; أصغر أسير في سجون الاحتلال الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان أصغر أسير في سجون الاحتلال الصهيوني

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004

مشاهدات 49

نشر في العدد 1621

نشر في الصفحة 20

السبت 02-أكتوبر-2004

  • وائل وضعته أمه في الأسر ويعامله السجانون مثل باقي الأسرى.

  • اخترق صوته وهو يبكي حدود الزنزانة التي يقيم فيها لأول مرة مع موعد الفجر، كان المشهد يوحي برمزية رهيبة.

  • الأم الأسيرة وضعت مولودي وحيدة وأنا مقيدة اليدين والرجلين بسرير الولادة.

  •  رسالة من أم وائل عبر الأسيرة المحررة نور: أبلغي العالم أن وائل قد بقي له ستة أشهر ثم يأخذونه مني أشعر أني سأموت إذا فارقني.

قصة الطفل وائل طه أصغر أسير في سجون الاحتلال قصة تنفطر لها القلوب؛ حيث يقبع وائل الذي لم يتجاوز عمره العام ونصف العام في الأسر مع والدته الأسيرة ميرفت أبو طه التي حكت زميلاتها المحررات مأساتها ومأساة طفلها داخل سجون الاحتلال.
نور أبو حجلة التي خرجت من الأسر بعد عامين قضتهما في السجون الصهيونية كانت آخر من التقت الأم ميرفت وطفلها، ونقلت عنها رسالتها التي قالت فيها: أبلغي العالم أن وائل قد أصبح عمره عامًا ونصف العام، وبقي له ستة أشهر حتى يأخذوه مني أشعر أني سأموت إذا فارقني وائل، كانت تلك عبارات الوداع النازفة من قلب الأم أبو طه التي تنقلها للعالم بأسره عبر رفيقة قيدها نور.
بدأت قصة رحلة العذاب لميرفت مع سجون الاحتلال عندما اعتقلتها قوات الاحتلال الصهيوني من القدس في يونيو ٢٠٠٢م بعد ثلاثة أشهر من زواجها، وعندما شعرت بدوام التعب والإجهاد ثم نقلها بعد طول عناء للعيادة فاكتشفت أنها تحمل في أحشائها جنينًا. تقول نور: «لقد منع السجانون عنها الفحوص الطبية للاطمئنان على حياة جنينها.
ومنعت عنها أقراص الحديد التي يوصي بها الأطباء للسيدات خلال حملهن في الظروف الطبيعية، فكيف في ظل نقص الطعام ورداءته وسوء محتواه وقلة فائدته؟
وتضيف نور قبل عملية الوضع تم نقل میرفت إلى غرفة مزدوجة مع نزيلة واحدة، وعزلها عن عنبرنا الجماعي، فأشفقنا عليها واعترضت السجينات وتوصلنا إلى حل وسط وهو أن تنتقل ميرفت إلى زنزانة مزدوجة على أن تكون رفيقتها إحدى الأسيرات اللاتي لديهن خبرة سابقة في الإنجاب، واستجابت الإدارة فعلًا لهذا الحل الوسط فاختارت الأسيرات من بينهن قاهرة السعدي من مخيم جنين، وهي أم لأربعة أبناء ومحكوم عليها بالسجن ثلاث مؤبدات، وانتقلت مع الأسيرة ميرفت بالفعل.
كانت الأسيرة أبو طه في رحلة حملها ترفض التعامل مع طبيبة السجن، وتعلل نور ذلك بالقول: «طبيبة السجن هي مشرفة إدمان على المخدرات تستخدم لعلاج الأسيرات الجنائيات ولعلاج قسم الأسيرات الأمنيات كانت ميرفت تعي ما تصفه الطبيبة من أدوية تختص بالأعصاب، وتظهر تأثيراتها في المستقبل عدا عن كونها لا تساهم في حل المشكلة، ولذلك رفضت دومًا العلاج المقدم في داخل السجن خوفًا على حياة جنينها .
وضعت وحيدة:
وعن ظروف وضع الوليد وائل تحكي الأم الأسيرة ميرفت قائلة: طلبت عائلتي وعائلة زوجي حضور الولادة في سجن الرملة لكن لم يسمح لأحد، كنت أتمنى أن يكون إلى جانبي في تلك اللحظات أحد ألجأ إليه، وأشكو إليه آلآمي، السجانات وحدهن في الغرفة يقفن غير آبهات لصراخي، أردت أن أضغط على أي شيء ليساعدني في تحمل الأوجاع لم أجد غير طوق الحديد الذي كنت مكبلة به.
وتضيف الأم وصلت الغرفة التي سأضع مولودي بها في المستشفى في اللحظات الأخيرة، الغربة والوحدة والاعتقال، كانت همومًا تثقلني فأنستني أني مثقلة بالحديد أيضًا، لقد وضعت مولودي وأنا مقيدة اليدين والرجلين بسرير الولادة.
أجواء الفرح سادت عندما علمت الأسيرات بنبأ المولود الجديد وائل، وانطلقت الزغاريد وقام بعضهن بتوزيع الحلوى ابتهاجًا بقدوم وائل وللتسرية عن أمه التي حرمت من فرحة أهلها وزوجها بوليدهم الجديد، ولكن أجواء الفرح لم تستمر طويلًا، حيث عادت الأم الأسيرة مع مرافقتها وطفلها إلى غرفتهن لتعود الحياة الاعتقالية إلى سوداويتها من جديد.
تقول نور: «منذ اليوم الأولى لولادة وائل لم يحصل على أية خصوصية كطفل رضيع حديث الولادة، فالخضار واللحوم وكل المواد جيدة القيمة الغذائية ممنوعة، توقعنا أن يسمحوا بإدخالها لأم الرضيع فلم يفعلوا، حتى وإن كانت على حسابنا كأسيرات، لقد طالبنا فقط بتغيير الحليب الموجود بالكانتين  المقصف، واستبدال حليب أكثر دسمًا به فرفضوا. وبدأ وائل يكبر كان السجن يزيده ذكاء وحياة المعاناة تنبئ أنه سينضج قبل أوانه، اخترق صوته وهو يبكي حدود الزنزانة التي يقيم فيها لأول مرة مع موعد الفجر، كان المشهد يوحي برمزية رهيبة فصمت الطفل ينتهي مع زوال الظلام، واختلطت المشاعر على الأسيرات وهن يسمعن صوته لأول مرة، كن فرحات لأنه بخير الأسيرات، ويشكين الحزن لأنه في الأسر.
وتضيف نور: «نفذت الفوط الصحية المخصصة لوائل من المستشفى، وعندما طالبنا ببديل لها، أحضروا لنا كمية بعد مماطلة، وعند فتحها وجدناها متعفنة، أبلغنا إدارة السجن بذلك، فصدمونا بالجواب: دبروا حالكم إلى الصباح.
وتضيف نور عن الحياة الصعبة التي عاشها وائل في أول أيام ولادته قائلة: «تخيلنا أن يعامل بلطف، وأن يُنظر إليه كطفل بريء، لكن عندهم، بما أنك فلسطيني، فأنت مذنب وحياتك وحدها جريمة يجب أن تعاقب عليها وهكذا حدث مع وائل.
وتقول: أبلغوا أم وائل عن موعد التطعيم الأول قبل يوم واحد ولم يحضروا، وإن كانوا قد منحوه التطعيم في اليوم التالي، وكذلك ماطلوا في التطعيم الثاني، وأعتقد أن أحد التطعيمات قد انقضى موعدة دون أن يحصل عليه وائل.
وتواصل نور: بدأ وائل يكبر واقترب الشتاء فطالبنا بمدفأة صغيرة له، رفضوا طالبنا ببانيو صغير لتغسله والدته داخله رفضوا أيضًا، كانت الأم تغسله وتنظف ثيابه في نفس المغسلة، طالبناهم بالسماح بدخول ثياب جديدة فكانوا يماطلون في إدخالها، وكبر وائل وأصبح يلعب ويميز الأشياء، إنه لا يتوقف نهائيًا عن الركض فلا تراه جالسًا أبدًا وكأنه يريد أن يعوض عن ضيق المكان بكثرة الحركة.
وتشير نور إلى التمييز الذي يحدث مع أبناء الأسيرات الفلسطينيات مقابل العناية التي يلاقيها أبناء السجينات الأمنيات الصهيونيات فتقول: تقدمنا بطلب للسماح لوائل باللعب مع الأطفال أبناء الأسيرات أو السجينات رفضت الإدارة كذلك، طالبنا أن تخصص لوائل فرصة إضافية ومتسع من الوقت ليلعب ويتسلى في الممر بين الغرف رفضوا كذلك، إنه أسير كوالدته يقضي بين الأسيرات ثلاث ساعات يوميًا، ثم يعاد لزنزانته مع والدته ومرافقتها السعدي.
وتصف نور مرحلة خطرة في طفولة وائل بقولها أصيب باحمرار الجلد لم تعرف السبب ربما الرطوبة والظروف السيئة، رافقه ارتفاع شديد في حرارة الطفل إلى حد خشينا فيه على حياته، وكان وائل في تلك الفترة لا يتوقف نهائيًا عن البكاء، ورغم كل ذلك رفضت الإدارة نقله إلى المستشفى أو التدخل لإنقاذ حياته حتى تدخلت الأسيرات بنوع من التجريب بطلاء جسده بزيت الزيتون فإذا به يتماثل للشفاء.
وائل اليوم يمضي أيامه في الشهر الثامن عشر لاعتقاله وميلاده يلعب بمعلبات المقصف في غرفة والدته المطلية باللون الداكن، ويلتصق بأمه لا يريد أن يفارقها، ولا هي كذلك تريد مفارقته، ولكن قوانين السجون الصهيونية تقضي بعزله عن أمه عندما يبلغ العام الثاني من عمره، فهل سيتدخل أحد لعدم الفصل بين الأم الأسيرة وابنها الأسير؟ وهل يسمع العالم والمسلمين على وجه الخصوص صرخة ميرفت وطفلها الأسير؟

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل