العنوان أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار (2)
الكاتب عبد الله المدرس
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1976
مشاهدات 78
نشر في العدد 287
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-فبراير-1976
في داخل بلادنا نفذت «اللعبة» بمكر ودهاء حينًا، وببلادة وغباء أحيانًا.. والقلة القليلة التي نبهت إليها، وأشارت إلى «اللاعبين الحقيقيين» ضربت رقابها، وقطعت أيديها وأرجلها من خلاف، وأسكتت بأشد الأساليب البوليسية خسة.. أما «الأكثرية» فقد ضللت كثيرًا، وخدعت طويلًا، ومررت عليها المؤامرات الخطيرة بكرة وأصيلًا.
ثم إن لها أن تزداد وعيًا بما يحدث حولها، وأن تفتت ضربة حزيران كل الجدران الزائفة وتمزق كل الأستار التي كانت البروفات «الحقيقية» تتم من ورائها.. فتظهر للشمس كل المساحات والمنحنيات المعتمة، وتبقى مساحات ومنحنيات أخرى لا زالت تغطيها الظلال تنتظر من يكشف عنها، لكي تقف الجماهير وجهًا لوجه أمام مسئوليتها الكاملة، بوعي صادق لا دجل فيه ولا تضليل، وبإخلاص مسئول لا انتهازية، عليه ملايين الأكف وهي تصفق ببلادة، وآلاف الحناجر وهي تهتف بغوغائية لم يشهد التاريخ لها مثيلًا.
الأيدي التي ظلت، ولا تزال، تصفق للهزائم، والحناجر التي هتفت -ولا تزال- لأكثر الزعماء قدرة على التضليل والتزييف، في عصر نحن بأمس الحاجة فيه إلى الإنسان «العامل» الذي يجهد بصمت، لا ينتظر تصفيقًا ولا هتافًا، ولا يمارس تصفيقًا ولا هتافًا، في أمة كادت لكثرة تصفيقها وهتافها أن تنسى بداهات العمل المخلص الجاد، وهي الآن بأمس الحاجة إلى من يكشف لها من جديد عن هذه البداهات؛ كي لا تضيع مرة عاشرة وهي في غمرة الهتاف والتصفيق!!
تأخذ لعبة اليمين واليسار في عالمنا الإسلامي والعربي الراهن صيغًا مختلفة إحداها أن يسعى «الزعيم» إلى تقسيم أمته إلى كتل شتى تتراوح بين اليمين واليسار، أو أن يعمق هذا الانقسام المهيأ قبل دفعه إلى السلطة، ثم يستخدم كل أجهزة الدولة ومؤسساتها الإعلامية والبوليسية والتربوية والثقافية في إثارة هذه الكتل بعضها ضد البعض الآخر، ودفعها إلى مزيد من التطاحن والتناحر.. موحيًا إلى إحداها، بين الحين والآخر، بأنه بسلطانه وأجهزته معها ومن ورائها، لكي تهوى على الكتلة الأخرى التي يبدو للزعيم أنها تشكل خطرًا ما، مباشرًا أو غير مباشر، أي على شخصه أو على «الجهة» التي أكرمته بالسلطة، فتمزقها وتفتتها حتى إذا ما بدا أن الكتلة المنتصرة طغت وتجبرت ومدت أبصارها إلى مزيد من مواقع السلطة وأجهزتها الحساسة، حول الزعيم مؤشرات السياسة تحويلًا تدريجيًّا صوب الكتلة المهزومة، فأوحى لها أنه معها ومن ورائها.. وصب جام سخطه على «الكتلة» التي كانت إلى عهد قريب أثيرة لديه.. فيثور الصراع من جديد بين الكتلة المندحرة وقد وجدت نفسها مطمئنة إلى إسناد السلطة، وبين الكتلة التي نفيت من «الحضرة» وغضب عليها.
وينسى الشعب خلال هذا الصراع المرهق، والتطاحن النفسي والجسدي المستمر، سياسة الدولة ومسائلها الأساسية وقضاياها الكبرى وارتباطات زعمائها السرية، بل ينسى أنه «يلعب» به تلك اللعبة التي تجرعنا مآسيها وويلاتها في أكثر من بلد، والتي يمكن تسميتها بلعبة «البقاء في السلطة من خلال تصاريح كتل اليمين واليسار».
وليست تجربة القاسمية في العراق «1959 - 1963»، والسوكارنية في إندونيسيا «1949 - 1966»، والناصرية في مصر «1952- 1970» سوى أمثلة بارزة لعديد من اللعبات التي ما لبثت أن انقلبت وبالًا على أصحابها.. ولكن بعد كم من السنين التي سفكت فيها دماء، وأزهقت أرواح، ودمرت طاقات، وصرفت إمكانات في غير مواقعها الحقيقية؟! بعد كم من السنين الضائعة، ونحن بأمس الحاجة إلى الأيام والشهور لملاحقة المسيرة الكبيرة التي يقطعها أعداؤنا الذين ألهونا باللعبة، وانصرفوا هم إلى الكد والجد في مواصلة الطريق؟!
كانت لعبة «البقاء في السلطة من خلال تصارع الكتل» تأخذ أبعادًا مختلفة، أو تعتمد أساليب عمل متنوعة تبدأ بإثارة الانشقاقات وتعميقها في جسد الأمة، والتزام كتلة ما ودفعها إلى مراكز السلطة، وإسنادها إعلاميًّا وبوليسيًّا، وإهمال سائر الكتل «الوطنية» وحجب حقها المشروع في ممارسة الحكم والإدارة. ثم تزداد المسألة عنفًا فتجد هذه الكتل نفسها مطاردة مضطهدة، مغضوبًا عليها، مشرعة أمامها أبواب السجون والمعتقلات لكي ما يلبث أن يرمي بزعمائها فيها فيبقوا هناك السنين الطوال، أو ربما لن يعودوا أبدًا.. ليس هذا فحسب، بل تصل بعض هذه التجارب حدًّا من العنف والقهر يسمح فيه للكتلة «المحمية» أن تستخدم أدوات الدولة وأجهزتها، فضلًا عن أدواتها الخاصة، لسحق الكتل الأخرى وتفتيتها وتدمير قواها النفسية والمادية.. فإذا بأجهزة الإعلام سلاح رهيب ينشر في ميدان الحرب النفسية، وإذا بالأجهزة العسكرية والبوليسية تتحول إلى مراكز للقوة تنقض على الكتل المضطهدة وتعمل على إفنائها وتشتيتها وتصفيتها جسديًّا، هذا فضلًا عما تتملكه تنظيمات الكتلة المحمية من قوى وأدوات تسلطها على المعارضين بأقصى درجات العنف والقوة كي تقتلعهم من مواقعهم.. ويصل الأمر أحيانًا حدًّا من التسيب والانفلات، تتجاوز فيه الكتلة المحمية حدود النظام ومقاييس السلطة فتنطلق في نشاط فوضوي لتحقيق أهدافها في سحق المعارضين بأسرع وقت مستطاع، فينتشر الخوف والهلع في أرجاء البلاد ويتسرب إلى أعماق النفوس، وتسود الأجواء موجة من الرعب البوليسي الذي يأخذ الناس بالظنة ويعاقبهم على التهمة، قبل أن تتثبت، أبشع أنواع العقاب.
وخلال هذا الرعب والفوضوية تغيب الطاقات الإيجابية الخلاقة، والجهود المخلصة المسئولة، ويطفو على السطح كل الانتهازيين والوصوليين وسط مظاهر الغوغائية والتهريج لكي يكونوا هم «المواطنين الحقيقيين» رغم أنهم لا يقدمون لوطنهم عملًا ذا قيمة، ورغم أنهم يعتمدون -لغفلتهم- كأدوات لتحريك اللعبة إلى غايتها، أما سائر الناس ممن لا يقبلون على أنفسهم التزييف والتهريج فهم خونة وجواسيس وعملاء وبرجوازيون وأعداء للشعب، يجب حجب الحرية عنهم وسحقهم.
وخلال هذا كله تكون اللعبة قد مررت ونسي المواطنون وهم في غمرة اصطراعهم القاسي المرير هذا، المواقع الحقيقية للسلطة التي تحكمهم، وللزعيم الذي يتجبر فيهم، وللقوى التي مكنت هذا الزعيم من الوصول إلى السلطة لقاء ثمن عال يغدو من الصعوبة بمكان تقدير حجمه الحقيقي.
إن أخطر ما في هذه اللعبة أنها تقضي على الصيغة الثنائية العامة بين الحاكم والمحكوم، بين أمة تريد وحاكم ينفذ، بين جماعة تعارض وسلطة تذعن.. ويستحيل على حاكم تقف أمته موجدة إزاءه لكي تقول له «لا.. » أن يواصل بقاءه في السلطات دون أن يكترث للكلمة التي تنطلق من حناجر المواطنين جميعًا، مباشرة أو على ألسنة مندوبيهم.. من ثم كان المفتاح الحقيقي لتدمير هذه العلاقة الطبيعية بين الطرفين هو تنفيذ اللعبة المعروفة، وهي تمزيق الشعب الواحد، والتزام إحدى كتله لكي تقف إلى جانب الزعيم لمواجهة الكتل الأخرى.
وما دامت هذه الكتلة تنتمي إلى الشعب نفسه، فإن الخطر سيجيء هذه المرة، ليس في أجهزة الدولة ومراكزها القومية التي لن تستطيع مهما طغت وتجبرت أن تقهر «من الخارج» شعبًا بأسره فحسب، لكنه يجيء «من الداخل» من بين صفوف الشعب نفسه؛ من داخل كل بيت، وقلب كل جماعة، ومنعطف كل طريق.. وستمارس حينذاك بوليسية مركبة، تجيء من سلطة حكومية يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ومن كتلة شعبية تلتزمها السلطة لا يمكن بحال رؤيتها بالعين المجردة، فهي مستعدة في كل لحظة لطعن أي مواطن من الخلف في وقت لا يتصور فيه أن أحدًا يمكن أن ينقض عليه، أو أن رقابة ما يمكن أن تسد عليه الطريق.
ومن ثم يجد الحاكمون، من خلال التزام كهذا، فرصة ممتازة لحماية أنفسهم بسياج أقوى بكثير مما لو بقوا بمواجهة شعوبهم وفق تلك الصيغة الثنائية الطبيعية.. سياج يتمثل بكتلة من قلب الشعب تحتوي وتلتزم، وتجد نفسها تتضخم يومًا بعد يوم بما يضاف إليها من انتهازيين ووصوليين هم في الغالب الكتلة الأكبر دائمًا في عالمنا الثالث. ولنا أن نتصور حجم اللعبة وأبعاد المآسي التي تتفجر عنها.
فإذا ما طف الصاع وطغت الكتلة المحتواة وبغت، وجاوزت كل حد وأصبحت تشكل خطرًا حاسمًا، لا على المعارضة فحسب، بل على النظام والسلطة نفسها.. أخذ الحاكم يتأرجح كالبندول لكي يحول مؤشرات الدولة إلى كتلة أخرى قبل أن يفلت الزمام.. فيصطنع حادثة ما، أو يفجر واقعة من الوقائع، أو يدفع الكتلة المحتواه نفسها إلى الوضع الذي لا مطمح وراءه، والذي يدين الكتلة بما لا يقبل جدالًا.. ثم يقول للناس: إنه لم يعد مجال لإيقاف الفوضى عن حدها، ولإزاحة مراكز القوى في الدولة، كيلا تغدو خطرًا على النظام، إلا بضرب هذه الكتلة التي «أساءت التصرف»!! وما يلبث أن يقع اختياره على كتلة أخرى من سلم اليمين أو اليسار لكي يحتويها ويمنحها أجهزة الدولة وتأييدها وحمايتها، ويضرب بها سائر الكتل المعارضة، ويستمر، هو في الحكم، سنين أخرى!!
لقد كان حكامنا يتأرجحون دائمًا، بما تقتضيه اللعبة المرسومة في الخارج، بين اليسارية باسم الجماهيرية والتقدمية وحماية حقوق العامل والفلاح، وبين اليمين باسم الاصلاح والاعتدال والواقعية والاشتراكية الرشيدة، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، وتجاوز منطق الطفرات والخطوات المرتجلة التي تجر البلاء على البلاد.
دائمًا كانوا يتأرجحون، ودائمًا كانوا يجدون المبررات الجاهزة والأعذار المرسومة لهذا التنقل بين مواقع اليمين واليسار، دون أن يتحقق للأمة خلال هذا التنقل أي مكسب حقيقي يمكنها من ملاحقة الشعوب المتقدمة، ويقصر من المسافات المتطاولة بينها وبين تلك الشعوب ([1]).
ولكن ما دامت موضة العصر وتقاليده المعروفة: أن اليسار هو الموقع «العلمي» «التقدمي» الصحيح الذي يلتزم حقوق الجماهير من عمال وفلاحين، ويقف كنقيض حاسم بمواجهة الاستعمار والإمبريالية.. فليكن ميل الحاكمين في بلادنا إذن إلى هذا الجانب، ولتصميم نماذج منهم لأداء هذا الدور «المرسوم»، ويبدأ تصنيعها في لندن وواشنطن، وتنتهي -بعد توليها الحكم- إلى موالاة شكلية لموسكو وبلغراد وبكين، فتكسب بهذا سمات العلمية والتقدمية ومعاداة الاستعمار والإمبريالية، وتحظى بتأييد الطبقات الأكثر في العمال والفلاحين والجنود والمثقفين الثوريين.
وهذا ينقلنا إلى صيغة أخرى في صيغ لعبة اليسار واليمين، أشد خطورة وتعقيدًا من سابقتها؛ لأنها تعرف كيف تستخدم «أوسع» الجماهير، وكيف تحيط نفسها بتأييدهم وحمايتهم، الأمر الذي يضيع معه كل صوت، مؤمن، ذكي، واع، يرتفع لكي يمزق الأستار ويكشف للناس عن الأيدي الحقيقية التي تحرك الدمى على المسرح، وهي قابعة وراء الأستار.
هذه الصيغة التي يمكن تسميتها بلعبة «اليسار الغربي: الأمريكي أو الإنكليزي الحاكم»، والتي يمكن أن نجد الكثير في أبعادها ووقائعها في كتاب مایلز کوبلاند الوثائقي الخطير «لعبة الأمم» الذي استقصى معلوماته من سفراء أمريكا المباشرين للعبة «جيفرسون كافري وریموند هيد وجورج وادسورث»، ومن طبيعة أعماله السابقة حيث شغل منصب نائب القنصل في سوريا، ثم عاد إلى واشنطن عام 1949 ليساعد في تنظيم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي أنشئت يومها، ثم كان القسم الأعظم من حياته منصبًّا على منطقة الشرق الأوسط، وهو يعمل الآن مستشارًا لمؤسسة ضخمة مختصة في العلاقات الحكومية.
وهنالك أيضًا دراسة تحليلية قيمة نشرها الأستاذ نبيه عبد ربه في ثلاثة أعداد من مجلة الشهاب اللبنانية(1) تحت عنوان «اليسار الأمريكي الحاكم» التي أرجو أن تصدر في كتيب مستقل نظرًا لأهميتها التاريخية المعاصرة.
وكما أحلت القارئ في المقطع الأول من هذا البحث إلى كتاب غاي کار «أحجار على رقعة الشطرنج»، فإنني أحيله في هذا المقطع إلى كتاب كوبلاند آنف الذكر، تجنبًا للتطويل، ورغبة في أن يضع يديه مباشرة على حجم «لعبة اليسار الغربي الحاكم».
وأكتفي هنا بعرض عدد محدد من «النماذج» كوثائق تؤكد طبيعة اللعبة، وكإشارات على طريق الخديعة المحزن الطويل الذي آن لنا، بوعينا وقوانا الذاتية وحدها أن نضع عبره الحواجز والمتاريس، وأن ننفر من ورائها جميعًا مجاهدين باليد والكلمة، كيلا ندع «أحدًا يمر» بعد اليوم، إلى عقر ديارنا وشرفنا، لكي «يلعب» علينا!
• «دعا بن غوريون الكنيست الصهيوني، قبيل ثورة الضباط الأحرار في مصر، إلى التحلي بالصبر؛ لأن السلام لن يكتب «لإسرائيل» ما دام العالم العربي تحت حكم الرجعيين، وأن الخطوة التي يجب أن تسبق الصلح مع إسرائيل هي إقامة ديمقراطيات شعبية اشتراكية محل الحكومات الرجعية في الدول العربية»([2]).
• «أكد بن غوريون للكنيست الصهيوني عام 1952 أن إسرائيل ستبقى عنصرًا غير مرغوب في المنطقة إلى أن تسيطر طبقة العسكريين ومفلسفو ومبدعو الفتاوى لكل ما تأتي به هذه الطبقة، مشيرًا إلى أن الهوة ستزول حتمًا بين إسرائيل وبين دول المنطقة حالما تسيطر الاشتراكية العسكرية على دول المنطقة»(1).
• «ولهذا كله كانت حاجة إسرائيل لثورة الضباط الأحرار في مصر أشد من حاجة المصريين أنفسهم، وكانت الثورة وكأنها الفجر الذي كانت إسرائيل في انتظاره.. لأن كفاح مصر الحقيقي سيكون على أيدي هؤلاء الضباط في مصر ذاتها؛ وليس على أرض فلسطين»(1).
• ونجح الانقلاب «وكان كل شيء يشير إلى أنه قد أصبح في حوزتنا على المسرح لاعب جديد تنطبق صفاته على ما كنا نسعى إليه، وأن اللعبة التي سنقوم بها معه ستمضي بنسبة عالية من التعاون ونسبة ضئيلة من الخلاف.. أما الإدارة الأمريكية في واشنطن فقد غمرتها موجة من السرور»(2).
• «بدوا وكأنهم الفجر الذي كانت إسرائيل تنتظره، خاصة أن أولئك الضباط كانوا جميعًا صغارًا في سنهم، صغارًا في برجوازيتهم، يتطلعون إلى البقاء في الحكم على أساس أهداف كلها داخلية»([3]).
• «والخلاف فقط بين السوفيات وبين البريطانيين والأمريكان على اختيار الخيول العربية الصالحة للإطاحة بالعناصر الرجعية([4])، فبينما حرص ستالين على المراهنة على الخيول الشيوعية العربية، وهي خيول هزيلة لا تجيد حتى معرفة اللغة العربية المعقولة لأنها كانت من الأقليات ومن أنصاف الأميين، نشطت السفارات البريطانية والأمريكية لاختيار خيول عربية أخرى من نموذج الذين أسسوا حزب «السعادة» في دمشق، والذين أسسوا الخلايا اليسارية غير الشيوعية في مصر والعراق والسودان»([5]).
• «لذلك لجأت السفارات الأمريكية والبريطانية في الوطن العربي إلى تشكيل طوابير يسارية عربية المفروض فيها أن لا تكون من أولاد موسكو في الأحزاب اليسارية العربية، بل تكون من نوع يساري لا يخضع لسلطة السوفيات في أجهزة الكومنفورم والمخابرات السوفياتية.. واشترك اليهود المواطنون في البلاد العربية مع السوفيات أول الأمر، «ثم» مع السفارات البريطانية والأمريكية في اختيار العناصر اليسارية العربية التي فيها مادة تقدمية تصلح لمحاربة الرجعية العربية([6])، ألم يكن منطق السوفيات واليهود في عام نكبة فلسطين بأن المعارضين للتقدمية الإسرائيلية هم من العناصر الرجعية العربية البغيضة؟»([7]).
• «في عام 1966 قال سفير روسيا في إسرائيل: «لقد بذلنا نحن السوفيات أعظم الجهد لضمان الاتجاه العربي نحو الاشتراكية التقدمية! وهذا الاتجاه هو العامل الأساسي الوحيد الذي سيصون إسرائيل»([8]).
• وفي 15 تموز سنة 1969 قال دايان: «طالما أن العرب وزعامتهم جميعًا يقولون الآن بأن حل القضية الفلسطينية هو بأيدي الفلسطينيين أنفسهم، فلنتعامل مع الفلسطينيين وخصوصًا من النوع الذي يريدنا الاتحاد السوفيتي «وأمريكا» أن نتعامل معه.. وسنخلق دولة فلسطينية اشتراكية عربية ترضى عنها موسكو وأتباع موسكو من القيادات العربية التقدمية»([9]).
• يروي الكاتب الصهيوني هامباراجي أنه التقى مع زعيم أحد الأحزاب الاشتراكية العربية «وقد تناقشت في هذا الموضوع -العرب وإسرائيل- مطولًا مع السيد «...» في دمشق عام 1955.. وكنت أستقصي آراءه في قضية فلسطين، على اعتبار أنه قائد اشتراكي، فلاحظت انسجامه معي في كثير من النقاط ذات العلاقة بهذا الموضوع.. وكم كنت أرجو لو أن السيد «...» قال لي في العلن ما أسره في مجلس خاص»([10]).
• «... وبدون مقدمات سمع الناس أن «جورج...» أصبح زعيمًا لجبهة فدائية اتخذت المبادئ الماركسية أساسًا لعملها، وأخذت تنادي بأن الحرب ضد الرجعيين والإسلاميين أولى من حرب الصهاينة، هذا هو الظاهر؛ أما الحقيقة فإن جورج وأتباعه كانوا يتلقون التوجيهات من عملاء المخابرات الأمريكية. والجميع يذكر ما أعلنته «الجبهة...» قبيل اشتباكات أيلول في عمان من اعتقالها لسكرتير السفارة الأمريكية في الليل ثم أفرجت عنه في الصباح، ولما استجوب السكرتير من قبل المخابرات الأردنية وسئل عن سبب صعوده إلى الجبل في ساعة متأخرة من الليل، أجاب بأنه كان ذاهبًا لحضور حفلة عند صديق له، ولما عاجله المحقق بهذا السؤال: ولكنك كنت في قميص نصف كم «سبورت» ولم تكن بلباس الحفلات؟ لم يستطع الرجل أن يرد بكلمة واحدة. وقد ثبت فيما بعد أنه كان في زيارة «الخواجا» ليزوده بتعليمات سريعة ومهمة.. ولقد قال رفيقه «نايف» زعيم الجبهة الديمقراطية، بعد أن انشق عن جبهته بعد سنوات طويلة من العمل معه: «الآن أعرف أنني عملت جاويشًا في خدمة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية طوال اثني عشر عامًا»([11]).
باختصار، ونحن نتكلم عن لعبة اليمين واليسار، فإنه، كما يقول مايلز كوبلاند: «إذا لم تربح اللعبة فغير اللاعبين».
(1) في التجربة القاسمية في العراق -على سبيل المثال- استخدم الحزب الشيوعي بكافة قواعده التي كانت تسمى آنذاك «أوسع الجماهير» كأداة ممتازة في اللعبة البريطانية التي نفذها الزعيم، والتي كانت وراء كل المآسي والمذابح التي شهدها الشعب العراقي عام 1959م الأسود، وبخاصة مذبحتي الموصل «آذار 1959» وكركوك «تموز 1959». فقد احتوى «الزعيم» هذا الحزب الذي يقال: إن بعض قياداته كانت تتعامل مع أجهزة الاستخبارات البريطانية مباشرة، والتزمه التزامًا كاملًا لكي يسحق به القوى الوطنية والقومية والإسلامية التي رآها تشكل خطرًا على زعامته وتفرده. وسرعان ما سلمت المراكز الحساسة للشيوعيين في كافة مرافق الدولة، بما فيها أجهزة الاستخبارات والمؤسسات الإعلامية التي أفادوا منها أشد الفائدة.
ثم ما لبثوا أن بدأوا يتجاوزون «الحد المقرر» سيما في أعقاب دورهم المعروف في إخماد ثورة الشواف وما أعقبها من مذابح، وطرحوا شعار المشاركة في الحكم، وراحوا يهتفون في مسيرتهم الضخمة في الأول من آيار، والتي بلغت ما يقرب من نصف مليون أكثرها من الانتهازيين والخائفين والمتملقين: «حزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيمي»! وحينذاك أخذ الزعيم يقودهم بالتدريج إلى «المصيدة» التي نصبها لهم، ودفعهم دفعًا إلى ممارسة الواقعة التي أكدت للشعب أنهم عصابة جزارين وليسوا حزبًا عقائديًّا، فكانت مذبحة كركوك، وكان خطاب الزعيم الذي جاء بمثابة إعلان رسمي لتخليه عن التزامهم، وطرحهم طرح النواة لكي يلاقوا مصيرهم إزاء غضبة الشعب.. ثم راح يتلفت لاحتواء كتلة أخرى فكانت تجربته مع الحزب الوطني الديمقراطي التي توجت بمسيرة النصف مليون في العام التالي!! والتي طرح فيها شعار التنكيل بالشيوعيين، فكانت آلاف الحناجر الفلاحية تنادي، وهي تمر من تحت منصة الزعيم العالية في وزارة الدفاع: «بس اضرب حزب الشيطان يا كريم».. وحزب الشيطان هو الحزب الشيوعي!! ومحاولات أخرى مع كتل قومية تأرجحت بين اليمين واليسار، اطمأن إليه بعضها ولم يطمئن إليه أكثرها.. ثم كانت مناوراته البارعة لإحداث انشقاق داخل الحزب الشيوعي وإنشاء حزب شيوعي جديد طرح شعارات «صينية» أشد يسارية من شعارات موسكو!! ومنحت له جريدة رسمية باسمه، بينما حجب هذا الحق عن الحزب الحقيقي الضال المغضوب عليه!
(1) الأعداد: 12، 13، 14 السنة الخامسة.
(2) إيرل بيرغر: العهد والسيف.
(1) بن غوريون: أعوام التحدي.
(2) إيرل بيرغر: العهد والسيف.
(2) كوبلاند: لعبة الأمم.
(3) إيرل بيرغر: العهد والسيف.
(4) ساذج بليد من يتصور أننا يكشفنا، ورفضنا في الوقت نفسه لقوى اليسار الغربي نلتزم ونؤيد مواقع وقوى اليمين الرجعية، عربية كانت أم غير عربية؛ لأنه لولا هذه ما جاءت تلك، ولولا وجود قطبي اللعبة من يمين ويسار ما كانت اللعبة تمضي علينا أبدًا.. والدور الخياني الشنيع الذي لعبته دمشق اليسارية عام 1967 بتسليمها الجولان للعدو الإسرائيلي لا يكافؤه في الشناعة إلا الدور الذي لعبته القاهرة وعمان الرجعيتين عام 47 - 1948 في مأساتي «الأسلحة الفاسدة» و«الهدنة الموقوتة» التي نفذها فاروق وعبد الله الرجعيان الخائنان.. إننا بكشفنا ورفضنا لمواقع اليمين واليسار التي دمرت تاريخنا المعاصر وفتتت وجودنا كأمة، إنما نلتزم أمر الله الحاسم ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: 51)، ونصدر عن الموقف القرآني الوسطي الخالد: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143)، والذي تبدو آيته المعجزة تلك وكأنها تتنزل علينا لحظة ضياعنا وتمزقنا ومأساتنا المزدوجة هذه، ونحن نتأرجح -بلا وعي ولا إرادة- ذات اليمين وذات الشمال!
اليمين وذات الشمال!
(2) كوبلاند: لعبة الأمم.
(2) انظر الهامش رقم8.
(2) كوبلاند: لعبة الأمم.
(2) صحيفة الجويش كرونيكل.
(2) صحيفة هاآرتس الإسرائيلية.
(2) هامباراجي: اتهام الشرق الأوسط.
(2) نبيه عبد ربه: اليسار الأمريكي الحاكم، مجلة الشهاب عدد 13 السنة 5، وانظر هذه المسألة بالتفصيل: المرجع السابق 12، 13، 14 فضلًا عن كتاب كوبلاند: لعبة الأمم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل