العنوان أصداء العمليات الاستشهادية الأخيرة على الساحة الأمريكية
الكاتب صالح محمد نصيرات
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 61
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 12-مارس-1996
حفلت العمليات الاستشهادية الأخيرة التي قام بها مجاهدو كتائب عز الدين القسام بتغطية إعلامية واسعة من قبل الصحافة الأمريكية ووسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وتلفاز، وشبكات الإنترنت- هذه العمليات التي جات انتقامًا لاغتيال الشهيد يحيى عياش، كانت ضربة قاسية ومتوقعة، فالكتائب كانت تعهدت بالانتقام في الوقت المناسب، وقد كان للتغطية الإعلامية الواسعة في الولايات المتحدة هدف واحد هو التأثير على الرأي العام الأمريكي، وتهيئته لما قد تقوم به الولايات المتحدة من أعمال لصالح العدو الصهيوني، كما أن التحيز كان واضحًا، وهو أمر ليس مستغربًا من تلك الوسائل التي تخضع لسيطرة اللوبي الصهيوني، فمنذ اليوم الأول للعمليات قطعت أجهزة الإعلام برامجها لتعلن عن تلك العمليات، منددة بكتائب القسام، ومذكرة به الإرهاب الإسلامي، الذي يهدف إلى القضاء -ليس فقط على عملية السلام الجارية بين بعض الحكومات العربية والعدو الصهيوني- بل القضاء على اليهود وإخراجهم من فلسطين لإقامة دولة إسلامية، بهذا المعنى تحدثت الواشنطن بوست يوم الإثنين الموافق الرابع من مارس الجاري، وفي مقالة تحليلية كتبها عاموس باروميتر في «الواشنطن تايمز» في الرابع من مارس الجاري، أشار إلى التأثير الذي ستحدثه هذه العمليات على الوضع الداخلي للكيان الصهيوني، والأجواء السياسية التي خلفتها هذه العمليات، كما أشار في تلك المقالة إلى أن حزب العمل الصهيوني الحاكم سيخسر الانتخابات القادمة إذا لم يظهر تشددًا حيال حماس.
أما في البرامج التليفزيونية فقد خصصت برنامج «ناتي لاين» المشهور ليلة الإثنين للحديث عن هذا الموضوع، حيث أجرى مقابلتين مع الناتنياهو زعيم الليكود المتطرف، وفي معرض رده على الوسائل الكفيلة بالقضاء على الإرهاب الإسلامي أشار الناتنياهو إلى ضرورة التعامل مع «حماس» كما تعاملت إسرائيل مع ظاهرة خطف الطائرات التي كانت سائدة في السبعينيات، فهو يرى أن تلك الظاهرة قد انتهت بسبب النهج الأمني المتشدد الذي أظهرته إسرائيل، مع الفدائيين الفلسطينيين، أما وزير الخارجية الصهيوني فقد بدا عليه التوتر الشديد، حيث أجاب عن سؤال حول ملاحقة حماس، في كل مكان، وعندما استفسر منه الصحفي الأمريكي عما يقصده بعبارة كل مكان في العالم، أجاب بوقاحة قائلًا: «في كل مكان نقطنه». هذه المقابلات والتحليلات هدفت إلى إظهار أن عرفات الذي يحتفظ في سجونه بعشرات من المعتقلين الإسلاميين، والذين اتبعهم بالمئات بعد العمليات الأخيرة هدفت إلى التقليل من خدمات عرفات التي يقدمها لليهود ضد أبناء الشعب الفلسطيني المجاهد، كما حاولت إبراز الإسلام والإسلاميين بأبشع صورة، أما على الساحة السياسية فلم يراع الرئيس كلينتون الأصول الدبلوماسية، فقد ندد بتلك العمليات مشددًا على أن عرفات إذا لم يفعل شيئًا ضد حماس فإن عملية السلام برمتها ستكون في خطر، ولعله كان يريد إرسال إشارة تهديد لعرفات يفهم منها أن البدائل جاهزة إذا لم تقم بالواجب، ورغم انشغال الرأي العام الأمريكي هذه الأيام بالانتخابات التمهيدية، إلا أن أخبار العمليات غطت على ذلك، فمن طائرته كان كلينتون يهدد ويتوعد، ويرسل الوسائل المتقدمة للكشف عن القنابل والمتفجرات، ويطالب وزير خارجيته كريستوفر بالعودة من رحلته في أمريكا اللاتينية لحضور اجتماع الخبراء المختصين بشؤون الشرق الأوسط، والذي ضم الكثير من اليهود الناشطين في إدارة كلينتون، خصوصًا في مجلس الأمن القومي الذي يشكل اليهود أكثرية أعضائه، وفي يوم الثلاثاء حضر الرئيس كلينتون الصلاة المقامة في السفارة الإسرائيلية في واشنطن مشدداً في كلمته على أن الولايات المتحدة تقف بجانب حليفها الإستراتيجي بكل ما تملك، وقد ظهر عليه التأثر الشديد، وقد غطى رأسه بالقلنسوة اليهودية، أما بوب دول - زعيم الأغلبية والذي يتوقع أن يفوز بترشيح الحزب الجمهوري، خصوصًا بعد فوزه الساحق في يوم الثلاثاء الخامس من مارس، فقد أرسل إشارات تظهر تفاعله مع الأحداث منددًا بحماس وعملياتها الإرهابية، أما الجاليات العربية والإسلامية فلم يكن لها صوت يذكر عدا بعض المشاركات البسيطة والفردية من قبل بعض الإسلاميين الذين كانوا يوضحون الموقف الحقيقي لحماس، التي قامت بهذه العمليات ردًا على الإرهاب الصهيوني الذي تمثل باغتيال الشهيد فتحي الشقاقي، والشهيد يحيى عياش مذكرين المستمعين بالإرهاب والإجرام الصهيوني بحق الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي قتل منه اليهود عشرات الآلآف من فلسطين، ولبنان، وتونس، أما ممثل منظمة التحرير في واشنطن فقد ندد بتلك العمليات جريًا على عادة سيده، متخذًا موقفًا متزلفًا لليهود، ومشددًا على أن السلطة الوطنية الفلسطينية ستتعاون مع اليهود بكل ما تملك لتجريد «حماس» من سلاحها، والقضاء على ظاهرة «الإرهاب».
«إسرائيل» تتهم وبريطانيا تنفي وجود عناصر من «حماس» على أراضيها لندن: هشام العوضي في تصريح خاص لـ«المجتمع»: نفى متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية وجود أية دلائل على أن رموزاً من حماس تتخذ من لندن قاعدة لها لجمع الأموال، وتمويل الأنشطة الإرهابية، في الأراضي المحتلة، جاء ذلك على إثر ضغوط تتعرض لها الحكومة البريطانية من جانب اللوبي الإسرائيلي في البرلمان؛ بسبب حوادث التفجير الأخيرة التي أسفرت عن عشرات القتلى الإسرائيليين، وأضاف المتحدث بأنه لا توجد ضغوطات رسمية على الحكومة البريطانية من جانب إسرائيل، إلا أنه صرح بأن السفير الإسرائيلي، في بريطانيا كان قد التقى وزير الخارجية البريطاني مالكوم ريفكند في أعقاب حادث التفجير، وتناولا الوضع الأمني في إسرائيل. وردًا على سؤال «المجتمع» حول إستراتيجية الحكومة البريطانية في التعامل مع رموز «حماس» في لندن، قال المتحدث بأننا لو اكتشفنا أن هذه الرموز تقوم بأي أنشطة تخرق القانون البريطاني، فسنقوم بطردها من البلد فورًا، غير أن المتحدث رفض توضيح أبعاد ما يسمى بخرق القانون البريطاني، واختتم تصريحه بالقول: «أبعاد خرق القانون تحددها وزارة الداخلية فقط، ولا زالت الحكومة البريطانية تجد صعوبة في تحديد طبيعة الأعمال التي يعتبر فاعلها خارقًا للقانون، وعما إذا كانت ترتبط بأنشطة خارج حدود البلد البريطاني نفسه. من جانبه حذر غرافيل جائر -نائب رئيس المجموعة البرلمانية البريطانية الإسرائيلية- الحكومة البريطانية من مغبة إيواء رموز من حماس تتخذ بريطانيا مقرًا لها لتمويل الأنشطة الإرهابية -على حد زعمه- وقال جائر بأن الحكومة تبحث عن مجرمي التفجيرات في بريطانيا في إشارة إلى جماعات الـ (IRA) الإيرلندية، على حساب البحث عن مجرمي التفجيرات في بلدان أخرى، غير أن الأجهزة الاستخبارية ومكافحة الإرهاب اعتبرت التحذير مجرد دعاية، وليس له أساس من الصحة.
• عمليات «حماس» تحطم أسطورة الأمن الإسرائيلي
• ظن الصهاينة أن الأمر قد دان لهم وأن بإمكانهم اصطياد شباب القسام واحدًا تلو الآخر، وتلك لعبة لم يقدروا عواقبها.
لندن: عزام التميمي (0)
ليس من المبالغة التساؤل: أيهما كان أشد وقعًا وأكثر إيلامًا لساسة «إسرائيل» وقوع هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى خلال مدة قصيرة جدًا، أم تهاوي أسطورة المنظومة الأمنية التي لا تقهر والتي حاكها الصهاينة، وأقنعوا الرأي العام العالمي بها عبر السنين؟ فرغم وجود أكثر من ثلاثين ألف عنصر أمني فلسطيني لا هم لهم سوى مراقبة السكان الفلسطينيين داخل المناطق التي وضعت تحت إشراف السلطة الفلسطينية، ورغم انتشار ما يقرب من أربعة آلآف عميل سري فلسطيني في مختلف أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة لتحري النشاطات المناوئة لإسرائيل، وجمع المعلومات أولًا بأول، والتنسيق مباشرة مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ورغم إخضاع القطاع والضفة لإغلاقات متتابعة سواء كان الفلسطينيون هم المسؤولين مباشرة عن الإغلاق، أم لا، فالمناطق أغلقت إثر اغتيال رابين، وأغلقت إثر اغتيال فتحي الشقاقي، وأغلقت أيضًا إثر اغتيال يحيى عياش، وأغلقت في ظروف أخرى حسب المزاج الإسرائيلي، رغم كل ذلك فقد تمكنت أجهزة «حماس» المتواضعة من اختراق كل الجدر والقفز عبر كل الحواجز لتصل إلى عمق العمق، وتضرب بقسوة غير مسبوقة لتحيل نهار الإسرائيليين إلى ليل سرمدي.
بشعة هي المشاهد المنقولة عبر شاشات التلفاز، ومؤذية للنفس مناظر الأشلاء، وهي تجمع من بين الجدران وركام الحافلات ومن على الأرصفة، إلا أن هذا كله ربما هان في نظر البراغماتيين من زعماء الكيان الصهيوني مقارنة بالفشل الذريع، وبالهزيمة الفادحة أمام فئة من الاستشهاديين الذين آلوا على أنفسهم أن يلقنوا خصومهم درسًا في الوفاء لمعلمهم «المهندس» حتى تحول الشعور بالهزيمة وبالعجز عند الإسرائيليين إلى هستيريا، وإلى تصرفات لا تصدر عن عاقل، وحسابات مضطربة أخلت بالموازين وبالمعادلات. توبيخ عرفات: بعد الانفجارين الأولين في اليوم الخمسين لاستشهاد يحيى عياش، وبالتحديد في السابع والعشرين من فبراير الماضي، سارع رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال أمنون شاحاك إلى استدعاء ياسر عرفات -كما يستدعي الأمر جنديًا من جنوده- إلى لقاء عاجل في نقطة عبور إيريتز على مداخل قطاع غزة فيما اعتبرته صحيفة النيويورك تايمز في مقال عنونت له بعبارة «شرطة عرفات يتصيدون صانعي القنابل» استدعاء من أجل التوبيخ لتقصيره فيما أسند إليه من مهام أمنية، ورغم ما صدر من ياسر عرفات وبعض رجالاته من امتعاض واحتجاج على الأسلوب، إلا أن الرجل لم يملك إلا أن يستجيب، وهناك قدم له أمنون شاحاك قائمة بأسماء عشرة من رجال «حماس» قال له بأنهم أكثر المطلوبين والأشد خطورة على «إسرائيل» وكلفه بأن يأتيه بهم جميعًا، ثم وصف له الإجراءات التي ترى «إسرائيل» أن على سلطته الإتيان بها لضمان اجتثاث منظمة «حماس» من جذورها، ولا يخفى على عاقل أن هذا الأسلوب عدا ما فيه من الإهانة لرجل لم يأل جهدًا منذ أن أبرم اتفاق أوسلو مع الإسرائيليين في فرض السيطرة وكبت كل معارضة، وما فيه من تعريض ما تبقى له من مصداقية أمام شعبه للضياع، فإنه يثبت عدم تعلم الإسرائيليين درسًا واحدًا من صراعهم مع حركة «حماس»، طوال أكثر من ثماني سنوات. وبينما عرفات منهمك في البحث عن المطلوبين، وفي التحقيق مع من يشك في أن يكون لهم أدنى علاقة بجناح القسام الجناح العسكري لحركة حماس، ورغم الإغلاق التام والمحكم لكافة المناطق في الضفة والقطاع، ورغم انتشار آلاف الجنود والشرطة في أنحاء القدس يراقبون المواقف والحافلات، وكل من استوى على ظهورها، جاء انفجار القدس الآخر بعد أسبوع واحد، في نفس الساعة وفي نفس المكان وفي حافلة تحمل نفس الرقم، وتسير على نفس الخط، وكان القساميون يقولون «هذا ردنا على من يضرب عرض الحائط بتهدئتنا، وهذه هي اختراقاتنا فما فعلت تحصيناتكم؟» ويجن جنون الإسرائيليين تارة أخرى، ولسان حالهم يصيح من أين طلع علينا هؤلاء العفاريت؟ جنون «إسرائيل»: والمتأمل في الوضع الراهن يجد أن الحكومة الإسرائيلية بزعامة شيمون بيريز في ورطة فريدة، وفي وضع لا تحسد عليه؛ فالانتخابات على الأبواب، والفوز بها كان قاب قوسين أو أدنى، وبيريز المتهم على نطاق واسع بأنه أقل صلابة من إسحاق رابين أمامه الآن تحديان، أما الأول فأن يحول دون انهيار نظريته في إمكانية التعايش بين الإسرائيليين وجيرانهم ضمن شرق أوسط جديد، حدد معالمه في كتاب نشره في العام الماضي، وأما الثاني فأن يثبت أنه لا يقل حرصًا على أمن مواطنيه من سلفه العسكري، إنهما تحديان تهون أمامهما الشامخات الواعرات من الجبال، ومهما يستحيل الجمع بينهما في ظرف حرج وجو من الغضب والغليان، ولذلك تتخبط دوائر صنع القرار ثانية، وتهدد حكومة بيريز بأنها يمكن أن تعيد نشر القوات الإسرائيلية في المناطق التي انسحبت منها، وفي ليلة ليلاء يحيط آلاف الجنود بمخيم الفوار قرب مدينة الخليل، وتسلط الهيلوكوبترات كشافاتها لتهتك الأستار وتحيل ظلمة الليل إلى نهار، ويبدأ تجميع الذكور، ويحشد في ساحات المخيم كل من بلغ الرابعة عشرة من عمره فما فوق، في مشهد يذكر بأيام الانتفاضة الأولى، وتعلن السلطات الإسرائيلية عن إجراءات جديدة تستهدف الضرب بلا هوادة، والعقاب بلا تمييز، وينذر سكان بيوت تؤوي عائلات «الاستشهاديين»، بأن يخلوها لأنها ستغلق تمهيدًا لتدميرها، ويقال لهم إنهم قد يصدر بحقهم قرار بالإبعاد الكلي من البلاد، ويأتي الرد مباشرة، ومن حيث لا يحتسب الإسرائيليون، ومن حيث لم يكن أحد يتوقع أن تؤتي قوة إقليمية أولى طالما فاخرت بإجراءاتها الأمنية، وبطول ذراع أجهزتها الاستخباراتية، يأتي الرد في وسط مدينة تل أبيب ساعة اكتظاظ أهم ساحتها بأعداد كبيرة من المتسوقين والمتنزهين، وكأن لسان حال القساميين يقول «لئن لم تكفوا عنا أيديكم فبمثل هذا نرد عليكم» وتنتشر في الأوساط الإسرائيلية حالة من الرعب، وتنتشر معها إشاعات بأن القساميين تمكنوا من الاستيطان في قلب المدن الإسرائيلية، فهم لا يحتاجون لأن يخترقوا الحصار المفروض، ولا أن يحتالوا على أساليب المنع والاحتجاز، لم يكن شيء من ذلك ليحدث لو أن الإسرائيليين لم تأخذهم العزة بالإثم، فقد كان الجو العام داخل حركة حماس يميل إلى التوقف عن ممارسة العمل العسكري؛ نظرًا لتغير الظروف، فقد كانت وكالة رويتر قد نقلت في الثلاثين من يناير ١٩٩٦م عن غازي حمد أحد رموز «حماس» في قطاع غزة قوله إن معظم أعضاء «حماس» باتوا يؤيدون التوقف المؤقت عن كافة النشاطات العسكرية ضد «إسرائيل»، مؤكدًا أن الظروف الحالية يناسبها التحول نحو العمل السياسي، ومعلنًا أن الحركة كانت قد اتخذت قرارًا بالمشاركة في انتخابات المجالس البلدية القادمة، وبعد ذلك بقليل كان الشيخ عبد الله نمر درويش أحد رموز فلسطينيي أراضي عام ١٩٤٨م، يتحدث عن قناعته الراسخة بأن التفاهم المشترك بين السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» والذي يقتضي تعهدًا من الأخيرة بألا تحرج الأولى وبالإتيان بأي عمل عسكري ينطلق منفذوه من مناطق الحكم الذاتي، كان متينا وبعيدًا عن الانتهاك، وقد راج في الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية أن الشيخ درويش كان يحاول إقامة حوار ديني بين الإسلاميين واليهود، ربما رضي البعض عنه، وسخط البعض الآخر، هذه الأجواء المشجعة لم تدم طويلًا؛ لأن الإسرائيليين أرادوا أن يلعبوا لعبة لم يقدروا عواقبها، فقد ظنوا أن الأمر قد دان لهم، وأن بإمكانهم الآن اصطياد شباب القسام الواحد تلو الآخر ابتداءً بالمهندس، بعد أن صفوا زعيم حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا. وتعاونوا مع الشرطة الفلسطينية على تصفية عدد آخر من النشطاء.
لقد تحلى الحمساويون بالصبر على كل التضييقات التي مارسها الأخ الفلسطيني ضد أخيه، ولو لصالح العدو الغاصب اللئيم، وتم التسامح مع أبلغ الإهانات وشديد الإساءات مثل سجن الزعماء، وحلق رؤوسهم وذقونهم وشواربهم وحواجبهم، وهدئ الغاضبون بعد مجزرة مسجد فلسطين، وطلب من النشطاء كف أيديهم أثناء الانتخابات وما بعدها، وتقرر إعطاء السلطة الفلسطينية ما طلبته من فرصة، ونشأت في أوساط الحمساويين فلسفة جديدة تحدد معالم إستراتيجية استدعت انتهاجها المتغيرات، ومفادها أن اتفاقية السلام برمتها هشة موبوءة، ولا مفر من أن تتقوض وتتهاوى من تلقاء نفسها، إذن فلندعها ولندع المتهالكين عليها، ولنشغل أنفسنا بالاهتمام بجماهيرنا تربية وتثقيفًا إلى أن يأذن الله أمرًا» وكان من الممكن أن تنشأ حالة من التعايش بين السلطة وحماس طالما ابتعد الإسرائيليون عن التدخل في الشؤون الفلسطينية ولم تمارس ضد «إسرائيل» أعمال عسكرية تحرج السلطة.
ولكن تحامق الإسرائيليون فداسوا بأقدامهم المتخبطة على مصباح علاء الدين، فانطلق المارد من عقاله وتحرر من أسره، وقرئت وصية المهندس على الجماهير الغفيرة التي حضرت مراسيم وداعه، وسمعوا القارئ يتلو عليهم «لقد تركت من بعدي خريجين كثيرين» ويتحسب الإسرائيليون للانتقام، وينتظرون الساعة تلو الساعة، واليوم إثر اليوم، وتنقضي «أربعين» العياش فيظنون أن الأمر قد انتهى لتعاجلهم سهام القسام في الخمسين، وكان ذلك تفوقًا آخر للقساميين على الإسرائيليين.
ازدواجية أمريكا وانحيازها: وبينما يمنح القساميون الإسرائيليين فرصة أخرى معلنين استجابة لنداء قيادتهم السياسية وقف العمليات «الاستشهادية» إلى حين، شريطة أن يتوقف الإسرائيليون عن إجراءاتهم الانتقامية، يضرب الإسرائيليون تارة أخرى عرض الحائط بهذا العرض، ويستأنفون الزمجرة والتوعد والوعيد، ويطالبون البائس عرفات بما عجزوا هم عنه طوال أعوام الانتفاضة، وينضم إلى المتوعدين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي ضرب مثلًا للنفاق لم يضربه قبله زعيم أمريكي، فهو من جهة يسمح إرضاء لجموع الناخبين من أصل إيرلندي، وهو ذاته ينحدر من هناك بتمويل الجيش الجمهوري الإيرلندي، ويستقبل في بيته الأبيض زعيم الجناح السياسي للشين فين جيري أدامز، وذلك رغم استجداءات حلفائه البريطانيين ألا يفعل، وتجده في نفس الوقت وهذه المرة إرضاء لجموع الناخبين اليهود ومموليهم ومستشاريهم الذين ملكوا عليه عقله وقلبه، يعتقل زعيم الجناح العسكري لحركة «حماس» الدكتور موسى أبو مرزوق، ويعلن الحرب عليها وعلى كل من يبادرها بالتعاطف والمساندة، بل ويجيش الحكومات والزعماء ضدها، ويعلن على الملأ أن الولايات المتحدة ستتفهم كل ما تقوم به السلطات الإسرائيلية من إجراءات؛ أي حتى لو كانت مخالفة للقانون الدولي، ومنتهكة لمبادئ حقوق الإنسان، وحتى لو كانت عقابًا جماعيًا يطال كل الناس بلا تمييز.
حسابات «إسرائيل» الخاطئة: ثم يعلم الإسرائيليون أن بطشهم سيحطم حماس، أو يجتث من الجذور شباب القسام وحواريي عياش، وما تعلموا من التجارب الكثيرة المريرة أن ذلك إنما من شأنه أن يزيد حالة البؤس والإحباط، ويعلق قلوب الشباب بحب الاستشهاد بعد أن فقدت الحياة طعمها في ظروف معيشية مقيتة لا قيمة للإنسان فيها ولا كرامة، وفي أجواء من المطاردة وحتمية التصفية على أيدي الخصوم أو عملائهم، وكأن القساميين يقولون «لئن كان القتل مكتوبًا علينا، فليكن علينا وعلى أعدائنا» يظن الإسرائيليون أنهم بتشريد الأهالي بعد تدمير بيوتهم سيؤدبون الشباب ويردعونهم، ويظن الرئيس كلينتون أن بضع ملايين يحقن بها السلطة الفلسطينية كفيلة برفع المعاناة عن الناس وتعويضهم عن إجراءات الإسرائيليين التي تكلفهم قوت يومهم ومعاشهم، وما علموا أن البطش الإسرائيلي والفساد المستشري في كيان السلطة الناشئة يدفعان عشاق الشهادة -وهما ألوف- إلى الالتحاق بكلية الهندسة القسامية انتهاجًا لدرب يحيى عياش.
ومن هنا تأتي أهمية العرض الحمساوي بالهدنة مع الإسرائيليين؛ أي لا تقتلوا منا ولا نقتل منكم، وما سوى ذلك فلن يجدي نفعًا، ولن يوقف شلال الدم الهادر في المعسكرين إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ﴿إِنْ تَكُوْنُوْا تَأْلَمُوْنَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُوْنَ كَمَا تَأْلَمُوْنَ وَتَرْجُوْنَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُوْنَ﴾ (سورة النساء: 104).
• اللاجئون الفلسطينيون لا يذرفون الدموع على ضحايا «إسرائيل»
الأحداث الدامية تعيد للأذهان ما حصل للفلسطينيين عام ١٩٤٨م
بقلم :وبرت فيسك
قبل أكثر من أسبوع بقليل في إحدى مستشفيات بيروت رقدت امرأة فلسطينية عمرها (٧٤) عامًا، كانت قد طردت من بيتها في مدينة عكا (على ساحل المتوسط) في الحرب العربية الإسرائيلية عام ١٩٤٨م، على فراش الموت بعد حصول مضاعفات سببتها معاناتها من قرحة المعدة وجاءت ابنتها لزيارتها.
«هل سمعت الأخبار»؟ سألت الابنة أمها التي لن تعيش أكثر من ثلاثة أيام «وقعت عملیتان استشهادیتان في إسرائيل، وهناك أكثر من (٢٠) قتيلًا» حدقت المرأة في وجه ابنتها قائلة «عدلي وضعي في السرير؛ أريد أن أسمع المزيد» وهكذا استعادت المرأة المحتضرة قبس حياة من أخبار موت وحشي، لم يكن هناك تعاطف يذكر بين فلسطيني الشتات لركاب حافلات القدس ومتسوقي تل أبيب.
كل فظاعة ترتكب في الشرق الأوسط تنتج الاستنكار وفقدان الذاكرة، والهجمات الاستشهادية الشديدة جدًا في إسرائيل أنتجت المزيج المعتاد من الغضب وفقدان الذاكرة التاريخية القصيرة والطويلة الأمد معًا، في الوقت الذي تنهار فيه العملية السلمية، رويدًا رويدًا.
وإذا كان الإسرائيليون قد أفاقوا لتوهم احتمال الانهيار، فإنه لا يمكن قول الشيء نفسه عن ملايين العرب الذين -على الرغم من تأييد حكوماتهم الموالية للغرب لاتفاقات أوسلو- تخلو منذ أمد بعيد عن الأمل في سلام عادل في الشرق الأوسط، كيف يمكن للمرأة المحتضرة أن تظهر شعورًا بالرضا كهذا لسماع أخبار فظيعة في القدس؟
بالنسبة للناجين من هجرة عام ١٩٤٨م وأبنائهم، فإن معاناة فلسطينيي الشتات على يد الإسرائيليين حيدت ومنذ وقت بعيد مشاعر الرحمة نحو «إسرائيل» وأكثر الوجوه المألوفة التي تغطى صورتها جدران مخيمات صبرا وشاتيلا في بيروت، وعين الحلوة في صيدا، هو وجه يحيى عياش صانع القنابل في حماس، أو المهندس الذي اغتالته المخابرات الإسرائيلية في 9 من يناير (كانون ثان) الماضي.
وكما هو المعتاد فقد قلب الإسلاميون سياسة إسرائيل في العين بالعين على رأسها، مودين بحياة (٦٠) شخصًا على الأقل، مقابل حياة رجل واحد، ولا تحظى حماس بالكثير من التأييد في لبنان، فليس لدى أعضائها الكثير مما يقدموه لـ (٤٠٠) ألف لاجئ فلسطيني اقتطعوا من الصفقة التي عقدها ياسر عرفات، لكن في مخيمات اللاجئين لم تكن هناك شحة في الشباب المستعدين لإعطاء دروس في التاريخ: حماس والإسرائيليون كانت بينهم هدنة دامت (7) أشهر، انتهكت إسرائيل بعدها الهدنة بقتلها يحيى عياش كما قال أحدهم، وأضاف «إذن حماس» تأخذ بثأرها، والإسرائيليون يتوقعون منا الانفجار باكين لأجلهم.
وتساءلت أصوات أخرى أقل غضبًا: لماذا نسي العالم أن «إسرائيل» ساعدت في خلق «حماس» كعامل «موازنة» إسلامي ضد نفوذ السيد عرفات عندما كان مفترضًا أن منظمة التحرير الفلسطينية، وليس «حماس» هم الإرهابيون الأكبر في الشرق الأوسط، وأن من الحقائق أن عددًا من رجال «حماس»، الذين أبعدوا إلى جنوب لبنان من قبل إسحاق رابين عام ۱۹۹۲م، قابلوا شمعون بيريز شخصيًا.
كما أنه صحيح أيضًا أن «إسرائيل» كانت في الأسبوع الماضي تهدد بتكرار عملية موازنتها القديمة عندما أعلن وزير خارجيتها ايهود باراك بعد وقوع عمليتين استشهاديتين، أن «إسرائيل» قد تعيد فتح قنوات المحادثات مع «حماس» إذا لم يتعامل السيد عرفات مع المجموعة.
وعلق فلسطيني ماركسي قائلًا: لقد قلنا لكم منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية الاتفاقية مع «إسرائيل» أن العملية السلمية لن تنجح، لكنكم احتججتم أن يقول الإسرائيليون ذلك حتى تصدقوه الآن، وفي خضم هذا السلام أعلنت «حماس» الحرب ودفعت الإسرائيليين إلى إعلان الحرب الشاملة، وكان هذا ما أعلنه بيجن ضد عرفات عام ۱۹۸۲م، وكان هذا ما أعلنه رابين ضد حزب الله عام ١٩٩٣م، والاثنان أخفقا، والآن سيفشل بيريز أيضًا.
الاستنتاجات التي يتوصل إليها الفلسطينيون من غير الإسلاميين هنا أكثر سوداوية إلى أبعد الحدود، فهم يعتقدون أن «حماس» توحدت من جديد في أعقاب خلافات بين مكتبها السياسي وأعضائها المسلحين، وقررت كما تذهب إليه القناعات المفزعة لهؤلاء إلى تجريد عرفات من مصداقيته، والبدء بحرب أهلية في الضفة الغربية بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود.
ويقول عضو في الجبهة الديمقراطية إنه لم يكن من قبيل المصادفة أنهم فجروا حافلة على خط يستخدمه المستوطنون، وأنهم يستهدفون الإسرائيليين من الجناح اليميني لاستفزازهم لشن هجوم آخر، ربما مذبحة مسجد أخرى على غرار ما حدث في الخليل، ويدرك القادة الفلسطينيون في بيروت ودمشق أن «حماس» الآن تشن محاولة شاملة للقضاء على اتفاقية أوسلو، وعلى الرغم من ازدرائهم للعملية السلمية، فإنهم لا يحبون ما يشاهدونه.
وقال أحد الذين شاركوا في حرب ۱۹۸۲م «نحن لا نفوق عرفات في عدم حبنا لرؤية فلسطين إسلامية، وأضاف بغضب أن عرفات بحاجة إلينا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكل المجموعات المعارضة لتكون معه في الضفة الغربية، إنه يحتاجنا لتعزيز قوته ضد «حماس»، ولكن نحن لنا ثمن، يجب ألا نتخلى عن حق العودة الفلسطيني عام ١٩٤٨م.
ولكن قد يكون فات الأوان، هل تتذكر ما حدث في لبنان أول ما حصل كان الضرب بالقنابل، ثم الاغتيالات، لقد بدأ ذلك يحدث في فلسطين، في البداية كان حادث الخليل، الهجمات الاستشهادية، ثم كان مقتل رابين.