدون خوف «أن على «إسرائيل» أن تكون واقعية وتتخلى عن «حلم إسرائيل الكبرى» وأن تمنح الفلسطينيين حقوقًا سياسية كاملة وتتخلى عن ضم الأراضي المحتلة وتوقف بناء المستوطنات».

لقد أثارت هذه التصريحات حنق كثير من الصهاينة داخل الولايات المتحدة وخارجها

وسببت تشنج دولة الصهاينة وأحدثت سعارًا لدى مسئوليها مما جعلهم ينبحون كالكلاب المجروحة.... وخصوصا شامير الذي قال بوقاحة: «أن بيكر قد تجاوز حدوده»!

 ومع ذلك فقد حفزت هذه التصريحات بعض الأوساط والصحف الأمريكية لتفصح عن مكنون صدورها تجاه اليهود... وتنفس عن أشياء كان أكثر الأمريكيين يريدون قولها منذ زمن بعيد.... ولا يجرؤون! لقد قالت -حينها– صحيفة واشنطن بوست: «لقد حان الوقت لكي تقف الولايات المتحدة وتتحدى ربيبتها «إسرائيل» التي وصفتها الصحيفة بأنها «طفل صغير مدلل كبر حجمه، وأصبح من الضروري تحجيمه»! 

وكتب «ديفيد نايهام» المعلق السياسي في الواشنطن بوست يقول: «إن العلاقات بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي يجب أن تقوم على نحو متوازن بحيث لا تكون الولايات المتحدة حكومة وبرلمانا خاتمًا مطاطيًّا لإسرائيل! ومَعِينًا لا ينضب لاحتياجاتها العسكرية والاقتصادية والمالية»!

وأشاد التعليق بخطاب جيمس بيكر السالف الذكر وقال: «إن هذا الخطاب أعاد الفخر والاعتزاز للأمريكيين لأنه برهن أن حكومتهم تستطيع أن تدافع عن نفسها عندما ترى أنه آن الأوان لوقف استغلال الآخرين لها»!! 

أما صحيفة واشنطن غلوب فقد قالت في تعليقها على نفس الخطاب: «ربما يقنع ذلك الخطاب السياسيين والمسؤولين الأمريكيين بأن الولايات المتحدة التي تعتمد عليها «إسرائيل» اعتمادًا كبيرًا من أجل بقائها، لن تظل بعد الآن مطية التلبية رغبات «إسرائيل» على حساب رغبات الولايات المتحدة ومصلحتها القومية».

 وأشارت إلى أن على «إسرائيل» وأنصارها أن تتوقع مثل هذا من الآن فصاعدًا! وقالت عن خطاب بيكر «أن المواطنين الأمريكيين يجب أن يكونوا فخورين لأن حكومة الرئيس جورج بوش قد استعادت هيبة الولايات المتحدة التي فقدتها ظل حكومة الرئيس رونالد ريغان السابقة»! ومن هذا السياق ما قاله ديفيد أوبي رئيس اللجنة الفرعية للاعتمادات المالية في الكونغرس حين نوقش دفع المعونات للدولة الصهيونية حيث عارض ذلك قائلً: إنني غير مستعد أن أدفع عشرة سنتات لدولة تقتل الأطفال وتهاجم المسالمين بالسلاح».

لقد دفعت المعونات لدولة اليهود في النهاية.... ولكن سجل ذلك الموقف وأمثاله كعلامات على الطريق... والحبل على الجرار كما يقولون.

إن مثل هذه المواقف التي تعبر عن مشاعر ظلت مكبوتة لسنين طويلة... له دلالتها ولا شك... فهل بدأ نجم اليهود في الولايات المتحدة يأفل؟... إننا يجب ألا نعوِّل على ذلك كثيرًا، وإن كان كثير من يهود الولايات المتحدة بدأ يغادرها إلى كندا.... وإلى أماكن يستطيعون فيها ممارسة ابتزازهم بشكل أفضل.

الانتفاضة سيدة الموقف:

لقد ساهمت الانتفاضة الفلسطينية المباركة في تعرية حقيقة اليهود البشعة وكشفت عنصريتهم وحقدهم وعدوانيتهم وأثارت اشمئزاز العالم من تصرفاتهم الدنيئة.... وبالرغم من كل الدعايات اليهودية المغرضة المعادية، ومحاولتها استغلال إعدام «هيغنز» لتشويه كل ما هو فاضل... لاتهام الإسلام والمسلمين والفلسطينيين والعرب... بكل شر.... ولكن متى كان الشيطان يمدح الخير؟!

ومع كل هذا فإن مقتل «هيغنز» من الجهة المقابلة هزَّ صورة دولة العدوان وكشف طبيعتها الإرهابية وأثار اشمئزاز كثير من الأوساط العالمية.. ونستطيع أن نقول إنه سجَّل بعض النقاط في صالح الانتفاضة وأبطالها ولصالح القضية الفلسطينية.. وإن قصد اليهود العكس.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل