; أصداء الكساد الياباني تتردد في الشرق الأوسط والخليج العربي | مجلة المجتمع

العنوان أصداء الكساد الياباني تتردد في الشرق الأوسط والخليج العربي

الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 56

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 21-يوليو-1998

  • أدنى مستوى للين، أعلى معدل للبطالة، وانخفاض إجمالي الناتج المحلي 7%.

أنباء انهيار الين الياباني تسيطر على اهتمام العالم شرقًا وغربًا، ترقبًا وحذرًا من الآثار الاقتصادية المتوقع حدوثها نتيجة لتلك الهزة التي ضربت بعنف أركان أحد أقوى الاقتصادات العالمية.

وقد تضاربت توقعات الخبراء والمصرفيين بشأن مستقبل الأزمة الحالية التي تمر بها العملة اليابانية، وأثرها على الاقتصاد العربي بشكل عام، ففي حين يرى البعض أن الاقتصاد الياباني القومي قادر على تجاوزها بسرعة، أكد آخرون أن انهيار الين بالعوامل المصاحبة له أدخل اليابان بالفعل إلى دائرة الأزمة المالية التي تفجرت في جنوب شرق آسيا في شهر يونيو من العام الماضي.

وفيما يتعلق بتأثير تدهور الين على الميزان التجاري بين اليابان وباقي الدول الأسيوية من ناحية، وبعض دول الشرق الأوسط من ناحية أخرى، أجمع الخبراء على توقع اتساع العجز الحالي في الميزان التجاري للمجموعة الأخيرة من الدول، نظرًا لزيادة قيمة عملاتها المرتبطة في أغلبها بالدولار مقابل الين الياباني وعملات دول الشرق.

ويتوقع المحللون زيادة كبيرة في حجم الواردات من اليابان ودول شرق آسيا خلال الفترة القادمة في ضوء تدهور عملاته،ا والمزايا والتيسيرات الضخمة التي تمنحها للمستوردين للتغلب على مشكلة نقص العملات الأجنبية هناك، وكانت العملة اليابانية قد ترنحت تمامًا- وبشكل مفاجئ- في الأسواق الدولية خلال الأيام الأخيرة، مما أدى لاضطراب أسواق الأسهم والعملات في جميع أنحاء العالم، حيث وصل الين إلى أدنى مستوى له منذ ثمانية أعوام، وصعد الدولار إلى ١٤٦  ينًّا، وهو أعلى مستوى يصل إليه منذ أغسطس عام ١٩٩٠م.

أسعار الين

والواقع فقد شهدت أسعار صرف الدولار أمام الين تأرجحًا كبيرًا في الأعوام الماضية من العقد الجاري، حيث دار متوسط سعر الدولار عند ١٢٤ ينًا عام ١٩٩٢م، ثم تراجع إلى ١٠٥ ينات في العام التالي، وواصل تراجعه إلى مستوى ٩٦ ينًّا عام ١٩٩٤م، وسجل أدنى مستوياته في منتصف عام ١٩٩٥م عندما بلغ ٨٠ ينًا، ثم عاد إلى الارتفاع التدريجي بعد ذلك وبلغ مطلع ١٩٩٦م نحو ١٠٠ ينٍّ، وفي العام التالي بلغ ١١٥ ينًا، وسرعان ما واصل ارتفاعه ليبلغ ١٣٠ ينًا مطلع السنة الجارية، إلى أن وصل الدولار إلى أعلى مستوياته أمام الين الأسبوع الماضي.

ويرى بعض المحللين أن الاقتصاد الياباني الذي يستند إلى أعلى احتياطي نقدي في العالم «أكثر من ۲۰۰ مليار دولار»، والذي يعد المانح الأكبر للمعونات الخارجية في العالم، فضلًا عن كونه أكبر مقرض عالمي، ويملك رصيدًا ضخمًا من الاستثمارات الخارجية يقدر بنحو ٨٠٠ مليار دولار، يستطيع تجاوز الأزمة بسرعة، ويسترد قيمته الحقيقية.

وكان الاقتصاد الياباني قد تراجع في الربع الأخير من العام الماضي بنسبة ١,٥% وبذلك انطلقت عليه معايير الكساد المتعارف عليها دوليًا، وهي حدوث انكماش في الاقتصاد في ربعين متعاقبين، وأشارت البيانات الاقتصادية إلى انخفاض إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 7% في السنة المالية 98/97، وهي المرة الأولى التي يدخل فيها الاقتصاد الياباني في كساد منذ عام ١٩٧٤م.

ويحدد المحللون عدة أسباب الانخفاض الين منها تدفق أموال المستثمرين على شراء الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا في أعقاب التفجيرات النووية الهندية الباكستانية الأخيرة.

وأيضًا الأزمة الاقتصادية والانهيارات المالية في آسيا بصفة عامة، والتي لعبت دورًا مؤثرًا في ركود الاقتصاد الياباني، وانخفاض سعر الين، نظرًا لأن ثلث صادرات اليابان تتجه إلى أسواق جنوب شرق آسيا، وسبب آخر يتمثل في الأزمة المالية داخل اليابان ذاتها، حيث لعبت البنوك دورًا كبيرًا في صنع أزمة الين بتوسعها في إقراض المشروعات العقارية ومشروعات البناء، وعندما هبطت أسعار العقارات عجز أصحاب المشروعات العقارية عن سداد القروض، واهتز النظام المصرفي الياباني بشدة، وتقدر قيمة القروض الرديئة المشكوك في تحصيلها بمقدار ٥٣٠ مليار دولار.

أضف إلى هذا أن ارتفاع معدلات البطالة بشكل قياسي إلى ٤.١% في إبريل الماضي مقابل ٣.٩% في مارس- فيما يعتبر أعلى ارتفاع منذ عام ١٩٥٣م- وانخفاض مبيعات التجزئة بنسبة 5% خلال إبريل، أديا إلى تراكم المخزون لدى الشركات، وتباطؤ دورة الإنتاج ورأس المال، وقد اتفقت كل من اليابان والولايات المتحدة للعمل معًا على وقف الهبوط في الين، وتدخل مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي «المركزي الأمريكي» بائعًا للدولار بسعر ١٣٨,٦٠ ين، بما خفض الدولار إلى مستوى ۱۳۸ ينًّا مقابل ١٤٤٠.٩ يوم ١٦ يونيو الماضي، وقدرت مصادر أمريكية أن الولايات المتحدة قد أنفقت في هذه العملية نحو ملياري دولار.

ميزانية خاصة

وقامت اليابان من جانبها بتبني ميزانية خاصة قيمتها ٤٦٥٠ مليار ين «۳۳ مليار دولار» تهدف إلى إنعاش الاقتصاد، وتسمح هذه الموازنة حال إقرارها لطوكيو بالبدء في جمع الأموال المتبقية المطلوبة لتمويل مشروع كبير للإنعاش الاقتصادي بقيمة ١٦٦٠٠٠ مليار ين «١١٦ مليار دولار» قدمته منذ شهرين وتأخر تطبيقه، وبات في مستطاع اليابان إصدار سندات خزينة بقيمة ٦١٠٠ مليار ين لاستخدامها في إعادة ضرائب إلى اليابانيين بقيمة إجمالية تصل إلى ٤٠٠٠ مليار ين، وقد رحب منتدى الدول المطلة على المحيط الهادي «الأبيك» بالتدخل الأمريكي الياباني، وحض اليابان على الالتزام بخطة شاملة للإصلاح.

ورغم ما يتوقعه البعض حول مكاسب تجنيها اليابان من انخفاض قيمة الين، تشير دراسة أصدرتها نشرة «أكسفورد أناليتكا» الأسبوعية المتخصصة في التوقعات الاقتصادية، أن هذا الانخفاض يجب أن يدرس في إطار تأثيره على بقية شرق أسيا، والتأثيرات العكسية على اليابان، وبخاصة أن هناك تخوفًا مستشريًا من أن رخص الصادرات اليابانية سيدمر القدرة التنافسية النسبية للمصدرين الأسيويين المنافسين، إلا أن الدراسة ترى أن هذه التوقعات مفرطة في التشاؤم نظرًا لما يلي: 

1- أن السنة الماضية شهدت انخفاضًا ملموسًا في قيمة عملات شرق آسيا، باستثناء الدولار في هونج كونج وتايوان الصين، ولدى النظر إلى الهبوط الحالي لقيمة عملات شرق آسيا بمنظور بعيد الأمد، فإن ذلك لا يمثل استجابة لهبوط الين، بل ميلًا متصلًا للتكيف بتأثير أسعار صرف سابقة عالية جدًا إزاء الدولار، ويمكن القول هنا أيضًا أن التوازن الجديد يصاغ حاليًا مع الين وتلك العملات التي تندرج في نطاق دائرة النفوذ الاقتصادي الياباني المباشر.

 ٢- أن الهياكل التجارية المعظم دول شرق آسيا متكاملة أكثر منها متنافسة مع هياكل اليابان، وتقوم وزارة التجارة الدولية والصناعة في اليابان بدراسات مستفيضة لتحديد مدى تأثير انخفاض قيمة الين على القدرة التنافسية للصادرات من الدول الآسيوية الأخرى، والوضع التصديري لا يتشابه إلا مع حالة واحدة هي كوريا الجنوبية «في ميدان الفولاذ وبناء السفن وغيرهما»، لكن كوريا الجنوبية تستفيد أيضًا من ضعف الين نظرًا لاعتمادها على اليابان اعتمادًا كبيرًا في استيراد أجزاء تجميعية للكثير من سلع التصدير، ومن الواضع أن ضعف الين يعني أن دول شرق آسيا ستجد صعوبة أكبر في التصدير لليابان، ومن المرجح أن تتلقى قدرًا من الاستثمارات اليابانية، لكن يمكن التعويض عن ذلك بزيادة الاهتمام من أمريكا الشمالية وأوروبا، ولكن القلق الأكبر كما يقال هو أن يؤدي انخفاض قيمة الين إلى إحداث دورة تضخمية يتنافس فيها المتنافسون على تخفيض قيمة عملاتهم وسط دول شرق آسيا، وبخاصة الصين وجنوب شرق آسيا.

3- أن ضعف الين يقلل من تكاليف خدمة الديون اليابانية بـ «الين»، كما أنه يعود بالنفع على دول جنوب شرق آسيا، التي تعتبر المصدر الأكبر للسلع الخاضعة للدولار، وتشكل الديون بالين نسبة كبيرة من إجمالي ديون رابطة الآسيان وبخاصة إندونيسيا.

الخليج وتراجع الين

نظرًا لكون جميع العملات الخليجية- عدا الدينار الكويتي- ترتبط بالدولار الأمريكي، فإن من شأن ارتفاع الدولار إزاء الين الياباني أن ينعكس إيجابًا على المستهلك الخليجي للسلع اليابانية، ويرشح اقتصاديون في الخليج أن يرتفع الطلب على البضائع اليابانية في منطقة الخليج بعد انخفاض أسعارها بنسبة ١٠% منذ مطلع السنة الجارية، وكانت البضائع اليابانية بدأت رحلة تصحيح سعري منذ أن بلغت ذروتها عام ١٩٩٥م مع بلوغ الدولار ٨٠ ينًا، واستفادت البضائع اليابانية من خفض سعري بلغت نسبته ٢٠% إذ احتسبت نسبة الأسعار في الفترة من يونيو ۱۹۹۷ م ويونيو ۱۹۹۸.

على الجانب الآخر استبعد بعض وكلاء السلع اليابانية أن تنخفض أسعار السلع اليابانية الواردة إلى أسواق الخليج بشكل سريع، لوجود مخزونات كبيرة تغطي احتياجات الأسواق الخليجية، كما استبعد الوكلاء أيضًا أن تنخفض أسعار السلع اليابانية في مستويات انخفاض أسعار صرف الين تجاه العملات الخليجية والدولار، وذلك لظروف ترتبط بسياسات المصنعين وتكلفة الإنتاج، وبات من المؤكد أن تبلغ الصادرات اليابانية إلى الخليج أعلى مستوياتها بتاريخ التجارة بين الجانبين بحلول نهاية ١٩٩٨م.

انكمش الاقتصاد الياباني خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام بنسبة ١.٣% مما يعني أن معدل الانكماش المتوقع العام بأكمله سيكون بحدود ٥.2%، ولا شك أن هذا النمو السلبي سيؤثر على أداء مختلف القطاعات الاقتصادية في اليابان، مما سيؤثر على الطلب على النفط، وسوف ينتج عن تدهور سعر صرف الين أن تصبح قيمة فاتورة الواردات النقطية مرتفعة إذا قومت بالين.

 وكانت الصادرات اليابانية إلى دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة سجلت العام الماضي نموًا كبيرًا بلغت نسبته 9% وارتفعت من ٧.٢ مليار دولار إلى 8 مليارات دولار، وكانت أرقام الصادرات بلغت عام ١٩٩٥ م نحو ٦.٥ مليار دولار، وزادت الواردات اليابانية من السلع الخليجية التي يعتبر النفط مصدرها الرئيس من ۲۷ مليار دولار عام ١٩٩٥م إلى 30.2 مليار دولار عام ١٩٩٦م، ثم ارتفعت إلى 33.3 مليار العام الماضي.

رغبة في تطوير العلاقات

وفي تقرير لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية صدر في مارس الماضي ذكر أن حجم الاستثمارات اليابانية في مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي في نصف قرن لم يتجاوز 7 في الألف من إجمالي الاستثمارات اليابانية في العالم، رغم أن أكثر من ثلثي واردات اليابان النفطية تأني من دول الخليج.

وذكر التقرير أن حجم التبادل التجاري بين دول المجلس واليابان بلغ نحو ٣٧.٥ مليار دولار عام ١٩٩٦م، تشكل الصادرات اليابانية فيها نحو ٧.٥ مليار دولار، والواردات نحو ٣٠ مليارًا، إلا أنها علاقة تتوقف عند علاقة طرف منتج للمواد الخام ومصدرها، وهو في نفس الوقت مستورد للموارد المصنعة، وطرف ثان متقدم صناعيًا مستورد للمواد الخام ومصدر للمواد المصنعة. 

واعتبر التقرير أن العلاقات الاقتصادية بين اليابان ومجموعة دول المجلس لم تتطور بالشكل الذي تطمح إليه دول مجلس التعاون من شراكة في الاستثمار، ونقل للتقنيات الصناعية اليابانية إلى دول المجلس، إذ إن الاستثمارات اليابانية في دول المجلس على مدى نصف قرن لم تتعد 6.3 مليار دولار، أي أقل من 7 في الألف من استثمارات اليابان الخارجية في مختلف أنحاء العالم، ولاحظ التقرير أنه على رغم تحديد عدد كبير من المعوقات بين الجانبين الياباني والخليجي، ووضع الخطط لتذليلها، إلا أن تحفيز الاستثمار الخليجي الياباني المشترك لا يتم بصورة مجدية، إلا بتفهم أسس الاستثمار المشترك السليم والبناء عليها. 

ويصرف النظر عن الأزمة المالية الأخيرة في اليابان، فلا زالت تلك الدولة قوة اقتصادية عملاقة، وليس من الصعب التكهن بمرورها عبر أزمتها بسلام، فالدولة التي تجاوزت كارثة هيروشيما في فترة من الفترات، يمكنها أن تتجاوز تلك الأزمة الطارئة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

297

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان